أزمة السودان... أمرٌ ما يجري وراء الكواليس 

تراجع "الإسلاميين" في المعركة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
نساء سودانيات يمشين من خلال زجاج محطم لمبنى متضرر في العاصمة الخرطوم، 16 أبريل 2026

أزمة السودان... أمرٌ ما يجري وراء الكواليس 

هنالك أمر ما يتحضَّر بشأن الأزمة في السودان، وما يتم تحضيره خلف الكواليس، يُراد منه الترتيب لمشهد جديد، أو الخروج من حالة انسداد الأفق أمام التسوية المُفضية إلى نهاية الصراع وكسر الجمود، الذي لازم الأزمة خلال السنوات الثلاث الماضية، والشواهد تشير إلى أن جهات عديدة خارجية، وبعض الجهات الداخلية، تنشط في صناعة الموقف الجديد، بهدوء وروية.

يعوّل الفاعلون في ترتيب المشهد، بغية الوصول إلى تسوية نهائية بشكل أساسي، على فشل أطراف الحرب، من الجيش و"قوات الدعم السريع" وداعميهم، في تحقيق وعودهم بالنصر الحاسم من نواحيه المتعددة، وسط تآكل الرصيد الجماهيري لهما، وتراجع الثقة في قدرتهم على إدارة الحرب وما بعدها. كما يعوّلون أيضا، فيما هو ماض خلف الكواليس، على الخبرة المكتسبة من الانتكاسات المتكررة لمبادرات الحل إقليميا ودوليا، والأهم من ذلك تستند الخطة الجديدة على الحقائق على الأرض، والظواهر الناتجة عن الحرب، والتي لم يعد إنكارها ممكنا بأية حال.

من وجهة نظر الكثيرين، تدل على هذا التحضير شواهد قوية، بل وتدل عليه نتائج ملموسة؛ فجلسة مجلس الأمن الأخيرة التى عقدت للقضية السودانية الجمعة 26 يونيو/حزيران كادت أن تقول ذلك صراحة، وأجمع الجميع على أن الأزمة في السودان من المحال أن تستمر على ما هي عليه، ودعت الدول المشاركة في جلسة مجلس الأمن إلى هدنة إنسانية عاجلة، ولمدة ثلاثة أشهر، تفضي إلى إنهاء الحرب، وكان النقاش أكثر صراحة ووضوحا وحدة، لأن شيئا ما يجري وراء الكواليس.

تبادل الأسرى... تطور لافت

أولى النتائج الدالة على تغيرات جذرية في موقف الجيش، والحكومة بقيادة القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والتي تمثل نتيجة مباشرة للتحضير الذي أشرنا إليه آنفا، موافقةُ الجيش على تبادل الأسرى مع "الدعم السريع"، وقطعاً تمثل خطوة الموافقة على تسليم أسرى لدى الجيش إلى "قوات الدعم السريع"، تحوّلا لافتا وستكون لها تأثيرات في الموقف العام من استمرار النزاع، وآخر عملية تسليم أسرى شهدها النزاع من جانب الجيش كانت في 2023، بعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب تحت ضغط من منبر جدة للسلام، الذي قادته المملكة العربية السعودية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، وكان عددهم 30 من الجنود القصَّر، و200 من غير القُصَّر، مقابل إطلاق "قوات الدعم السريع" في مرات متكررة دُفعات من أسرى الجيش، أبرزها مبادرة إطلاق أكثر من 500 أسير من قوات الشرطة.

ومبادرات إطلاق الأسرى من جانب "الدعم السريع" كانت تأتي في إطار "حُسن النوايا"، على حد زعم قادتها، والمبادرة الأخيرة جاءت من الأمم المتحدة، عبر مبعوث الأمين العام للسودان بيكا هافستو، حيث دعا الطرفين إلى تبادل الأسرى، وقد جاء ترحيب الجيش يوم الخميس 25 يونيو/حزيران 2026، على لسان وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم، ونشرته الوكالة الرسمية وكالة السودان للأنباء (سونا)، وقال فيه إنهم يرحبون بمبادرة تبادل الأسرى التي أطلقها هافستو، وفقا للإجراءات القانونية المتبعة في هذا الخصوص، وصرّح قائلا: "حكومة السودان حريصة على أرواح مواطنيها في أرجاء البلاد كافة".

