يجمع المشروع الروائي للكاتب السعودي عبد الله العرفج بين الحس الحكائي والخبرة البحثية في دراسة المجتمع وتحولاته الثقافية؛ وقد أسهم تكوينه الأكاديمي في علم اجتماع الأدب وعلم الاجتماع الثقافي في ترسيخ رؤية سردية تنفذ إلى أعماق البيئة التي يكتب عنها، فتغدو الشخصيات امتدادا لواقعها التاريخي والاجتماعي، وتغدو الأمكنة حاضنة للذاكرة والقيم والتحولات.
تعيد روايته "ورق الكافور"، الصادرة عن "دار نوفل/هاشيت أنطوان" في بيروت (2026)، تشكيل واحدة من أكثر المراحل حضورا في الذاكرة النجدية، تلك المرحلة التي دفعت الإنسان إلى مغادرة المكان تحت ضغط الوباء وضيق المعيشة، ثم أعادته إليه بعد سنوات إنسانا مختلفا يحمل في داخله أكثر من وطن، وأكثر من زمن، وأكثر من جرح. حيث تطرح الرواية السؤال حول الإنسان حين يصبح مضطرا إلى اقتلاع جذوره كي يحافظ على جذور أخرى. ومن هنا تتجاوز الحكاية حدود السرد التاريخي، لتغدو تأملا عميقا في مصير الفرد حين يتحول الرزق إلى رحلة وجودية، ويغدو الوطن فكرة تنمو في الذاكرة أكثر مما تنمو فوق الأرض.
توليد المعنى
يستثمر الكاتب المعرفة الاجتماعية في بناء عالمه الروائي؛ يظهر ذلك في قراءته للمجتمع من الداخل، مع المحافظة على حيوية السرد، بحيث تتحرك الشخصيات وفق قوانين البيئة، وليس وفق رغبات الكاتب. ولهذا تبدو الشخصيات خارجة من البيئة الشعبية، ثم استعادت أنفاسها داخل الرواية، فأصبحت تنبض بالحياة بعيدا عن أي نزعة تسجيلية.
يبدأ العمل، منذ العنوان، في توليد معناه العميق، فالكافور ليس مجرد نبات داخل الرواية، وإنما يتحول إلى علامة ثقافية وأخلاقية ونفسية، فيما يحمل الورق رائحة تحفظ الأشياء من التلف، وترافق الميت في طقوس الوداع، ويرتبط كذلك بالتطهير والوقاية، ولهذا يمنحه الكاتب وظيفة رمزية تتجاوز مادته النباتية. يصبح الكافور إشارة إلى محاولة الإنسان حماية ذاته من انكسارات الطريق، وحفظ ذاكرته من التعفن، وصيانة قيمه وسط البيئات المتبدلة. وهكذا يغدو العنوان مفتاحا يسبق الرواية، ويقود القارئ إلى شبكة واسعة من الرموز التي تتكشف تدريجيا مع تقدم الأحداث.
يتبوأ "سيل" مركز الحكاية، غير أن "بريدة"، والبيوت، والأسواق، والمجالس، والأحياء، والنساء، والعقيلات، والغواصين، والمسافرين، جميعهم يشاركون في صناعة الحدث، إذ يرسم الكاتب مجتمعا يتحرك كوحدة كاملة، ويصبح مصير الفرد امتدادا لمصير الجماعة.



