توحيد المؤسسات أم إدارة الانقسام؟ اختبار المبادرة الأميركية في ليبيا

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل ليبي يلوّح بعلم بلاده بينما يتجمّع متظاهرون لمطالبة المجتمع الدولي برفع الحظر المفروض على تسليح الجيش الليبي أو تزويده بالذخيرة، وذلك في مدينة بنغازي الساحلية الشرقية في 27 فبراير 2015

توحيد المؤسسات أم إدارة الانقسام؟ اختبار المبادرة الأميركية في ليبيا

أطلق مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس تصريحات متفائلة حول مبادرته الأخيرة والهادفة إلى إنهاء الانقسام السياسي الذي شاب المشهد الليبي لسنوات. جاءت بعدها زيارة صدام حفتر إلى واشنطن نهاية يونيو/حزيران 2026 ولقاؤه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والتي تزامنت مع استضافة الجانب الأميركي الأسبوع السابق اجتماعاً توحيدياً جمع رؤساء الأركان والقادة العسكريين الليبيين من الشرق والغرب بهدف بحث إمكانيات توحيد المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات أعطت زخماً للمبادرة التي تأتي في لحظة تشهد فيها ليبيا حالة من الجمود السياسي الداخلي المستمر منذ تعثر انتخابات 2021، إلا أن فحص بنية المبادرة وسياقها التاريخي يشير إلى أنها، حتى في حال نجاحها شكلياً في جمع الأطراف حول طاولة واحدة أو إنتاج ترتيب انتقالي معلن، لن تحل الأزمة الليبية الحقيقية.

فالمبادرة تبني مقاربتها على الاعتراف بموازين القوى العسكرية والسياسية القائمة على الأرض بدلاً من تفكيك أسباب الانقسام البنيوي: غياب آليات إنفاذ ملزمة، واستمرار انقسام المؤسسات السيادية كالقضاء والمصرف المركزي، وانعدام إطار دستوري واضح، إضافة إلى رفض داخلي فعلي- سياسي وقانوني- من أطراف رئيسة كالمجلس الأعلى للدولة. وهذا يعني أن المبادرة، وإن نجحت في التوصل إلى تفاهم بين مراكز القوة، من المرجح أن تكرّس خارطة النفوذ القائمة بدلاً من إنهائها وهو ما فعلته مبادرات سابقة نجحت في توحيد الحكومة شكلياً دون أن تنجح في توحيد الدولة فعلياً.

فالمبادرة والتي لم تصدر بعد في وثيقة رسمية مكتوبة تشير إلى إمكانية تشكيل ترتيبات انتقالية تجمع مؤسسات الدولة المنقسمة والتي ستشمل بقاء حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وصدام حفتر لدور قيادي في هيكل رئاسي جديد. وفي الوقت ذاته تواجه عدداً من التحديات الجوهرية التي يجب وضعها في الحسبان، منها: الخلافات بين طرابلس وبنغازي حول الحكم والسلطة، وتعدد المسارات المتنافسة التي تجعل من غير الواضح أي منها سيحظى بفرص النجاح، إضافة إلى غموض العلاقة مع مسار الأمم المتحدة وحواراتها الحالية وهو ما يثير مخاوف من أن تؤدي المبادرة إلى إضعاف الجهود الأممية بدلاً من تعزيزها.

المبادرة تبني مقاربتها على الاعتراف بموازين القوى بدلاً من تفكيك أسباب الانقسام البنيوي

العامل الأميركي

الاهتمام الأميركي والإقليمي المتصاعد يسعى إلى تحريك الجمود الذي يطبع الملف الليبي والذي عاد إلى واجهة الاهتمام خلال الأسابيع الماضية. مثل الاجتماع الوزاري الرباعي الذي عُقد في القاهرة في 21 يونيو/حزيران 2026 بمشاركة وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وشهد على هامشه لقاء مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والملف الإيراني. وفي ختامه تم الإجماع على أهمية دعم الجهود الرامية إلى وحدة ليبيا ودفع العملية السياسية.

