قراءة فلسفية في تقنية "الڤار" الكروية

هل يمكن الاحتكام إلى التقنية في عالم السياسة؟

Daria Lada
Daria Lada

قراءة فلسفية في تقنية "الڤار" الكروية

ما دمنا في حمأة الكرة والتحكيم و"الڤار"، فقد يخطر في بالنا السؤال: هل أدخلت تقنية "الڤار" (Video Assistant Referee مساعدة الفيديو في التحكيم) مزيدا من العدالة إلى لعبة كرة القدم، أم أنها أعادت النظر في مفهوم الحقيقة، وغيرت دور الخطأ ودلالته، وربما مسار المباريات ذاتها؟

في الماضي كان الخطأ التحكيمي جزءا من دراما المباراة. كان الجمهور يغضب، واللاعبون يحتجون، ثم يتحول قرار الحكم إلى مادة للسرد والذاكرة، فيغطي جدالات الأسبوع في انتظار مباراة مقبلة. أما اليوم فقد صار هناك أمل دائم في حسم المسألة في حينها وعلى الميدان، وذلك بالاحتكام إلى التقنية، لتفصل في النزاعات، وتبت "حقيقة" ما جرى. لكن هذا الأمل نفسه ولد نوعا جديدا من التوتر. فكل قرار أصبح قابلا للمراجعة، وكل لقطة قابلة للتشريح، فكأن المباراة لم تعد تلعب فقط في الملعب، بل أيضا في نسختها "الأقرب إلى الحقيقة" داخل غرفة "الڤار".

التقنية والتأويل

من هذه الوجهة يشبه مفعول "الڤار"، على نحو ما، ما أحدثته الحداثة في مجالات أخرى من تقليص هامش فعالية الإنسان باسم الموضوعية، وإحلال التقنية محله لتوسيع قدراته، وتقوية حواسه. لكن المفارقة أن هذه التقنية، كما هو الأمر في المجالات الأخرى، لم تحقق تلك الموضوعية المنشودة، ولم تلغ تعدد التأويلات، وزوايا النظر.

فقد كنا في ما سبق نثق في الحكم، لأننا نجهل ما لا يراه، فلما ادعينا أننا نرى كل شيء، لم يبق ما نثق به. كأن "الڤار" لم يقض على الجدال، بل نقله من سؤال: "ماذا رأى الحكم؟" إلى سؤال أكثر تعقيدا: "كيف ينبغي أن نرى ما نراه؟" وربما لهذا السبب تستمر كرة القدم، وقد يقول البعض من حسن الحظ، في إثارة الشغف، لأنها تذكرنا بأن العدالة الكاملة أصعب من مجرد امتلاك صورة أو تقنية. فبين الوقائع وتأويلها تبقى دائما مسافة صغيرة، هي المسافة التي يتسلل منها الشك، ويتدخل الإنسان فيحتد الجدال.

يمكن القول إن "الڤار" يعبر عن نزعة أوسع تطبع عالمنا المعاصر، وهي انتقال الثقة من الحكم البشري إلى الوسيط التقني

كأن ما يكشفه "الڤار" ليس مجرد تطور في وسائل التحكيم، بل تحول في علاقتنا بالحقيقة ذاتها. لقد كان الحكم في السابق يجسد سلطة بشرية قابلة للخطأ، لكن الجميع كان يعرف أن قراره نهائي رغم محدودية رؤيته ونسبية تقديراته. أما مع "الڤار" فقد نشأ افتراض جديد: إذا اختلف البشر، فلنحتكم إلى الآلة التي "لا يأتيها الباطل من بين يديها"، فكأن التقنية تحتل موقع الشاهد الذي لا يكذب، أو القاضي الذي لا يظلم.

