كيف حاولت إيران تقويض وحدة اليمن؟

عدد من صقور وأنصار "الحراك" لا يزالون يقيمون في صنعاء في ضيافة "الحوثيين"

رويترز
رويترز
عناصر من ميليشيا "الحوثي" خلال تظاهرة لأنصار الحوثيين في صنعاء، اليمن، 17 يوليو 2026

كيف حاولت إيران تقويض وحدة اليمن؟

تركز الاهتمام خلال العقدين الماضيين أكثر على الحديث عن علاقة الموالاة والتحالف بين كل من إيران و"حزب الله" في لبنان من جهة وجماعة الحوثيين في اليمن من جهة أخرى، وجرى، بقصد أو من دونه، إغفال أن اهتمام طهران باليمن لم يقتصر على ذلك فقط، بل تجاوز في الواقع مسألة العلاقة مع الحوثيين، إلى كل ما يمكن أن يقود إلى السيطرة التامة لهذه الجماعة المسلحة "السلالية المذهب" على كامل أراضي البلاد عبر تفكيك أسس الدولة اليمنية وإضعافها وشق العصا بين قواها المختلفة أولا، بما يؤدي في النهاية إلى إفشال كل جهود استعادة الشرعية والدولة الوطنية اليمنية، وتسليم جميع أراضيها لميليشيات طائفية لا علاقة لها بمصالح اليمن وسيادته على ترابه.

أمر ضروري أن نأخذ اليمن نموذجا على استراتيجية العداء التاريخية التي أضمرتها طهران، وبخاصة خلال العقود الثلاثة الماضية من عهد "ولاية الفقيه"، وما مارسته ضد وحدة اليمن واستقراره بأدوات مختلفة ومشاريع متنوعة، وذلك دون الحاجة لأن نذهب بعيدا ونتشعب كثيرا في الأمثلة المعروفة على ما فعلته إيران في علاقاتها مع العراق وسوريا ولبنان، وحتى مع بعض بلدان الخليج العربية الجارة، في السنوات والشهور القليلة الماضية.

لم تكتف إيران فقط بتبني مظلومية "مزعومة" للحوثيين في محافظة صعدة شمال اليمن، أو أن ينحصر عملها على تطوير "أسرة الحوثي" الصغيرة وتحويلها إلى جماعة دينية منظمة، ومن ثم الانتقال بها إلى ميليشيات مسلحة جيدة التسليح، بل سعت أيضا، عقب الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بنظام حكم الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح عام 2011، إلى "تفهُّم الحقوق المطلبية" لسكان جنوب البلاد، حيث كانت قد استقطبت خلال عهد علي عبدالله صالح عددا من ناشطي ما عرف بـ"الحراك الجنوبي" مستضيفة بعضهم بواسطة "حزب الله" اللبناني في رحاب الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك لتدريبهم على "أساليب المقاومة" وفنونها السياسية والإعلامية، وقد زار بعضهم طهران ثم قُم وغيرهما من المدن الإيرانية بغية "استلهام" المزيد من دروس وعِبَر نجاح الثورة الإسلامية في إيران.

تطور الأمر كذلك لدرجة أن أغرت هذه التطورات الزعيم الجنوبي الراحل علي سالم البيض؛ لترك العاصمة العمانية مسقط والتخلي عن مكرمة الجنسية والجواز والضيافة التي منحته إياها بعد لجوئه إليها عقب محاولته الانفصالية خلال حرب عام 1994، التي منيت بفشل ذريع وهزيمة مدوية.

بعد فترة إقامة مؤقتة في ألمانيا لم يطلب خلالها البيض اللجوء إليها، وإنما سعى لاستئناف أنشطته السياسية والإعلامية التي حُرم من ممارستها في مسقط، بمقتضى شروط السلطنة لقبول لجوئه إليها، فانضم الرجل إلى أنصاره الانفصاليين و"أنصار الله" الحوثيين في بيروت عام 2013، وأحيط خلال ذلك باهتمام إعلامي كبير، غير أنه لم يطق البقاء هناك طويلا وانتقل للعيش في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

البيض ومساعده الحضرمي

خلال إقامة الزعيم الجنوبي البيض في بيروت لمع اسم مرافقه المثير للجدل أبو علي الحضرمي، وأشارت تقارير إعلامية أن الحضرمي "لم يكن مجرد مرافق أو شخصية ثانوية في محيط البيض، بل شغل دورا تنظيميا واقتصاديا، وقدم نفسه في أكثر من محطة بوصفه حلقة وصل بين مشروع البيض وقنوات مرتبطة بإيران وحزب الله".