دور الإسلاميين في دعم الحرب تغيَّر خلال الشهرين الأخيرين. وبعض المراقبين عزا تراجعهم إلى تصنيف "الحركة الإسلامية" و"كتيبة البراء بن مالك" أميركياً باعتبارهما من المنظمات الإرهابية

ومن يتابع تصريحات قادة الجيش، وفي مقدمتهم البرهان، يجد أنها تتمحور حول القضاء على جنود "الدعم السريع" وإنهاء وجودهم بالكامل، وقد امتد الوعيد بالاجتثاث إلى كل من يُعتقد أنه تعاون مع هذه القوات من المدنيين، وكثيرا ما صرحت هذه القيادة بأنهم سيخرجونهم من أرض السودان بالكامل، حال لم يستسلموا ويضعوا السلاح، وإن كان ذلك يُفهم في إطار التحشيد والتعبئة والاستنفار؛ فإن تغيير خطاب الاستنفار والتعبئة، في حد ذاته، دليلَ تحول، وقولَةُ وزير التعاون الدولي محيي الدين سالم "حريصون على أبناء السودان في أرجاء البلاد كافة" لا تخلو من إشارة في ذات اتجاه الترتيبات الجديدة.

تراجع "الإسلاميين" في المعركة

معلوم أن المتهم الأول بإشعال حرب 15 أبريل/نيسان، التي يرزح تحتها السودانيون إلى اليوم، هم جماعة الحركة الإسلامية في السودان، وهذا الاتهام يستند إلى قرائن موضوعية وحجج وأدلة دامغة وشهادات شهود، وفي مقدمة هذه الأدلة سعيهم الحثيث إلى العودة للسلطة، وقطع الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي، والذي بدأ بمحاسبتهم على ما اقترفوه من جرائم خلال ثلاثة عقود، هي فترة حكمهم، وسينتهي بإبعادهم كليا عن الحياة السياسية.

أ.ف.ب
اجتماع المؤتمر الدولي الثالث حول السودان، في وزارة الخارجية في برلين في 15 أبريل 2026

لما فشلت العراقيل أمام الحكومة المدنية دعم الإسلاميون انقلابا من داخل الجيش، بمشاركة "قوات الدعم السريع" في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، ولما فشل الانقلاب وظهرت علامة عودة حكومة الثورة والتحول المدني الديمقراطي، عبر اتفاق جديد، أطلقوا شرارة الحرب المدمّرة تحت قادة "نحن أو الطوفان"، ومنذ اللحظة الأولى ظهرت كتائبهم تقاتل إلى جانب الجيش، ومنها: "كتيبة البراء بن مالك" التي صُنّفت منظمةً إرهابية من قبل الولايات المتحدة، و"كتيبة البرق الخاطف"، و"كتيبة البنيان المرصوص"، و"كتيبة العمل الخاص"، وغيرها، وخرجت القيادات تحشد وتستنفر وتوفر المال والسلاح من إيران وغيرها، وصوروا فعلهم هذا بأنه لصالح الشعب السوداني وكرامته، وأن المعركة لن تنتهي إلا بالقضاء على "قوات الدعم السريع"، كما صوَّروا للسودانيين أن ما عداهم، وبالذات من قادوا الثورة التي أطاحت بحكمهم، هم خونة وعملاء، وكل من دعا لوقف الحرب عبر التفاوض، داعمٌ لميليشيا "الدعم السريع"، على حد قولهم.

والمهم في سياق ما نحن بصدده، أن دور الإسلاميين في دعم الحرب تغيَّر إلى حد كبير خلال الشهرين الأخيرين وبشكل ملاحظ، وبعض المراقبين عزا تراجعهم عن المعركة إلى تصنيف "الحركة الإسلامية" و"كتيبة البراء بن مالك" أميركياً باعتبارهما من المنظمات الإرهابية، واتباع الإسلاميين سياسة الانحناء للعاصفة، حتى تستمر الحرب. وكذلك هناك من يرى أن مساندتهم الجمهورية الإيرانية في حربها الأخيرة ضد أميركا وإسرائيل، رغم عدوانها على دول الخليج، تتسبب في إحراج الجيش وتكشف عن أنهم، أي الإسلاميين، من الصعب الوثوق بهم؛ لذا لم يجد الجيش مناصا من إبعادهم عن المشهد، ولو من باب التكتيك.

