هنالك أمر ما يتحضَّر بشأن الأزمة في السودان، وما يتم تحضيره خلف الكواليس، يُراد منه الترتيب لمشهد جديد، أو الخروج من حالة انسداد الأفق أمام التسوية المُفضية إلى نهاية الصراع وكسر الجمود، الذي لازم الأزمة خلال السنوات الثلاث الماضية، والشواهد تشير إلى أن جهات عديدة خارجية، وبعض الجهات الداخلية، تنشط في صناعة الموقف الجديد، بهدوء وروية.
يعوّل الفاعلون في ترتيب المشهد، بغية الوصول إلى تسوية نهائية بشكل أساسي، على فشل أطراف الحرب، من الجيش و"قوات الدعم السريع" وداعميهم، في تحقيق وعودهم بالنصر الحاسم من نواحيه المتعددة، وسط تآكل الرصيد الجماهيري لهما، وتراجع الثقة في قدرتهم على إدارة الحرب وما بعدها. كما يعوّلون أيضا، فيما هو ماض خلف الكواليس، على الخبرة المكتسبة من الانتكاسات المتكررة لمبادرات الحل إقليميا ودوليا، والأهم من ذلك تستند الخطة الجديدة على الحقائق على الأرض، والظواهر الناتجة عن الحرب، والتي لم يعد إنكارها ممكنا بأية حال.
من وجهة نظر الكثيرين، تدل على هذا التحضير شواهد قوية، بل وتدل عليه نتائج ملموسة؛ فجلسة مجلس الأمن الأخيرة التى عقدت للقضية السودانية الجمعة 26 يونيو/حزيران كادت أن تقول ذلك صراحة، وأجمع الجميع على أن الأزمة في السودان من المحال أن تستمر على ما هي عليه، ودعت الدول المشاركة في جلسة مجلس الأمن إلى هدنة إنسانية عاجلة، ولمدة ثلاثة أشهر، تفضي إلى إنهاء الحرب، وكان النقاش أكثر صراحة ووضوحا وحدة، لأن شيئا ما يجري وراء الكواليس.
تبادل الأسرى... تطور لافت
أولى النتائج الدالة على تغيرات جذرية في موقف الجيش، والحكومة بقيادة القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والتي تمثل نتيجة مباشرة للتحضير الذي أشرنا إليه آنفا، موافقةُ الجيش على تبادل الأسرى مع "الدعم السريع"، وقطعاً تمثل خطوة الموافقة على تسليم أسرى لدى الجيش إلى "قوات الدعم السريع"، تحوّلا لافتا وستكون لها تأثيرات في الموقف العام من استمرار النزاع، وآخر عملية تسليم أسرى شهدها النزاع من جانب الجيش كانت في 2023، بعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب تحت ضغط من منبر جدة للسلام، الذي قادته المملكة العربية السعودية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، وكان عددهم 30 من الجنود القصَّر، و200 من غير القُصَّر، مقابل إطلاق "قوات الدعم السريع" في مرات متكررة دُفعات من أسرى الجيش، أبرزها مبادرة إطلاق أكثر من 500 أسير من قوات الشرطة.
ومبادرات إطلاق الأسرى من جانب "الدعم السريع" كانت تأتي في إطار "حُسن النوايا"، على حد زعم قادتها، والمبادرة الأخيرة جاءت من الأمم المتحدة، عبر مبعوث الأمين العام للسودان بيكا هافستو، حيث دعا الطرفين إلى تبادل الأسرى، وقد جاء ترحيب الجيش يوم الخميس 25 يونيو/حزيران 2026، على لسان وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم، ونشرته الوكالة الرسمية وكالة السودان للأنباء (سونا)، وقال فيه إنهم يرحبون بمبادرة تبادل الأسرى التي أطلقها هافستو، وفقا للإجراءات القانونية المتبعة في هذا الخصوص، وصرّح قائلا: "حكومة السودان حريصة على أرواح مواطنيها في أرجاء البلاد كافة".