Action Images via Reuters/Peter Cziborra
الحكم كريغ باوسون يراجع لقطة عبر شاشة تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) قبل احتساب ركلة جزاء لـ"ليدز يونايتد" في كأس الاتحاد الإنكليزي، 2026

لكن ما يغيب عن هذا التصور هو أن التقنية لا "تحكم" من تلقاء نفسها. فهي لا تقدم سوى معطيات وصور وزوايا ومقاييس، أما المعاني والمقاصد والنيات والتأويلات والأحكام فتظل من اختصاص الإنسان، سواء ذلك الذي في الغرفة أم ذاك الذي يوجد في الميدان. الصورة لا تقول وحدها إن هذا الاحتكاك يستوجب ضربة جزاء أو لا يستوجبها، كما أن خط التسلل المرسوم إلكترونيا لا يكتسب دلالته إلا داخل منظومة من القواعد والاصطلاحات والتأويلات البشرية.

انتقال الثقة

لذلك يمكن القول إن "الڤار" يعبر عن نزعة أوسع تطبع عالمنا المعاصر، وهي انتقال الثقة من الحكم البشري إلى الوسيط التقني. فكأن الإنسان الذي فقد ثقته في أحكامه أخذ يبحث عن يقين خارج ذاته. غير أن المفارقة هي أن هذا اليقين لا يتحقق أبدا، لأن التقنية نفسها لا تعمل إلا داخل أفق بشري يحدد ما ينبغي تصويره، وكيفية تصويره، ومن أي زاوية؟ وما الذي يعد خطأ أصلا؟

من هذه الناحية، لا يمثل "الڤار" انتصارا للحقيقة على الخطأ، بقدر ما يمثل إيمانا جديدا بالتقنية بوصفها طريقا إلى "الحقيقة". وهو إيمان قريب مما سماه بعض الفلاسفة "أسطورة الموضوعية المطلقة"، أي الاعتقاد أن في الإمكان الوصول إلى واقع خالص منزه من كل منظور وتأويل.

ولعل الدرس الذي تقدمه لنا كرة القدم هنا هو عكس ما نظن: فكلما كثرت الكاميرات وتعددت الزوايا، ازداد وعينا بأن الرؤية ليست هي الحقيقة ذاتها. فالصورة لا تلغي التأويل، بل قد تضاعفه. ولا يزال الإنسان، حتى وهو محاط بالشاشات والخوارزميات، مضطرا إلى أن يؤول ويحكم، وأن يقرر، ويتحمل مسؤولية قراره.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأساس هو "هل الڤار معصوم من الخطأ؟"، وإنما، ما إذا كان توقنا إلى الڤار يكشف عن حاجتنا المعاصرة إلى سلطة جديدة نلقي عليها عبء الحكم والمسؤولية؟ فربما لم نضع ثقتنا في التقنية لأنها لا تخطئ، بل لأننا أصبحنا أقل استعدادا لتحمل هشاشة الحكم البشري ذاته.

كلما ازدادت الثقة في الوسائط التقنية في المجال السياسي، ازداد خطر تحويل الخلافات السياسية إلى مسائل تقنية

يطال عدم الاستعداد هذا مجالات أخرى أوسع من كرة القدم، ربما من أجل ذلك يتساءل البعض عما إذا كان في إمكان الڤار أن يفعل، في ميدان السياسة، أكثر مما يفعله في ميدان الكرة، فيقضي على كثير من الخلافات؟

جوابا عن هذا السؤال، ربما ينبغي أن ننطلق من كون السياسة تختلف اختلافا جذريا عن الرياضة. ففي المباراة يوجد اتفاق مسبق على القواعد وعلى الهدف من اللعبة، والخلاف ينصب غالبا على بعض الوقائع: هل تجاوزت الكرة الخط؟ هل كان اللاعب متسللا؟ هل لامس الكرة بيده متعمدا؟ أما في السياسة فالنزاع لا يتعلق بالوقائع وحدها، بل بالقيم والمصالح والتصورات المتعارضة للخير العام. فحتى لو اتفق الجميع على الوقائع، فقد يختلفون حول دلالاتها وما ينبغي فعله إزاءها.