تنتشر على الشبكة العنكبوتية العشرات من الأبحاث والدراسات والأخبار والتقارير والمقابلات التلفزيونية ومقاطع الفيديو التي توثق لمسار العلاقات والاتصالات بين قيادات "الحراك الجنوبي" وكل من إيران و"حزب الله" وجماعة الحوثيين

وتضيف هذه التقارير أن "الرجل دخل في مساع لتأمين تدريب عناصر يمنية جنوبية في لبنان، وضمن سياق أوسع حاول توظيف الملف الجنوبي كورقة ضغط إضافية في مواجهة دول الخليج، أو كعامل مواز على خط الحوثيين في الشمال".

ووفقا لتقارير أخرى فإن أفرادا مرتبطين بالتشكيلات التي أنشأها الحضرمي "تلقوا تدريبات على أيدي خبراء من (حزب الله) في الضاحية الجنوبية، مع حديث عن دعم لوجستي ومالي إيراني".

قناة "عدن لايف"

شكل انطلاق بث قناة "عدن لايف" من "حي الأميركان" الواقع في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت أحد أهم المنابر الإعلامية للحراك الجنوبي، مؤكدا على علاقة البيض بـ"حزب الله"، وقد استمر بث برامج القناة المهادنة للحوثيين من بيروت لمدة تصل إلى نحو عامين قبل أن تقرر إغلاق مكتبها والانتقال إلى عدن بعد محاولة عناصر الحوثي توجيه خطاب القناة والتأثير على عناوينه وهويته الخاصة، وفق ما تم تداوله حينذاك عن أسباب مغادرة القناة للضاحية الجنوبية لبيروت بالتزامن مع تنامي نشاط الحراك في عدن وبعض مناطق جنوب اليمن.

أ.ف.ب
نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض في اجتماع في صنعاء مع وزير التجارة الخارجية الفرنسي جان ماري روش، في 2 يونيو 1990

تحول "الحراك" إلى "قضية"

بعد سنوات من الحرب وجد الانفصاليون الجنوبيون "كفيلا إقليميا" أفضل من إيران لم يتردد في مساعدتهم على بلورة ما عرف بعد ذلك بـ"القضية الجنوبية"، وفي دعمهم بالسلاح وبالتدريب العسكري، ما مكنهم من فرض أمر شبه واقع في بعض محافظات الجنوب يتناقض مع جهود التحالف لدعم الشرعية واستعادة الدولة اليمنية.

صحيح أن إيران لم تكن قريبة مما حدث خلال هذه المرحلة لكنها بالقطع كانت مرتاحة له، كونه يخدم أجندة حلفائها الحوثيين ولا يتعارض معها، بل يسهِّل مهمتهم في فصل الشمال عن الجنوب، وهو الهدف المشترك للطرفين، الانفصاليين في الجنوب الذين أحجموا عن المشاركة في محاربة الحوثيين، وهؤلاء الذين التقت مصلحتهم معهم في إضعاف مؤسسات الشرعية وجهود استعادة الدولة، فما بدا أنه يهم إيران مرحليا هو أن تصبح صنعاء "العاصمة الرابعة" العربية الموالية لهم والمتحالفة معهم بعد بغداد ودمشق وبيروت.

بدا التخادم بين الطرفين، الحوثي والانفصالي، واضحا حتى دون اتفاق، فالممارسات اليومية لكل طرف منهما تخدم الطرف الآخر بشكل واضح وغير تلقائي، وهدف الفريقين في النهاية واحد، أي منع استعادة الدولة اليمنية وفرض واقع الانفصال بالقوة.

من المؤكد أنه ما كان لكل ما جرى ويجري أن يحدث لولا أن إيران هي من ألقت بالبذرة السامة الأولى في التراب اليمني المنقسم سياسيا، فقد حاول الحوثيون (الإماميون) المدعومون من طهران و"حرسها الثوري" هدم فكرة "وحدة الدولة" اليمنية، وعملوا على تجريف أسسها ومبادئها وموروثها، وفي مقابل ذلك امتنعت إيران غير مرة عن حثهم على التخلي عن مشروعهم الطائفي السلالي، طالما أصبحت صور خامنئي وقاسم سليماني وحسن نصرالله تُرفع في "العاصمة العربية الرابعة" فيما أبدى الانفصاليون الجنوبيون إصرارا عجيبا على تقويض "وحدة الأرض" باستخدام القوة، على غرار ما فعلوه في ديسمبر/كانون الأول الماضي عند محاولة "الميليشيات القبلية المسلحة" التابعة لهم اجتياح محافظتي حضرموت والمهرة جنوب شرقي اليمن وسعيها الفاشل إلى فرض ذلك رغما عن إرادة الغالبية في جنوب البلاد كلها، وليس في هاتين المحافظتين فقط.