التصعيد الأبرز مؤخرا يتمثل في مشروع القانون الذي أقرته لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، وهو مشروع "قانون الانخراط الأميركي في سلام السودان"، والذي سيفرض عقوبات أكثر قسوة على أطراف الحرب وداعميهم

ومهما اختلف المراقبون في تفسير تراجع دورهم، فإنهم متفقون على أنهم كادوا يغادرون ميدان المعركة كليا، ويكفي أنك لم تعد تشاهد قادة "المجاهدين" من الحركة الإسلامية في أرض القتال، ولا في حشد الاستنفار. ومن النماذج الجلية أنك لم تعد ترى قائد "كتيبة البراء بن مالك" المصباح أبو زيد في زي عسكري، بل تراه في لباس مدني، وفي أسفار متلاحقة خارج السودان. إنه لم يعد ينادي بالاستنفار والمشاركة في الحرب، وبات يوجّه تحديه للقوى المدنية وقوى الثورة، بدلا عن "قوات الدعم السريع". وفي الحقيقة أن قيادات إسلامية بارزة في دعم الحرب، من بينهم الناجي مصطفى والناجي عبد الله وغيرهما، سبقوه إلى هذا الموقف، ولا يمكن تفسير موقف الإسلاميين من الحرب، إلا وفق تحركات وترتيبات جديدة ماضية، دفعت الجميع- وأولهم المجموعات المساندة للحرب- إلى البحث عن تموضع جديد تحسبا لما هو آت.

البرهان والخروج من الدائرة

أمر آخر يصب في تعزيز صحة الفرضية القائلة بأن هناك تحضير للمشهد بطريقة غير مسبوقة يمضي خلف الكواليس، وهو سعي الفريق أول عبد الفتاح البرهان للخروج من الدائرة المغلقة التي فرضها عليه الإسلاميون، وحصار الإسلاميين للبرهان خلال هذه الحرب معلوم، وصرحت به قياداتهم في أكثر من مناسبة. والكل يذكر تصريحات القيادي الإسلامي المقيم في تركيا عبد الحي يوسف الذي قال: "نحن موجودون في مكتب البرهان". وكما أشرنا فقد صوروا له أنهم من مسانديه في الحرب وأنهم حاضنته السياسية.

أ.ف.ب
امرأة سودانية تجلس مع طفلها في مخيم الرحمانية للنازحين، بالقرب من مدينة الأبيض في منطقة كردفان الجنوبية، في 25 يونيو 2026

وفي الحقيقة إن سيطرة الإسلاميين على قرار البرهان قد تجلت بعد انقلاب 25 أكتوبر وربما قبل ذلك، لكن تداعيات الحرب وفشل تقديرات حسمها السريع كما كان في أيامها الأولى، دفع البرهان ودائرة الاستخبارات العسكرية القريبة منه إلى التفكير في الخروج من دائرة حصار الإسلاميين، غير أن المعطيات الموضوعية تؤكد أن تحرك البرهان في هذا الاتجاه محفوف بالمخاطر، على مستوى تماسك الجيش لجهة وجود الإسلاميين المنظم داخله، أو على مستوى مصالح وسلامة البرهان الشخصية، وبالذات حال كانت محاولة كسر دائرة الحصار من الداخل.

لذلك نرى أن حراك العوامل الخارجية بات أكثر نشاطا وتأثيرا، وهو ما يسمح للبرهان بالذهاب عكس مصالح الإسلاميين، وفك حصارهم دون أن يضطر لمواجهتهم متعللا بالعوامل الخارجية المستندة على فشل حسم المعركة، وتردي الأوضاع الداخلية، وتهديدات العدو المستمرة، ومخاوف تفتت السودان، وتأثير ذلك على الأمن والسلم الإقليمي والعالمي.