لهذا فإن "الڤار" السياسي، إن وجد، قد يحسم بعض الأسئلة الواقعية، لكنه لن يحسم الأسئلة السياسية الحقيقية. يمكنه أن يثبت أن رقما ما بعيد عن الخطأ، أو أن حدثا ما وقع بالفعل، لكنه لا يستطيع أن يقرر ما إذا كانت سياسة معينة عادلة أو ظالمة، نافعة أو ضارة، مرغوبة أو غير مرغوبة.

سجالات وخوارزميات

بل ربما أمكن الذهاب أبعد من ذلك. فكلما ازدادت الثقة في الوسائط التقنية في المجال السياسي، ازداد خطر تحويل الخلافات السياسية إلى مسائل تقنية. عندئذ لا يعود المواطنون يتجادلون حول الغايات المشتركة، بل يتركون الأمر للخبراء والمؤشرات والخوارزميات. وهنا تتحول السياسة شيئا فشيئا إلى "تدبير إداري"، ويتحول المواطن إلى متلق لقرارات يقال له إنها تستند إلى المعطيات الموضوعية.

IMAGN IMAGES via Reuters/Kevin Sousa
شاشة تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) خلال مباراة غانا وبنما في كأس العالم 2026

هذا الميل هو ما نلمسه في عالمنا المعاصر، فكثيرا ما يعتقد أن مزيدا من الإحصاءات أو البيانات أو استطلاعات الرأي كفيل حل الخلافات والقيام بـ"إصلاحات". لكن الواقع يبين أن وفرة المعلومات لا تؤدي بالضرورة إلى التوافق، بل قد تمنح كل طرف أدوات جديدة للدفاع عن موقفه.

لذلك يمكن القول إن الحلم بـ"ڤار سياسي" يكشف عن رغبة قديمة ومتجددة، وهي الرغبة في التخلص من مأساة السياسة نفسها، أي من الاضطرار إلى الاختيار في عالم لا توجد فيه إجابات نهائية، وإلى "الإجماع" في عالم يطبعه الاختلاف والخلاف. إنه حلم بإحلال اليقين محل الجدل، والحسم محل التداول، والمعرفة محل القرار.

في هذه المسافة بين الكائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والقيمة، لا تستطيع أي تقنية أن تعفينا من مسؤولية الحكم

لكن السياسة تبدأ تحديدا حيث تنتهي قدرة الوقائع على حسم الأمور. فبعد أن نعرف ما هو كائن، يبقى علينا أن نقرر ما ينبغي أن يكون. وفي هذه المسافة بين الكائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والقيمة، لا تستطيع أي تقنية أن تعفينا من مسؤولية الحكم. وربما لهذا السبب لا يوجد، ولن يوجد، "ڤار" قادر على إنهاء الخلاف السياسي، لأن الخلاف ليس دائما نقصا في المعلومات، بل هو، في كثير من الأحيان، تعبير عن تعدد مشروع في الرؤى والمعاني والأهداف.

الڤار الاجتماعي

قد يرد البعض: أليست الكاميرات التي تملأ شوارعنا وأزقتنا ودواليبنا نوعا من "الڤار الاجتماعي" الذي قد يلجأ إليه بعد حين، والذي سيمهد لڤارات سياسية؟

صحيح أن في إمكاننا النظر إلى الانتشار الكثيف للكاميرات في الفضاء العمومي بوصفه شكلا من أشكال "الڤار" الاجتماعي الذي يحفظ ما تم وحصل، فكما تنصب الكاميرات في الملاعب لتسجيل كل حركة وكل مخالفة محتملة، تنصب في الشوارع والأزقة والمؤسسات لتوثيق الأفعال، والاحتكام إليها عند النزاع.

