3 روايات تاريخية جديدة عن لبنان والأحواز وبغداد

الماضي منظورا إليه بعين الحاضر

3 روايات تاريخية جديدة عن لبنان والأحواز وبغداد

لا تحظى الرواية التاريخية العربية بأهمية لدى الناشرين العرب، فلا توجد دور نشر متخصصة لنشر مثل هذا النوع من الروايات، كما لا توجد أقسام أو سلاسل خاصة في دور النشر الكبرى معنية بذلك. فما ينشر بين وقت وآخر من روايات تاريخية لا يبدو أنه يجيء ضمن سياق اهتمام ما، كما أن الكتّاب الذين يبادرون إلى كتابة هذا النوع عادة ما يكتبون روايات لها وجهات سردية أخرى.

بين أيدينا ثلاث روايات عربية جديدة، تؤكد أهمية كتابة التاريخ بطرق سردية فنية، لعل الأجيال الجديدة تعرف جذورها التاريخية التي تبدو ما زالت مؤثرة على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية المعاصرة. وهذه الروايات بسردياتها المتعددة تطرح إمكان اعتماد نصوص سردية تاريخية كمواد دراسية لطلاب الثانوية العامة، كما يعمل الكثير من البلدان بالروايات التاريخية.

طانيوس شاهين

أولى هذه الروايات، رواية "طانيوس شاهين- ماذا فعلت لأستحق هذا؟" الصادرة عن "دار رياض الريس" في بيروت للكاتب اللبناني حسان الزين.

الرواية في 350 صفحة، احتوت في خاتمتها على ملحق معلومات بدا من المهم للقارئ أن يبدأ بقراءته وقراءة مقدمة المؤرخ خالد زيادة قبل قراءة النص ليعرف أكثر عن الشخصية المسرودة طانيوس شاهين (1815- 1895) وزمنه التاريخي في القرن التاسع عشر.

تسرد الرواية بصوت طانيوس أحداث الانتفاضة التي قادها ضد "مقاطعجية كسروان"، بيت آل الخازن، عام 1858، إذ اعتبر ما قام به ثورة فلاحية ضد شيوخ الإقطاع. وكان لطانيوس ثأر مع هذا البيت، إذ قتل أحد مشايخهم أباه في زمن سابق.

تصوّر الرواية أحوال الموارنة والدروز وغيرهما، فتسرد مواجهاتهم وتحالفاتهم، في ظل قوى خارجية تتنافس هي الأخرى على الوجود والسيطرة وفي مقدمتها فرنسا والدولة العثمانية.

رواية تسبق تشكّل الدولة بمفهومها الحديث والمعاصر، حيث تترسخ انتماءات النسب الطائفي والولاءات السابقة للدولة الجامعة

عمل الزين على إظهار خطاب شاهين، الذي لا يجيد القراءة والكتابة، فنجد النص مفعما باللهجة المحلية والأمثال الشعبية، التي يتبعها كدليل حكمة، فيحضر الصوت الاجتماعي إلى جانب الصوت الذاتي. فشاهين يعاني من عدم قدرة زوجته على الإنجاب، ولا يبارح موقفه طبقة الفقراء الذين رأوا فيه بعض خلاص، بالرغم من الخلفيات الطائفية الطاغية.

رواية "طانيوس شاهين" للكاتب حسان الزين

هذا الحلم المؤقت بالخلاص، يبدو حلما دائما للبنانيين. ولعل حسان الزين في كتابته لهذه الرواية أراد أن يضيء جذر المشكلة المتناسلة حتى الآن. فهي رواية تسبق تشكّل الدولة بمفهومها الحديث والمعاصر، حيث تترسخ انتماءات النسب الطائفي والولاءات السابقة للدولة الجامعة، أو الوطن المشترك. هل كانت انتفاضة طانيوس شاهين خارجة عن هذا السائد المشيخي والطائفي؟ وهل كان مشروعا "فلاحيا جمهوريا" بديلا لظلم آل الخازن؟

الرواية ترصد الكثير من التناقضات الاجتماعية، التي أدت إلى هزيمة هذا المشروع، أو الانتفاضة "الجمهورية". وهي الهزيمة التي أدت بشاهين إلى الاعتزال والشعور بالخيبة. لذا من الممكن القول إن ما عملته هذه الرواية هو تفكيك السردية التاريخية لمرحلة مهمة في نشوء لبنان الحديث، الذي لا يزال في معاصرته، يشبه في جوانب كثيرة صورته في منتصف القرن التاسع عشر، كما قدمتها الرواية.