أصول وجذور العلاقة

تنتشر على الشبكة العنكبوتية العشرات من الأبحاث والدراسات والأخبار والتقارير والمقابلات التلفزيونية ومقاطع الفيديو وغير ذلك مما يمكن أن يجد فيه الباحث وثائق متنوعة تؤرخ لمسار العلاقات والاتصالات، من بداياتها وحتى الآن، بين جهات وقيادات فيما عُرف بـ"الحراك الجنوبي" في اليمن وكل من إيران و"حزب الله" وجماعة الحوثيين في شمال البلاد.

عدد من صقور وأنصار الحراك لا يزالون يقيمون في صنعاء في ضيافة جماعة الحوثيين التي تحرص على إشراك بعض الجنوبيين في مناصب "سيادية" في حكوماتهم غير الشرعية التي لا يعترف بها أحد في العالم غير إيران

 أحدث مثال على ذلك البيان الذي نسبه موقع "الثورة نت" في نسخته الحوثية إلى ما سماها الأمانة العامة للحراك الجنوبي "المشارك في مؤتمر الحوار الوطني الموقّع على اتفاق السلم والشراكة"، هنأ فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية و"محور الجهاد والمقاومة بانتخاب السيد مجتبى خامنئي مرشدا أعلى للجمهورية"، مؤكدا على أن هذا الاختيار "يمثل استمرارا لنهج المقاومة والجهاد على درب الشهداء القادة، ويعزز مسيرة نصرة الشعب الفلسطيني والمقاومة في مواجهة العدو الصهيوني والأميركي ومن دار في فلكهم حتى زوال الكيان الصهيوني المؤقت"، ومعتبرا أن انتخاب مجتبى خامنئي يعد "ضربة موجعة لأعداء الأمة".

يشار في هذا الصدد إلى أن عددا من صقور وأنصار الحراك لا يزالون يقيمون في صنعاء في ضيافة جماعة الحوثيين التي تحرص على إشراك بعض الجنوبيين في مناصب "سيادية" في حكوماتهم غير الشرعية التي لا يعترف بها أحد في العالم غير إيران، كرئيس الوزراء السابق عبد العزيز بن حبتور وخلفه أحمد الرهوي الذي اغتالته إسرائيل مع عدد من وزرائه مساء يوم 28 أغسطس/آب 2025، حيث يفعل الحوثيون ذلك بغية الإيهام بحرصها على تمثيل مناطق الجنوب اليمني في سلطتها، لكن هؤلاء في الواقع ليسوا من الحراك ولا يمثلونه بل يمثلون أنفسهم ويعبرون عن معارضتهم للحكومة الشرعية وغيرها من القوى في المعسكر المناهض للميليشيات الحوثية.

 نفي وتأكيد

القيادي في الحراك الجنوبي ورئيس كتلة "الحزب الاشتراكي" عيدروس النقيب، كان قد نفى وجود اتصالات حاليا بين المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل) الذي تمخض عن الحراك الجنوبي وكل من إيران و"حزب الله" اللبناني، لكنه أقر بحدوث اتصالات سابقة وربما حالية بين من اعتبرهم "أفرادا" وكل من طهران والضاحية الجنوبية لبيروت.

أ.ف.ب
مسيرة في ساحة خورمكسر بمدينة عدن الساحلية، دعما للمجلس الانتقالي الجنوبي رفع فيها صورة لزعيم المجلس، عيدروس الزبيدي، اليمن في 14 ديسمبر 2025

بدايات التواصل كانت مع القيادي في الحراك الجنوبي عبد الفتاح جماجم، الذي كشف قبل سنوات في مقابلة مع أحد المواقع الإخبارية العربية أنه زار إيران بعد أسابيع من خروجه من آخر اعتقال تعرض له في يوليو/تموز 2011، وكانت الزيارة قد تمت بترتيب عبر وسيط يمني مكلف من رجل قال إنه من دولة صديقة تُعرف بدعمها للثورات ويقصد بها إيران.

