ليس كل ما يجري حول الحكومة الأردنية الحالية برئاسة جعفر حسان دليلا على عملية إسقاط منظمة، وتجاوزا لنظرية المؤامرة التي تريح العقل من مشقة الفهم، فإن ما يحدث في المشهد الأردني ليس ضجيجا عابرا، بل ضغط سياسي وإعلامي مركب، يتغذى من أخطاء حكومية حقيقية، ومن ضعف واضح في إدارة الرواية، ومن مصالح متضررة أو طامحة، ومن وسائل تواصل قادرة على تحويل أية ثغرة إلى أزمة.
الأزمة ليست في استقالة وزير العمل خالد البكّار وحدها، ولا في الشبهة التي أحاطت بعطاءات، قيل إن شركةً مرتبطة بابنه، تقدمت لها. فهذه الواقعة، مهما كانت تفاصيلها القانونية، وما انتهت إليه الوقائع الأخيرة، لم تسقط من فراغ، بل جاءت فوق أرض جافة، وكل شرارة فوق أرض جافة لا تبقى شرارة طويلا، خصوصا حين تكون الحكومة في موضعِ مساءلةٍ حول شرح قراراتها، وضبط فريقها، وحماية صورتها.
قبل أزمة البكار كانت هناك أزمة تعديلات الضمان الاجتماعي، وهي أزمة كشفت أن الحكومة قد تملك منطق الأرقام، لكنها لا تملك دائما منطق المزاج العام، فالناس لا تعيش داخل الجداول، ولا تقتات على النسب المئوية، بل تريد أن تفهم لماذا يحدث ما يحدث، ومن سيدفع الكلفة، ومن يضمن العدالة، ولماذا تأتي الحقيقة متأخرة بعد أن تكون الشائعة قد سبقتها وجلست مكانها.
ولم تكن تلك الأزمة وحيدة، فقد سبقتها ولحقتها أزمات "تواصل سياسي" بدت صغيرة في ظاهرها، من بيان وزارة البيئة إلى أزمة حديقة الحيوانات، لكنها كشفت خللا أعمق في الحساسية العامة، وفجوة بين حكومة يتأخر توضيحها، وجمهور لا ينتظر طويلا قبل أن يصدق الرواية الأولى.

