رهان موسكو التاريخي… البحث الدائم عن ورقة رابحة في الخارج

لا يزال الغرب يصور كخصم رئيس ومصدر للتهديدات

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يحضر قمة افتراضية استثنائية لمجموعة دول البريكس في سوتشي في 8 سبتمبر 2025

رهان موسكو التاريخي… البحث الدائم عن ورقة رابحة في الخارج

مالت "قراءات بريماكوف" الأخيرة في موسكو بقوة إلى الخطاب المناهض للاستعمار، وإلى الطرح المألوف عن "عالم عادل متعدد الأقطاب". وقد غدا هذا الخطاب جزءا من العبارات الجاهزة في قاموس الكرملين منذ سنوات. ولم يخرج وزير الخارجية سيرغي لافروف، ولا بقية المشاركين في الندوة، عن هذا النسق. فقد أعادوا عزف المعزوفة المعروفة: مجموعة "بريكس" في الطليعة، والجنوب العالمي ينهض، والأنظمة الاستغلالية القديمة تتداعى، ونظام عالمي جديد برّاق ينتظر على الأبواب.

غير أن المواقف التي تعلنها موسكو تصطدم على الدوام بالحقائق العملية للديناميات الإقليمية، وبطبقات التاريخ التي يصعب إزاحتها جانبا. فكثير من دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية لا تزال تتعامل مع خطاب تصفية الاستعمار باعتباره ورقة تفاوض في علاقتها مع القوى الاستعمارية السابقة، تستخدمه ما دام يحقق لها مكاسب ملموسة. وفي المقابل، تنظر الجمهوريات السوفياتية السابقة الواقعة في مدار روسيا إلى تاريخها مع موسكو من زاوية أخرى. فهي ترى في السياسات الروسية السابقة طابعا استعماريا، بينما تبدو الرواية التي يفضلها الكرملين عن دوره الإقليمي قلقة أمام ذاكرتها الجماعية.

خلال العقود الثلاثة الماضية، أعادت روسيا تقييم موقعها الدولي مرات عدة وبصورة جذرية. وفي كل مرة، كان الدافع وراء هذه التحولات أقرب إلى السعي وراء المكانة منه إلى الالتزام بعقيدة أيديولوجية واضحة، مكانة تتيح لها الجلوس إلى مائدة القوى الكبرى في العالم ندا لند. في مطلع الألفية، تمحورت الاستراتيجية حول الاندماج في المؤسسات والنوادي الغربية. وكانت جاذبية الاستثمار أولوية، وكذلك بناء الثقة مع كبار القادة الأوروبيين. قام التصور آنذاك على إمكان أن تكون روسيا جزءا من العالم الغربي، مع احتفاظها بهويتها الخاصة. لكن هذا النموذج بدأ يتصدع بحلول منتصف العقد الأول من الألفية. ثم جاءت ليبيا، ومعها الاضطراب السياسي الداخلي، فوقع التحول الحاسم.

كان الهوس بتوسع حلف شمال الأطلسي أحد أكثر أخطاء العقود الثلاثة الماضية إلحاحا وضررا. فقد نظرت موسكو إلى كل خطوة جديدة يخطوها الحلف شرقا كتهديد وجودي

لم يعد النهج الجديد يسعى إلى الانخراط في النظام القائم. فقد اتجه إلى بناء مجال نفوذ في الفضاء ما بعد السوفياتي، عبر مشاريع التكامل، وتقديم روسيا خصما قيميا للغرب، والتقارب الحذر مع الصين، وإن شابه في أحيان كثيرة قدر واضح من الارتباك. لكن تحديات جديدة سرعان ما ظهرت. فالاعتماد على القوة والمساومات الجيوسياسية لم يحقق العوائد المنتظرة. وتبين أن شركاء ما بعد الاتحاد السوفياتي أكثر استقلالية بكثير مما افترضت موسكو. أما المسألة الأوكرانية، فانتقلت من قضية هامشية إلى قضية بنيوية، وبدت شرخا ممتدا في الإطار كله. ومع مرور الوقت، صار التعب الداخلي من أجندة السياسة الخارجية أكثر وضوحا. وبدأ المزاج العام يبتعد تدريجيا عن الطموحات الإمبراطورية، مفضلا علاقات أكثر عملية وقابلية للتنبؤ مع اللاعبين الكبار.

شكلت الحملة العسكرية السورية لحظة فاصلة لموسكو. فقد أظهرت أن روسيا قادرة على التحرك بحسم خارج حدودها البعيدة، لا كمورد للسلاح والموارد فحسب، وإنما كلاعب عسكري وسياسي كامل الحضور، يقدّم خدمات أمنية وغطاء قسريا. وتحولت الركيزة السورية إلى مركز لإسقاط النفوذ في أنحاء الشرق الأوسط، وكذلك في أفريقيا وأميركا اللاتينية. غير أن الكرملين، وقد أغرته النجاحات التكتيكية، فاته الأفق الاستراتيجي الأوسع. واليوم، بعد سقوط الأسد، يسعى على عجل إلى ترميم كل تشابك إقليمي جديد تمر خيوطه عبر سوريا.