رويترز
مسعد بولس، كبير مستشاري الشؤون العربية والأفريقية في الولايات المتحدة، يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال المؤتمر الدولي الثالث للسودان في وزارة الخارجية ببرلين، ألمانيا، في 15 أبريل 2026

تلا اجتماع القاهرة حراك استخباراتي لافت أعطى زخماً إيجابياً لجهود بولس، ففي 23 يونيو/حزيران 2026 زار رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد طرابلس وهي الزيارة الأولى له منذ توليه منصبه في أكتوبر/تشرين الأول 2024 تزامناً مع زيارة رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن الذي وصل طرابلس قادماً من بنغازي، إضافة لزيارة من رئيس الاستخبارات الإيطالية الجنرال جيوفاني كارافيلي للتباحث في المستجدات السياسية والأمنية، التقى قالن الدبيبة والمنفي ووكيل وزارة الدفاع الزوبي ووزير الداخلية الطرابلسي بعد لقائه صدام حفتر في بنغازي. هذا الحراك يوضح أن القوى الإقليمية ترى الملف الليبي ملفاً أمنياً بقدر ما هو سياسي وأن أي تسوية تحتاج غطاءً استخباراتياً من الفاعلين الخارجيين.

القوى الإقليمية ترى ليبيا ملفاً أمنياً، وأي تسوية تحتاج غطاءً استخباراتياً

نفطٌ يصنع الصفقة

هنا التطورات التي حدثت من اجتماعات ولقاءات دبلوماسية وعسكرية واستخباراتية حول ليبيا من المهم قراءتها أيضا في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومن أبرزها تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز وما فرضته من اعتبارات جديدة تتعلق بأمن الطاقة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ففي هذا السياق تسعى واشنطن إلى دور أكبر يحد من تنامي النفوذ الروسي في شرق ليبيا، والحفاظ على استقرار إنتاج النفط، ومنع تحوّله إلى أداة ضغط سياسي أو عسكري بيد أي طرف وهو ما يحدث حاليا بالفعل.

وقد بدا هذا التوجه واضحاً في حديث مسعد بولس إلى صحيفة "فايننشيال تايمز"، حيث قال: "خطتنا هي أن تكون هناك حكومة موحدة، وتوحيد كل المؤسسات"، وحثّ شركات النفط الأميركية على الاستثمار في ليبيا. وأشار بولس إلى أن شركتي "كونوكو فيليبس" و"شيفرون" وقّعتا اتفاقيات مع ليبيا عام 2026، متوقعاً أن يتضاعف الإنتاج النفطي الليبي ليصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد. فليبيا تجذب الاستثمار في هذا القطاع بحكم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، بنحو 48 مليار برميل (متفوقةً على نيجيريا، أكبر منتج للنفط في القارة، التي يبلغ احتياطيها نحو 38 مليار برميل)، ومع ذلك فهناك تعقيد إضافي في هذا الملف، فرغم أن النفط الليبي مملوك رسمياً للشعب الليبي وتديره المؤسسة الوطنية للنفط ومن المفترض أن تُودع عائداته في المصرف المركزي الليبي، توجد في ليبيا مؤسسات نفطية خاصة مرتبطة بالجماعات المسلحة التي تتمتع بنفوذ قوي على الأرض، وهو ما أثار مخاوف بشأن إدارة بعض الإيرادات خارج القنوات التقليدية للدولة.

أ.ف.ب
مقاتل مسلح من المجلس الوطني الانتقالي يقوم بتأمين مصفاة الزاوية النفطية، الواقعة على بعد حوالي 40 كيلومتراً غرب طرابلس، في 27 أكتوبر 2011

وفي ظل هذه المعطيات وبسبب استمرار الانقسام المؤسسي يبقى قطاع النفط ساحة رئيسة للصراع بين الأطراف الليبية، فالأطراف الليبية لا تتنازع على ملكية النفط بقدر ما تتنافس على السيطرة على المؤسسات والمنشآت التي تدير إنتاجه وتصديره وعائداته، وهو ما جعل قطاع النفط عاملاً حاسماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد منذ انقسام مؤسسات الدولة.