غلاف رواية "ختم خزعل" للكاتبة هدى النعيمي

 خزعل الكعبي

تذهب رواية "ختم خزعل" الصادرة عن "دار العين" في القاهرة للكاتبة القطرية هدى النعيمي، إلى إمارة الأحواز، أو "عربستان"، لتسرد آخر أيام الحكّام العرب لهذه الإمارة وما آلت إليه بعدما غيّر الشاه اسمها إلى "خوزستان" وسجن آخر حكامها حتى وفاته.

ينقسم الرواة، من خلال تعدد أصواتهم، إلى شخوص تاريخيين لهم علاقة بحكم الإمارة وعائلة الحكم، وأشخاص متخيلين استدعتهم الكاتبة لتدعيم بنية السرد الاجتماعية، إذ بدت معظم الأحداث متكئة على معلومات تاريخية، انحازت إليها المؤلفة بشكل واضح. فظهرت الرواية في تذكيرها بتفاصيل آخر سلطة لهذا البلد كأنها تسترجع حقا سُلب من "وجهة" عربية، أو "هوية" أرض تنتمي لهذه الوجهة، وليس كما أرادها الشاه تابعة لإيران.

 ATTA KENARE / AFP
نهر كارون بعد فيضانه في مدينة الأهواز، مركز محافظة خوزستان جنوب غرب إيران، 2019

هناك أصوات في الرواية لها علاقة بتاريخ الأحواز، مثل محمود زهير عبد القادر المشعشعي (1880- 1966) الذي يذكّر بالأسرة المشعشعية التي حكمت الأحواز من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر تقريبا، لتليها الأسرة الكعبية (بنو كعب) التي انتهى حكمها عام 1925 مع الأمير خزعل الكعبي، الشخصية التاريخية الرئيسة التي تدور حولها شخصيات الرواية، "لم تكن لجدي مكانة الحاكم في الحويزة حيث نشأ في عاصمة المشعشعين، فقد قُتل أمير الحويزة وآخر حكام المشعشعين محمد بن عبدالله المشعشعي على يد نادر شاه الأفشاري الذي احتل كامل الأحواز عام 1732، لكن قيادة عربية أخرى ظهرت في الوقت ذاته مع إمارة بني كعب، أخذت تبرز على الساحة بعدما تمكن أمراؤها من مد نفوذهم في بعض أقسام المنطقة، وصارت عاصمة العرب هي المحمّرة منذ ذلك الحين".

الرواية تستعيد ذكرى إمارة عربية صارت في مهب النسيان، وتعطي مساحة مهمة للمرأة الحاضرة في سردها بشكل لافت

تتكون الرواية من فصول عدة، وتنتهي بالفصل الرابع عشر الذي تدون فيه عبارة واحدة "... أحداثه لم تحدث بعد"، تتركه المؤلفة مفتوحا للزمن، كأنها تنتظر من سيكتب تاريخ الأحواز المستقبلي، أو من سيروي سيرتها القادمة المتمثلة بإعادتها الى الحضن العربي، حسب وجهة نظر الشخوص الذين صنعتهم الكاتبة بقصدية واضحة، أو كما تنبئ قصيدة "راجعين" المثبتة في آخر الرواية للشاعر طاهر السلامي (ت 2008)، أحد أبناء المحمرة.

الرواية تستعيد ذكرى إمارة عربية صارت في مهب النسيان، وتعطي مساحة مهمة للمرأة الحاضرة في سردها بشكل لافت. هناك ثمانية أصوات للمرأة مقابل خمسة فقط من أصوات الرجال، وهي أصوات تظهر جوانب مهمة في الحياة الاجتماعية، سواء في الأحواز، أو بعد مغادرة الأبناء والأحفاد إلى أماكن شتى، كحال حنطية التي عملت في بغداد في صنع حلوى السكر وإزالة الشعر الزائد للعرائس.

ومن تمظهر الصراع بين زمنين ومجتمعين، ما حدث من عراك وسجالات شعرية بين من يتمسك بتقاليد شرب القهوة (اليمانية) العربية ومن أراد نشر ثقافة الشاي.

