تركز الاهتمام خلال العقدين الماضيين أكثر على الحديث عن علاقة الموالاة والتحالف بين كل من إيران و"حزب الله" في لبنان من جهة وجماعة الحوثيين في اليمن من جهة أخرى، وجرى، بقصد أو من دونه، إغفال أن اهتمام طهران باليمن لم يقتصر على ذلك فقط، بل تجاوز في الواقع مسألة العلاقة مع الحوثيين، إلى كل ما يمكن أن يقود إلى السيطرة التامة لهذه الجماعة المسلحة "السلالية المذهب" على كامل أراضي البلاد عبر تفكيك أسس الدولة اليمنية وإضعافها وشق العصا بين قواها المختلفة أولا، بما يؤدي في النهاية إلى إفشال كل جهود استعادة الشرعية والدولة الوطنية اليمنية، وتسليم جميع أراضيها لميليشيات طائفية لا علاقة لها بمصالح اليمن وسيادته على ترابه.
أمر ضروري أن نأخذ اليمن نموذجا على استراتيجية العداء التاريخية التي أضمرتها طهران، وبخاصة خلال العقود الثلاثة الماضية من عهد "ولاية الفقيه"، وما مارسته ضد وحدة اليمن واستقراره بأدوات مختلفة ومشاريع متنوعة، وذلك دون الحاجة لأن نذهب بعيدا ونتشعب كثيرا في الأمثلة المعروفة على ما فعلته إيران في علاقاتها مع العراق وسوريا ولبنان، وحتى مع بعض بلدان الخليج العربية الجارة، في السنوات والشهور القليلة الماضية.
لم تكتف إيران فقط بتبني مظلومية "مزعومة" للحوثيين في محافظة صعدة شمال اليمن، أو أن ينحصر عملها على تطوير "أسرة الحوثي" الصغيرة وتحويلها إلى جماعة دينية منظمة، ومن ثم الانتقال بها إلى ميليشيات مسلحة جيدة التسليح، بل سعت أيضا، عقب الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بنظام حكم الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح عام 2011، إلى "تفهُّم الحقوق المطلبية" لسكان جنوب البلاد، حيث كانت قد استقطبت خلال عهد علي عبدالله صالح عددا من ناشطي ما عرف بـ"الحراك الجنوبي" مستضيفة بعضهم بواسطة "حزب الله" اللبناني في رحاب الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك لتدريبهم على "أساليب المقاومة" وفنونها السياسية والإعلامية، وقد زار بعضهم طهران ثم قُم وغيرهما من المدن الإيرانية بغية "استلهام" المزيد من دروس وعِبَر نجاح الثورة الإسلامية في إيران.
تطور الأمر كذلك لدرجة أن أغرت هذه التطورات الزعيم الجنوبي الراحل علي سالم البيض؛ لترك العاصمة العمانية مسقط والتخلي عن مكرمة الجنسية والجواز والضيافة التي منحته إياها بعد لجوئه إليها عقب محاولته الانفصالية خلال حرب عام 1994، التي منيت بفشل ذريع وهزيمة مدوية.
بعد فترة إقامة مؤقتة في ألمانيا لم يطلب خلالها البيض اللجوء إليها، وإنما سعى لاستئناف أنشطته السياسية والإعلامية التي حُرم من ممارستها في مسقط، بمقتضى شروط السلطنة لقبول لجوئه إليها، فانضم الرجل إلى أنصاره الانفصاليين و"أنصار الله" الحوثيين في بيروت عام 2013، وأحيط خلال ذلك باهتمام إعلامي كبير، غير أنه لم يطق البقاء هناك طويلا وانتقل للعيش في العاصمة الإماراتية أبوظبي.
البيض ومساعده الحضرمي
خلال إقامة الزعيم الجنوبي البيض في بيروت لمع اسم مرافقه المثير للجدل أبو علي الحضرمي، وأشارت تقارير إعلامية أن الحضرمي "لم يكن مجرد مرافق أو شخصية ثانوية في محيط البيض، بل شغل دورا تنظيميا واقتصاديا، وقدم نفسه في أكثر من محطة بوصفه حلقة وصل بين مشروع البيض وقنوات مرتبطة بإيران وحزب الله".