واشنطن تسعى لتحجيم النفوذ الروسي في شرق ليبيا ومنع النفط من التحول لأداة ضغط سياسي أو عسكري

انقسام داخلي يعقّد المبادرة

أولاً: المؤيدون للمبادرة

تظهر في شرق ليبيا مواقف أكثر إيجابية تجاه المبادرة فقد أشارت القوات المتمركزة في شرق البلاد وهو التشكيل العسكري الذي يقوده المشير خليفة حفتر إلى استعدادها للدخول في مفاوضات بشأن المقترح الأميركي، معتبرة أنه قد يوفر مساراً نحو تسوية سياسية وإنهاء الأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات. كما أن صدام حفتر والذي يعتبر من المستفيدين من هذه المبادرة رحب أيضاً بها ويمكن تبرير هذا من واقع الاستفادة التي سيحصل عليها إن تم تطبيقها.

كما أعلن 104 أعضاء في مجلس النواب الليبي من أصل 155 عضواً تقريباً ترحيبهم بالمبادرة الأميركية، ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات تشكك في فرص نجاح المصالحة، مشيرة إلى أن الخطاب السياسي السائد في الشرق ما زال يركز على الصراع مع طرابلس أكثر من التركيز على مشروع وطني جامع.

ويرد مؤيدو المبادرة على الجدل الدائر حول إشراك مؤسسات أخرى بأن المؤسسات والأجسام السياسية القائمة شاركت في العملية السياسية لأكثر من عقد دون أن تنجح في إنهاء الانقسام أو إجراء انتخابات عامة، وهو ما يجعل من الضروري اعتماد مقاربة أكثر واقعية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الفعلية على الأرض بدلاً من تشتيت الجهود.

ثانياً: المعارضون للمبادرة

هنا تجدر الإشارة إلى أن معسكر الشرق الذي يسيطر عليه حفتر ليس موحّداً خلف المبادرة، فرئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورغم انتمائه للشرق يقف في الجبهة المقابلة مع المعسكر الغربي. وعلى الرغم من أن الدبيبة يتعامل بحذر ولم يرفض المبادرة إلا أن المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة أعلنا رفضهما للمبادرة بصيغتها المتداولة. وهنا يبرز السؤال الأهم: في ظل هذا الرفض الذي تواجهه المبادرة من داخل مجلس الدولة، كيف يمكن تمريرها أصلاً؟ فالمجلس الأعلى للدولة لم يكتفِ بالرفض السياسي للمبادرة بل أغلق الباب القانوني، إذ أعلن في بيان رفضه القاطع لأي تسوية تُبرم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، وأكد عدم اعترافه بأي تمثيل له في أي مفاوضات ما لم يكن بتفويض رسمي وصريح صادر عن المجلس وأن أي تصرف يخالف ذلك يُعدّ في حكم العدم قانوناً.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والقائد العسكري الليبي خليفة حفتر لدى وصولهما إلى موسكو قبل اجتماعهما الذي كان مقررا في 10 مايو 2025

كما دعا المفتي العام الصادق الغرياني رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى التنسيق مع المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة لمواجهة المبادرة، وحثّ القوى العسكرية في غرب ليبيا على رفضها، والسبب في نظره هو أن أي حكومة يهيمن عليها معسكر حفتر قد تستهدف خصومه السياسيين في الغرب الليبي مستقبلاً.

هنا تتفق معه في هذا الخط قوى سياسية ومدنية ترى أن المبادرة رغم تقديمها باعتبارها وسيلة لتوحيد البلاد، قد تؤدي عملياً إلى تثبيت خارطة النفوذ القائمة بدلاً من إنهاء الانقسام. كما أنها تقوم على الاعتراف بموازين القوى العسكرية والاقتصادية الموجودة على الأرض، بما في ذلك النفوذ المرتبط بقطاع النفط في مقابل المؤسسات السياسية القائمة التي تم تهميش دورها السياسي المهم مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى الأحزاب والقوى المدنية التي لا تمتلك أجنحة مسلحة أو نفوذاً أمنياً مباشراً، وهو ما يرونه متعارضاً مع المسار الديمقراطي والانتخابات التي تدعو إليها الولايات المتحدة نفسها.