وسرد جماجم تفاصيل عن اتفاق جري بينه وبين زملائه في الحراك "على أن يكون الهدف من سفري إلى إيران هو تحريك المياه الراكدة من خلال الاطلاع على ما يريده الإيرانيون ومن ثم العودة لإعلان هذا الأمر وإطلاع دول الجوار وتحديدا السعودية على أن الجنوب سيصبح خطرا عليها إن لم تتول هي دعم مطلبنا بالانفصال".

ويضيف جماجم أنه حزم أمره بالسفر برفقة ثمانية من نشطاء الحراك الجنوبي بينهم أربع نساء، غادروا جميعا عدن إلى صنعاء وفي اليوم التالي إلى سوريا حيث التقوا هناك بمسؤولين من السفارة الإيرانية بدمشق.

ويكمل جماجم: "في اليوم التالي للقاء حضر شخص من طرف السفارة الإيرانية وطلب منا الاستعداد للسفر إلى إيران مع مجموعة أخرى من اليمنيين" كانت قد وصلت دمشق في وقت سابق. وتابع: "غادرنا دمشق دون جوازات أو تأشيرات، وإنما ببطاقات خاصة صرفت لنا من السفارة، وكان برفقتنا مسؤول إيراني يبدو أنه من المخابرات، وهو الذي قام بإجراء كل المعاملات لنا، ولم يكن هناك أي شخص آخر على متن الطائرة سوانا".

في الحالة اليمنية استخدمت الدولة الموازية الحوثيين كخنجر في الخاصرة الجنوبية للإقليم العربي وأداة لزعزعة الأمن والسلم الدوليين في منطقة جنوب البحر الأحمر

لكن النقطة الأهم في ما أورده القيادي في "الحراك الجنوبي" هو أن الإيرانيين الذين فضلوا اللقاء بكل فرد من رفقائه على حده أبلغوه بأنهم "وافقوا على دعمهم بالمال والسلاح لتحقيق مطالبهم بالتحرير والاستقلال مشترطين إشراف عبد الملك الحوثي زعيم جماعة الحوثي الشيعية باليمن على هذا الدعم"، الأمر الذي رفضه نشطاء الحراك تفاديا للوقوع في فخ الوصاية كما قال بعضهم.

وأوضح أن الإيرانيين "لا يريدون دعمنا لاستعادة دولتنا، وإنما لفرض سيطرتهم على الجنوب، لأن لديهم توقعات بأن جماعة الحوثي الموالية لهم في شمال اليمن سيتوسع نفوذها مثلما توسع (حزب الله) في لبنان".

من جانبه، قال صالح البيضاني في مقال لجريدة "العرب" عام 2014 إن مسؤولا في الإعلام الخارجي لـ"حزب الله" اللبناني (ناصر أخضر) استقبل للمرة الأولى في مكتبه في الضاحية الجنوبية مبعوثا خاصا من الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض، وكان النقاش مع مندوب البيض قد تركز حول "كيفية دعم (الحزب) لمطالب (الحراك الجنوبي) السياسية والإعلامية على وجه الخصوص".

أ.ف.ب
متظاهرون إيرانيون يلوحون بأعلام إيران وحزب الله بعد غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في طهران في 7 يونيو 2026

تسرب اليأس إلى علي سالم البيض، بحسب البيضاني، من عدم جدوى حصوله على أي التفاتة من دول الخليج التي كانت غير متحمسة للغاية لمناقشة خيار الانفصال "بل إن بعض دول الخليج شنت حملات أمنية لمنع تدفق الأموال إلى الحراك الجنوبي في الداخل إثر شكاوى تقدم بها الرئيس علي عبدالله صالح"، وفقا للبيضاني الذي يشغل الآن منصب الملحق الإعلامي بالسفارة اليمنية في الرياض.

فرضيات لا فروض

لنفترض حسن النوايا مرتين: الأولى، أن لإيران الحق في إيجاد "تحالفات خارجية" لخدمة أمنها ومصالحها كدولة، لكنها لم تفعل ذلك مع دول، بل مع فصائل وميليشيات متمردة داخل بعض الدول كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، وكان ارتباط تلك المجموعات ليس بالحكومة الإيرانية ومؤسساتها بل بجهات عسكرية وأمنية واستخبارية تمثل لوحدها دولة داخل الدولة، موازية لنظام الحكم في طهران وأوسع نفوذا منه، كـ"الحرس الثوري" وقوات الباسيج الأمنية والاستخبارات العسكرية.