وقطعا لن يفوِّت البرهان، ودائرة الاستخبارات العسكرية حوله، تصنيف الحركة الإسلامية وكتائبها منظماتٍ إرهابية، ولكن التصعيد الخارجي الأبرز مؤخرا يتمثل في مشروع القانون الذي أقرته لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، وهو مشروع "قانون الانخراط الأميركي في سلام السودان"، والذي سيفرض عقوبات أكثر قسوة على أطراف الحرب وداعميهم، إضافة إلى بنود خطيرة، من بينها تمديد حظر الأسلحة، ليشمل كل السودان، بعد تصنيف قيادات "الدعم السريع" والجيش جماعاتٍ إرهابية.

لأول مرة، تتقارب القوى السياسية، فمؤتمر برلين للقوى المدنية يحدث اختراقا، ومؤتمر أديس أبابا أكثر نجاحا، وفي سويسرا يجتمع الآن الفرقاء السياسيون من رافضي الحرب

المشروعُ يُلزمُ الرئيسَ الأميركي وضعَ استراتيجية خاصة بالسودان تتضمن حماية المدنيين، كما يضعُ المشروع سيادةَ ومشروعيةَ الجيشِ على المحك؛ لولا أن البند المتعلق بشرعية الجيش وحكومته في تمثيل السودان حُذفَ في اللحظة الأخيرة، وعلى قول المثل: "العيار الذي لا يصيب يدوش"، وقطعا فإن القانون الذي سيكون نافذا خلال 90 يوما- إذا استمر الحال على ما هو عليه- يمنح البرهان تأشيرة خروج من حصار الإسلاميين، كما يسمح له بالذهاب عكس الاتجاه الذي يريدون، ويدفعهم للتموضع. وكل ذلك يجعل من الترتيبات الجارية خلف الكواليس أمرا واقعيا ملموسا.

المشهد الآن 

خلاصة المداولات التي جرت مع عدد من المراقبين والخبراء السياسيين، تشير إلى أن التحول أو التسوية التي يُحضر لها، لإنهاء الحرب في السودان، ستتبلور خلال النصف الأخير من هذا العام، وهناك شواهد وأدلة على ذلك، أكثر مما أوردناه سابقا، ومن بينها المشهد الذي يعيشه السودان الآن. ففي الاقتصاد بلغ التردي حدا غير مسبوق، هناك أزمات في كل شيء، العملةُ المحلية (الجنيه السوداني) فقدت قوتها الشرائية بطريقة دراماتيكية، والنظامُ المصرفي عاجز، وداعمو الجيش الخارجيون أحجموا عن الدعم، والمعلمون مضربون، وفئات مهنية أخرى، والحكومة عاجزة أو غير مبالية. كما أن الحرب تعود بشراسة، وتمتد من جبل عوينات إلى الحدود الشرقية وإقليم النيل الأزرق، فهناك حصار الأبيض من قِبل "قوات الدعم السريع"، وتهديد أقاليم وسط السودان، ومن بينها العاصمة الخرطوم، كل هذا من أبرز معالم عودة الحرب واستمرارها.

رويترز
سيارات مثقوبة بالرصاص في ساحة بالخرطوم، السودان، 11 يونيو 2026

وعلى الجانب الآخر، ولأول مرة، تتقارب القوى السياسية، فمؤتمر برلين للقوى المدنية يحدث اختراقا، ومؤتمر أديس أبابا أكثر نجاحا، وفي سويسرا يجتمع الآن الفرقاء السياسيون من رافضي الحرب، حيث ممثلو قوى الثورة المدنية في تحالف "صمود"، وداعمو الحرب من طرف الجيش، والكتلة الديمقراطية، وداعمو "الدعم السريع" في حكومة "تأسيس السودان". وما بينهم، وبحسب ما ورد، تكاد الحواجز تتهدم بالكامل، لذا فإن شيئا ما يجري تحضيره، وكما أشرنا يُتوقَّع أن تتبدى ملامحه خلال الأشهر الستة المقبلة، أو أقل من ذلك، وعلى الجميع أن يستعد.

font change

مقالات ذات صلة