أ.ف.ب
طائرة عسكرية روسية من طراز أنتونوف 72 (AN-72) أثناء رحلة جوية بين حميميم وحلب، في 16 أغسطس 2018

لا تزال السياسة الخارجية الروسية غامضة أمام العالم الخارجي، أو ما يسميه الروس "شيئا في ذاته"، في استعارة من فلسفة كانط. فإعلانات النيات السلمية، والتنصل من أي صلة بدبلوماسية الزوارق الحربية القديمة، يتجاوران مع الحملة العسكرية المستمرة في أوكرانيا، ومع استعداد لافت للرد بصورة غير متماثلة على أي خطوة. وفي الوقت نفسه، تكاد موسكو تنظر بعين الريبة إلى كل مبادرة سلام تأتي من الخارج.

بهذا المعنى، يبدو عزوف منظومة الحكم الروسية عن صوغ سياسة خارجية متماسكة، بعد سنوات من البحث والتجريب، أمرا مفهوما إلى حد ما. ولا تفعل أزمة الكوادر إلا أن تؤكد هذا الانطباع. ففي الشرق الأوسط، بدا ذلك واضحا بعد استقالة ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية والممثل الخاص للرئيس في المنطقة. ومن حيث المبدأ، يتيح منصب الممثل الخاص قناة اتصال مباشرة بالرئيس، خارج المسار التقليدي لوزارة الخارجية. غير أن هذا المنصب ظل شاغرا منذ ذلك الحين. ونتيجة لذلك، اضطر إيغور كوستيوكوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، إلى الاضطلاع بدور المفاوض في طيف من القضايا السياسية الخالصة في المنطقة، وهي ملفات تقع، من الناحية الرسمية، خارج اختصاص الاستخبارات العسكرية والملحقين العسكريين في السفارات.

كان الهوس بتوسع حلف شمال الأطلسي أحد أكثر أخطاء العقود الثلاثة الماضية إلحاحا وضررا. فقد نظرت موسكو إلى كل خطوة جديدة يخطوها الحلف شرقا كتهديد وجودي، وقابلت كل خطوة بردّ حاد أسهم في تسريع العملية عوضا عن وقفها. بهذا المعنى، جاءت الأزمة الأوكرانية ذروة لهذا التفكير الاستراتيجي المتقادم. فبدل إضعاف الحلف، أعادت موسكو إحياء مبرر وجوده، ووحدت صفوفه، وبعثت صورة روسيا كتهديد عسكري مباشر. وفوق ذلك، فإن محاولة منع قيام موطئ عسكري قريب من حدودها انتهت اليوم إلى اضطرار منظومات الدفاع الجوي الروسية إلى صد مئات الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة كل يوم.

تحاول السياسة الخارجية الروسية أن تكون كل شيء في آن واحد: مناهضة للغرب ومنفتحة على الحوار، إمبراطورية ومناهضة للاستعمار، عملية ومشدودة إلى الأيديولوجيا

من جهة، لا يزال الغرب يصور كخصم رئيس ومصدر للتهديدات، وهو خطاب عززته بانتظام التصريحات الرسمية والمبادرات التشريعية خلال السنوات الأخيرة. ومن جهة أخرى، تختبر موسكو على نحو متزايد إمكان التوصل إلى تفاهمات انتقائية في الملفات التي قد تبقى فيها أرضية مشتركة، من الاستقرار الاستراتيجي إلى بعض جوانب الأمن العالمي، وصولا إلى البحث في هندسة أمنية جديدة. غير أن الجمع بين المواجهة والتسوية يترك انطباعا بارتجال تكتيكي دائم، وبمحاولة لطمأنة الذات في ظل غياب اختراقات مرئية على الجبهة الأوكرانية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية.

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماع في مكتبة بوريس يلتسين الرئاسية في سانت بطرسبرغ، روسيا، في 27 أبريل 2026

إلى جانب ذلك، تقدم موسكو نفسها مركز قوة مستقلا معنيا بصوغ هندسة أمنية أوروبية جديدة، لكنها في شؤون الشرق الأوسط تتخذ موقفا مترددا ومراوغا، وتواصل المناورة بين مختلف لاعبي المنطقة. ويمكن فهم هذا الحذر. فالجبهة الأوروبية تظل أولوية مطلقة لدى الكرملين، وموسكو لا تستعجل الانجرار إلى صراعات إضافية قد تربك توازنا إقليميا هشا أصلا. غير أن هذا التوازن اختل بالفعل. كما أن لاعبي الشرق الأوسط انتظروا طويلا من موسكو أن تقدم شيئا أكثر حيوية، يتجاوز الاكتفاء باللعب على التناقضات بين دول الخليج والولايات المتحدة. وكان من شأن خط سياسي أوضح أن يتيح لموسكو، بين أمور أخرى، أن تشير لطهران إلى مواضع "الخطوط الحمراء" القائمة فعليا، وإلى حدود الدعم الروسي الممكن، وأن تحصل في الوقت نفسه على سند أوسع وأكثر موثوقية من الملكيات العربية.

في المحصلة، تحاول السياسة الخارجية الروسية أن تكون كل شيء في آن واحد: مناهضة للغرب ومنفتحة على الحوار، إمبراطورية ومناهضة للاستعمار، عملية ومشدودة إلى الأيديولوجيا. وبدل استراتيجية متماسكة، تحل التحركات التكتيكية محل التخطيط المنهجي، وتأخذ ردود الفعل مكان السياسة المدروسة. ولم تتمكن موسكو من صياغة فهم متسق لمصالحها، ناهيك عن الدفاع عنها بقدر من الاتساق. ومن دون ذلك، لا تبقى النجاحات المنفردة سوى حلقات عابرة في سلسلة لا تصنع مسارا.

font change