يجلس في بيروت عند المساء يصحح افتتاحيته الفرنسية قبل ذهابها إلى المطبعة، فيزن الصفة ويقلبها على وجوهها لأن قارئه من طينة تلتهم الخبر صباحا وترميه في سلة المهملات عند الظهر. وحين يغلق الدفتر ويأخذ الطريق شمالا نحو الجبل تنتظره لغة أخرى وأموات آخرون: نساء يرددن أسماء القتلى في السهرات ورجال يعرفون سنة المجزرة بالشهر واليوم. وبين المدينتين يتبدل فيه ما هو أعمق من المفردات وقواعد النحو، إذ يترك خلفه رجلا يصدر الأحكام في شؤون الساعة، ويستقبله عند أول الصعود رجل آخر يصغي إلى ما فات. رجل واحد ينهي نهاره في لغة ويبدأ ليله في لغة ثانية.
لقد اختار الفتى الآتي من زغرتا، المولود عام 1949، علما يقوم كله على وضع شيئين جنبا إلى جنب، فحملته الدروس الابتدائية والثانوية إلى طرابلس، والإجازة في الأدب الفرنسي إلى كلية التربية في بيروت، حتى حط في جامعة باريس الثالثة ونال دكتوراه الأدب المقارن. يدرب هذا الاختصاص صاحبه على مهنة واحدة هي الإمساك بنصين من ضفتين متقابلتين ويصغي إلى ما يقوله أحدهما للآخر، ولهذا عاد بالشهادة إلى طرابلس أستاذا للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية، ومن هناك أدار حياة مزدوجة دامت ثلاثين سنة: افتتاحيات ونقد أدبي بالفرنسية في مجلة L'Orient Express ثم في ملحق L'Orient littéraire، وترجمات عن الفرنسية، وقصة للصغار وضعها بها بعنوان "روح الغابة" (L'Âme de la forêt) نالت جائزة سان إكزوبيري عام 2001، على حين احتفظ بالعربية وحدها لرواياته الكبرى. طبق الرجل اختصاصه على نفسه حتى صار النصين معا.
يسميه اللبنانيون روائي حياتهم، ويقف النقد عند الطائفة والحرب الأهلية وهشاشة البلد، فتبقى الطبقة الأعمق في تجربته مدفونة تحت هذه العناوين الثقيلة. والحق أن التعليق الذي شغل رواياته سبقها إلى صاحبها، إذ عاشه الرجل في لسانه ومهنته ومسكنه سنوات طويلة قبل أن يحوله شخصيات ومصائر ودفنا في الليل، ولذلك يجد من يقرأ سيرته بهذه العين هندسة واحدة تتكرر في كل طبقة من طبقاتها: اثنان دائما، ورجل واحد يوفق بينهما ويدفع الثمن.
خبر بالفرنسية وحكاية بالعربية
تبدو القسمة في سيرة جبور الدويهي من قبيل المصادفة المهنية، غير أن النظرة الثانية تكشف قانونا صارما يحكم التوزيع، فالفرنسية حملت ما يقع اليوم، من الافتتاحية إلى الدرس الجامعي إلى موعد المطبعة، بينما حملت العربية ما وقع منذ زمن طويل وأصر على البقاء، من القرية إلى الثأر إلى الأسماء التي تتلى في السهرات. لسان للساعة الراهنة إذا، ولسان لما يرفض أن يمر.