الشرق ليس موحّداً، والأعلى للدولة يعد أي تسوية خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي في حكم العدم قانوناً

إرث المبادرات الفاشلة

من المهم الإشارة إلى أن هناك حالياً ثلاث مبادرات مطروحة أمام الليبيين. الأولى هي مبادرة الأمم المتحدة التي تستند إلى مخرجات الحوار الليبي، والتي أعلنت عنها رئيسة بعثة الأمم المتحدة حنا تيتيه خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن في يونيو/حزيران من العام الحالي. أما الثانية فهي مبادرة المجالس الثلاثة (مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي)، التي أطلقها كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، عبر خارطة طريق جديدة تنصّ على إجراء الانتخابات العامة قبيل السابع عشر من فبراير/شباط 2027. أما المبادرة الثالثة، التي لم ترَ النور بعد، فهي المبادرة الأميركية. ومن المبكر القول إن أياً من هذه المبادرات سيكون هو الأرجح، رغم وجود توجه يرى أن المبادرة الأميركية قد تحظى بفرص أكبر باعتبارها مدعومة من الولايات المتحدة. لكن يبقى السؤال الأهم وهو: هل يمكن تنفيذها فعلاً، في ظل الاعتراضات الكبيرة التي تواجهها، سواء في المنطقة الغربية أو من أطراف أخرى؟

وحول تموضع المبادرة الأميركية من المسار الأممي يصرّ مسعد بولس على أن مبادرته لا تهدف لاستبدال جهود الأمم المتحدة بل تكملها! غير أن هذا التصور يثير عدة تساؤلات: فالمبادرة الأميركية تنطلق من معادلة مختلفة جذرياً، حيث تركز على موازين القوى الفعلية على الأرض بينما يركز المسار الأممي على الشمولية والتمثيل المؤسسي الواسع. وهذا الاختلاف قد يضعف دور الأمم المتحدة بدلاً من أن يعززه، خاصة إذا بدأت الأطراف الليبية بتقييم الخيار الأميركي كبديل أكثر واقعية من الحوار الموسع... كما أن تعدد المسارات أثبت أنه يؤدي إلى تشتيت الجهود بدلاً من تركيزها.

فعلى الرغم من أن واشنطن أحرزت خلال الأشهر الماضية التوافق على أول ميزانية موحدة بين الشرق والغرب منذ أكثر من 13 عاماً في أبريل/نيسان 2026. فالمراقبون يعتبرون أن واشنطن تعتمد على نجاح الميزانية كأساس إلى تسوية سياسية بهذا التعقيد. فملف توحيد ليبيا وإجراء انتخابات أُحبط مراراً وتكراراً من قبل، فقد أعقب سقوط نظام القذافي سلسلة من المبادرات الدولية الهادفة أبرزها اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة وأسفر عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، ثم مؤتمرا باريس وباليرمو اللذان ركزا على دفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات. وفي عام 2020 برز مسار برلين باعتباره الإطار الدولي الأوسع لتنسيق الجهود الدولية والإقليمية بشأن ليبيا، ثم انبثقت عنه لجنة 5+5 العسكرية التي نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. ثم ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي أسفر عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والذي هدف هو أيضاً إلى توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات ولكنها تعثرت.

المصير الذي واجه معظم هذه المبادرات هو الخلافات المستمرة حول تقاسم السلطة وتوزيع عائدات النفط، وتوحيد المؤسسة العسكرية . كل هذا حركته أزمة انعدام الثقة بين الأطراف الليبية وهو ما جعل ازدواجية السلطة التنفيذية وتنازع الشرعيات المشهد الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

أ.ف.ب
رئيس حكومة "الوحدة" المؤقتة عبد الحميد دبيبة، ومسعود سليمان موسى، القائم بأعمال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، في مؤتمر صحفي للإعلان عن أول منح جديدة لتراخيص استكشاف وإنتاج النفط منذ 17 عاماً، طرابلس في 11 فبراير 2026

وامتد هذا الانقسام تدريجياً إلى مؤسسات كانت تُعد من آخر ركائز وحدة الدولة وفي مقدمتها السلطة القضائية التي بدأت تشهد انقساماً متزايداً رغم الجهود الأممية للحفاظ على وحدتها. وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة بسبب أنه يهدد إحدى أهم ركائز البلاد ويقوض الثقة في المؤسسات، ويعقّد أي عملية انتقال سياسي أو انتخابي لكونها الجهة المخولة بالفصل في النزاعات الدستورية والانتخابية وضمان تنفيذ الاتفاقات السياسية.