غلاف رواية "جهنكشاي صاحب الديوان والحشاش" للكاتب زياد مبارك

صاحب الديوان والحشاش

إذا ما عدنا إلى كتب التاريخ العربي سنجد الكثير من الحوادث والقصص المثيرة للدهشة التي كتبها المؤرخون بأساليب لافتة، تحوي الكثير من المفارقات، سواء في حياة الخلفاء اليومية أو في علاقتهم بمن حولهم، وكيفية تعاملهم مع الغزاة.

رواية "جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش" الصادرة عن دار "نوفل" (دمغة الناشر هاشيت أنطوان) في بيروت للكاتب السوداني زياد مبارك، تقترب من هذه العوالم التاريخية العربية، فتستعيد الأيام الأخيرة للدولة العباسية وتزامنها مع مجيء المغول.

 AHMAD AL-RUBAYE / AFP
باب الوسطاني، المعروف أيضا بباب خراسان، آخر بوابات سور بغداد التاريخي الباقية، 2024

ونعرف أن العنوان يحيل على كتاب "تاريخ جهانكشاي"، أو "تاريخ فاتح العالم"، لعلاء الدين عطا ملك الجويني صاحب الديوان وحاكم العراق بعد سقوط بغداد، الذي دوّن في كتابه هذا، في نحو 1260م، تاريخ جنكيز خان مؤسس دولة المغول. أما الحشاش، فيعني به جوتيار، إسماعيليا نشأ في جبال الديلم. يتخذ الكاتب اسمه كحيلة روائية لأسماء وصفات عديدة. فبعد عنوان "أطراس جوتيار الكردي" يتحدث الشامي أنه تلقى صندوقا فيه أربعة طروس كتبها "الظافر بدين الله مستوفي الديوان"، وهو نفسه الحشاش جوتيار، كما أنه هو نفسه من يحمل اسمي حسن وأزاد الفارسي (يذكّر بشخصية حسن الوزان، صاحب الأسماء العديدة، في رواية أمين معلوف التاريخية "ليون الأفريقي"). وصفة "مستوفي الديوان" تعني العمل في إدارة مالية الديوان. وفي الديوان ورجاله، والأحداث التي تصاحب سلطته، سنقرأ الكثير من المكائد والصراعات والحيوات التي تظهر لتنطفئ أو يتحوّل دورها إلى غير ما كانت عليه.

التاريخ هنا لا يتمثل سوى بالأسماء "التاريخية" وبعض المفردات والتعابير اللغوية لتلك المرحلة

الرواية كُتبت بتفصيل سردي، اهتم بكل ما يتعلق بالزمن التاريخي، لكن هذا الاهتمام جاء من زاوية امتحن فيها المؤلف إشكالية السلطة حين تكون في وضع لا يقيني، وفي مجتمع عمت فيه الفوضى وارتفع فيه صوت الخراب والقتل كتشكيل لصورة ما بعد الانهيار التي يبدو القتل فيه، مثلا، مبتغى لذاته، وإن تمظهر بحجج كثيرة "أتراك ما زلت تسمع صراخ ضحاياك بين يديك قبل أن تنزع أرواحهم البريئة بخنجرك؟ ها قد جئت إلى بغداد تبحث عن المزيد من الضحايا. لن ترعوي عن مهنتك، فما يجري في دمك من شهوة القتل يشدك إلى ضلالك القديم". فعلاء الدين إذ يصبح كاتبا لديوان السلطة الجديدة ثم وكيلا لها على بغداد، يشهد فظائع ما يرتكبه المغول، فيعمل على النقيض منها عبر إصلاح ما أفسدوه ورأى أنه مشارك فيه، ولو بطريقة مباشرة، وإذ يستعين بأعوانه من أجل ذلك يتحقق له ما يريد قبل أن يواجه نكبة عائلته في النهاية.

يؤسس الكاتب روايته الأولى، على بناء سردي حديث تراكمت أساليبه خلال القرن العشرين، وإن كان قد عاد إلى التاريخ ليستكشف بعض جوانب محنته. والتاريخ هنا لا يتمثل سوى بالأسماء "التاريخية" وبعض المفردات والتعابير اللغوية لتلك المرحلة، أما الإشكالية فإنها مستعادة عبر الزمن لتظهر بجمال سردي حديث.

font change

مقالات ذات صلة