REUTERS/Aly Song
كاميرات مراقبة في منطقة لوجيازوي المالية بمدينة شنغهاي، 2019. REUTERS/Aly Song

لقد كانت الشهادة زمنا طويلا مرتبطة بالذاكرة والضمير والسمعة وصدق الشاهد. أما اليوم فقد أخذت الصورة تحتل مكان الشاهد المثالي. غير أن الصورة، كما في حالة "الڤار" الكروي، لا تتكلم بنفسها. فهي تحتاج دائما إلى من يختار زاوية التصوير، ويحدد ما الذي يجب تسجيله، ويؤول ما يظهر فيها. ولذلك، كثيرا ما نجد أن الأطراف المتنازعة تشاهد التسجيل نفسه وتستخلص منه استنتاجات مختلفة. لا تزال عالقة في أذهاننا جدالات بعض المحاكم حول تأويل بعض الفيديوهات والتسليم بصدقها وعدم فبركتها.

ومن هنا تبرز مفارقة لافتة: كلما تضاعفت وسائل الرؤية، لا يختفي التأويل بل يزداد أهمية. فالاعتقاد بأن الكاميرا تنقل الواقع كما هو، يخفي أن كل رؤية هي في الوقت نفسه بناء للمرئي واختيار له.

ورغم ذلك يمكن القول إنه إن كانت الكاميرات لا تؤدي وظيفة معرفية، فإنها تقوم بوظيفة أخلاقية وسياسية أيضا. فهي لا تستخدم فقط لمعرفة ما وقع، بل لتوجيه السلوك قبل أن يقع. فالإنسان الذي يعلم أنه تحت المراقبة، يتصرف على نحو يراعي ذلك. فكأن قوة المراقبة وفعاليتها لا تكمنان في الرؤية الفعلية بقدر ما تكمنان في احتمال أن يكون المرء تحت الأنظار في كل لحظة.

لذلك قد يكون الفارق بين " الڤار" الرياضي والكاميرات المنتشرة في المدن هو أن الأول يستدعى بعد وقوع الحدث، أما الثانية فتؤثر في الحدث قبل وقوعه. إنها لا تكتفي بالتحكيم، بل تسهم في تشكيل السلوك ذاته وتوجيهه، وتفادي ما قد يلفت الانتباه، كأن وظيفتها وظيفة زجرية ردعية وليست "تحكيمية" في الأساس.

REUTERS/Sergei Karpukhin
غرفة عمليات تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) في موسكو قبيل انطلاق كأس العالم 2018

في الكرة يقال عادة إنه رغم "الڤار" يبقى الحسم للحكم، إلا أننا نلاحظ أن كثيرا من الحكام يفضلون أن يلقوا المسؤولية على "الڤار" لا ليستأنسوا به، بل ليتخففوا من المسؤولية، كأنهم "يلقون بالكرة في ميدانه". وهكذا، فإن بعض الحكام لا يذهبون إلى الشاشة الصغيرة ليستنتجوا حكمهم، بل ليجدوا في الشاشة شريكا يبرر هذا الحكم. فكأن التقنية لم تعد وسيلة للاستنارة، بل أصبحت وسيلة لاقتسام المسؤولية أو التخفيف منها.

لا يكشف "الڤار" عن أزمة في التحكيم الرياضي فحسب، بل عن تحول أوسع في الثقافة المعاصرة، والانتقال من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن شريك في المسؤولية

في هذا المعنى، لا يكشف "الڤار" عن أزمة في التحكيم الرياضي فحسب، بل عن تحول أوسع في الثقافة المعاصرة، والانتقال من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن شريك في المسؤولية. كأن الإنسان الحديث لا يريد فقط أن يكون أقل عرضة للخطأ، بل يريد أيضا أن يكون أقل تعرضا للوم. ولذلك، قد يصبح الاحتكام إلى التقنية، في بعض الحالات، وسيلة لتقاسم المسؤولية أكثر منه وسيلة لبلوغ اليقين. لذا فحتى إن أمكن "الڤار السياسي" أن يكون، فربما لن يلجأ إليه إلا تخفيفا لتحمل تبعات ما يسن من أحكام، وما يتخذ من قرارات، وما يلقى على كتف المرء من مسؤوليات.

font change