إضافة للمشهد المعقد داخلياً فهناك عنصر الدعم والاعتراف الدولي فلا يزال الاعتراف الرسمي يميل إلى حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باعتبارها الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة. ومع ذلك فموازين القوة على الأرض فرضت واقعاً مختلفاً إذ تحافظ مصر والإمارات وروسيا على علاقات وثيقة مع معسكر حفتر في الشرق، بينما تبقى تركيا الداعم الأبرز لطرابلس. أما إيطاليا والولايات المتحدة فتتعاملان ببرغماتية مع الطرفين، مع الحفاظ على الاعتراف الرسمي بحكومة طرابلس والدفع نحو تسوية توحد المؤسسات الليبية التي تمنع عودة المواجهات العسكرية وتحافظ على استقرار إنتاج النفط.

ووفق ما سبق، قد تتحول المبادرة الأميركية إلى إطار تفاوضي جديد يضاف إلى سلسلة المبادرات التي شهدتها ليبيا خلال العقد الماضي إذا لم تُدعَم بآليات تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة. فالتحدي الرئيس لا يكمن في التوصل إلى اتفاق سياسي جديد بقدر ما يكمن في ضمان تنفيذه ومنع الأطراف المختلفة من استخدامه كمرحلة انتقالية مفتوحة تعيد إنتاج الانقسام القائم.

ما بعد القذافي... هل تكسر المبادرة الحلقة المفرغة؟

يتطلب نجاح المبادرة عدة معايير:

المعيار الأول: جدول زمني محدد للمرحلة الانتقالية يحدد بصورة واضحة صلاحيات كل طرف وحدود نفوذه ومسؤولياته، ويمنع تداخل السلطات أو تضاربها. كما يحتاج إلى آليات رقابة ومتابعة تضمن تنفيذ الالتزامات المتفق عليها وتمنع تعطيلها من قبل أي طرف سياسي أو عسكري.

والمعيار الثاني: لا يمكن لأي تسوية أن تحقق الاستقرار الدائم ما لم تركز على إعادة توحيد المؤسسات السيادية الأساسية للدولة، وفي مقدمتها السلطة القضائية التي تواجه تحدياً كبيراً، كما أن أزمة الدستور ما زالت موجودة ومن دون إطار دستوري واضح، فإن تمكين شخصيات أو أطراف ذات طابع عسكري من قيادة المرحلة سيؤدي على الأرجح إلى إطالة أمد الأزمة لسنوات إضافية، بدلاً من إنهائها.

إضافة للسلطة القضائية هناك أيضاً حاجة لتوحيد المصرف المركزي، والمؤسسات المالية والرقابية، ووزارة الخارجية، باعتبارها ركائز وحدة الدولة واستمرارية عملها. فاستمرار الانقسام داخل هذه المؤسسات يهدد أي اتفاق سياسي.

والمعيار الثالث: مدى انفتاح الترتيب على المراكز السياسية الأساسية في ليبيا بدل حصره في مراكز القوة العسكرية والاقتصادية وخطة واضحة لانتخابات وطنية تنقل الشرعية من التوافقات المؤقتة إلى المؤسسات المنتخبة وهو ما سيردّ على منطق من يرون في الاتفاق مجرد مقدمة لتقاسم مؤقت للسلطة.

في النهاية، لا يبدو أن التحدي الرئيس أمام المبادرة الأميركية هو في جمع الدبيبة وحفتر حول طاولة مفاوضات واحدة، بل في تحويل تفاهم بين مراكز القوة إلى مشروع دولة قادر على استيعاب المؤسسات السياسية الليبية وإعادة بناء الثقة التي اهتزت لسنوات بين الأطراف الليبية. وكما أظهرت هذه القراءة، فإن غياب آليات الإنفاذ، واستمرار انقسام المؤسسات السيادية، وانعدام الإطار الدستوري، إلى جانب الرفض الداخلي الفعلي الذي تواجهه المبادرة، كلها عوامل تجعل من المرجح أن تتحول- في أفضل الأحوال- إلى تفاهم آخر بين مراكز القوة يُبقي خارطة النفوذ القائمة كما هي، لا أن تكون نقطة التحول التي يحتاجها الملف الليبي. فالتجربة الليبية خلال العقد الماضي أظهرت مراراً أن الاتفاقات التي تنجح في توزيع السلطة لا تنجح بالضرورة في بناء مؤسسات مستقرة.

font change