في الحالة اليمنية استخدمت هذه الدولة الموازية الحوثيين كخنجر في الخاصرة الجنوبية للإقليم العربي وأداة لزعزعة الأمن والسلم الدوليين في منطقة جنوب البحر الأحمر، ولم تكترث إيران الرسمية بسلوك هذه الميليشيات التي أشعلت حربا تسببت في مقتل أكثر من 350 ألف يمني وجرح وإصابة مئات الآلاف غيرهم، وفي نزوح وتشريد ما يزيد على 5 ملايين مواطن، وفي كل مرة كان يُطلب منها المساعدة في ضبط سلوك الحوثيين تقول لمن يسألها ذلك: "إذا كنت تعتقد أننا نملك سلطة أو تأثيرا على الحوثيين فقد طرقت الباب الخطأ".

بدأت طهران محاولاتها باستغلال الزخم الذي رافق ثورتها وقيام الجمهورية "الإسلامية" في نشر التشيع ثم التحول نحو إيجاد نفوذ سياسي وعسكري، ولاحقا في الاعتداء على جيرانها

أما المرة الثانية، فإذا كانت إيران تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين، وأدانت اتفاقات التطبيع الإبراهيمية بين تل أبيب وبعض العواصم العربية الخليجية؛ فلماذا لم يسمع أحد لها صوتا مستنكرا إعلان رئيس "المجلس الانتقالي" (المنحل) عيدروس الزبيدي عن استعداد المجلس للتطبيع مع إسرائيل بعد استعادة "الدولة الجنوبية" السابقة؟

ليس في هذا الحديث أية نيّة أو مسعى لشيطنة إيران فلا أحد بحاجة إلى تشويه صورة إيران والتحريض على معاداتها أكثر مما فعلته سياسات نظامها طوال 47 عاما من عبث ومساس بأمن وسيادة دول الجوار العربي وما هو أبعد من الجوار المباشر.

لو أننا أخذنا اليمن، البعيد عنها جغرافيا، كحالة أو نموذج للعداء الذي أضمرته له سرا وعلانية خلال الأعوام الثلاثين الماضية فقط لتبيَّن لنا حجم مشكلة هذا النظام مع نفسه قبل أن تكون مع الآخرين، وكيف أن إنجازه الوحيد كان في إتقانه فن صناعة العداء مع جيرانه وشركائه المفترضين في العقيدة واستعداء كثيرين غيرهم حول العالم.

أ.ف.ب
أحد عناصر الحوثي في اليمن يقف حارسا خلف شاشة عملاقة تعرض خطابا للزعيم الحوثي عبد الملك الحوثي، في 20 يونيو 2025

منذ وقت مبكر دأب نظام الحكم في طهران على إيجاد مواطئ قدم له في أكثر من بلد في الجوار العربي أو في بلدان أبعد منه، بوسائل متنوعة وغايات مختلفة، دينية مذهبية طائفية أو سياسية أو اقتصادية.

بدأت طهران محاولاتها هذه باستغلال الزخم الذي رافق ثورتها بقيادة الخميني وقيام الجمهورية "الإسلامية" في نشر التشيع ثم التحول نحو إيجاد نفوذ سياسي وعسكري، واستخدام ذلك في استهداف بلدان أذرعها، ولاحقا في الاعتداء على جيرانها ثم مهاجمة بعض إسرائيل وبعض المصالح العالمية في البحار والمضائق القريبة.

الخلاصة

أسوأ من العدو الذي يقف أمامك ببندقيته على الخندق المقابل، تعرفه ويعرفك، يقاتلك بنوايا واضحة وهدف محدد وهدف معروف، هو "الشقيق" الذي يقف إلى جانبك ويده التي خلتها تُربِّت على ظهرك ممسكة بخنجرها المسموم لطعنك في أية لحظة تراها مناسبة، ولا مانع لديه بعد ذلك من التقرب بذلك إلى عدوك وتقاسم لحمك معه.

ذلك، هو ما ينطبق على الاحتلال الإسرائيلي، وهذا إلى حد كبير، هو حال الشقيق الإيراني الذي دأب عليه طوال تاريخه مع جيرانه العرب الذين انخدع بعضهم بأيدولوجيته الملغومة وشعاراته الخادعة.

font change

مقالات ذات صلة