فانس يقرأ المشهد الانتخابي... المصالح الأميركية أولا

التمرد على السياسة التقليدية

المجلة
المجلة

فانس يقرأ المشهد الانتخابي... المصالح الأميركية أولا

كشفت مقابلة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس مع بودكاست جو روغان الشهير في الولايات المتحدة، مدى النزق الذي بات يعتري المزاج الأميركي الرسمي إزاء العلاقات مع إسرائيل واتساع الهوة داخل أركان الإدارة الأميركية حيال الكثير من السياسات التي ظلت لعقود من الزمن من الثوابت الاستراتيجية التي قد ترقى إلى مستوى المحرمات.

المقابلة التي استغرقت نحو ثلاث ساعات جاءت بمثابة إعلان عن بزوغ موجة جديدة داخل صفوف المحافظين الأميركيين أقل ما تنطوي عليه هو الدعوة إلى إعادة النظر في الرباط المقدس بين واشنطن وتل أبيب وأقصى ما فيها هو إعلان الانفصال الناعم عن توجهات السياسات الإسرائيلية التي باتت تضر المصالح الأميركية أكثر مما تنفعها.

بيد أن الرؤى الجامحة التي أماط عنها فانس اللثام خلال المقابلة تنضح برائحة الحملات الانتخابية والتمهيد لبرنامج أدرك نائب الرئيس من خلال تجربته في البيت الأبيض واتصاله بالقاعدة الانتخابية لـ"ماغا" التي تضع المصالح الأميركية فوق كل اعتبار أنها البوابة الملكية إلى قلب الجماهير الآن وأن الساحة قد باتت مهيأة لإعلان التمرد على أساليب التحفظ السياسية القديمة وتجنب المساس بالمحرمات التقليدية.

ومع اقتراب الرئيس دونالد ترمب من منتصف ولايته الرئاسية الأخيرة وسطوع نجم فانس كمرشح محتمل للحزب الجمهوري، ومع الزلزال الذي أحدثته أحداث الشرق الأوسط من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة إلى الحرب على إيران من تغيرات تكتونية في الوعي العام الأميركي، أدرك فانس أن الوقت قد حان للجهر بدعوته الرامية إلى انتهاج دروب مختلفة إلى قلب الناخب الجمهوري الذي أصبح يتوافق في كثير من الشؤون العامة مع الناخب الديمقراطي. وقد عبر روغان نفسه عن ذلك بوصفه الحرب على إيران بأنها واحدة من "أكثر الحروب جنونا في التاريخ"، وبأنها ولدت عند الأميركي شعورا بالغدر من قبل الرئيس ترمب الذي وعد في حملته الانتخابية بتجنب الدخول في أي حرب.

وصوّب فانس أغلب طلقاته في اتجاه الحليف الأوثق لبلاده، إسرائيل، حيث اتهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بتمويل حملة دعائية محكمة لتضليل الرأي العام الأميركي بشأن مذكرة التفاهم المبرمة مع إيران وإفشالها وإطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية، معربا عن عدم اكتراثه بهم بالقول "ليذهبوا إلى الجحيم".

وأكد أنه على علم بأن هناك مسؤولين إسرائيليين يرفضون التوصل إلى اتفاق سلام مع طهران ويحاولون إثناء واشنطن عن المسار الدبلوماسي وإقناعها بمواصلة ضرب إيران حتى الفناء. وأعرب عن غضبه من تأثير مثل هذه الحملات على السياسيين الأميركيين، لاسيما وأن منهم من حصل على أموال للضغط على إدارة ترمب لمواصلة الحرب من أجل الحرب.

أدرك فانس أن الوقت قد حان للجهر بدعوته الرامية إلى انتهاج دروب مختلفة إلى قلب الناخب الجمهوري الذي أصبح يتوافق في كثير من الشؤون العامة مع الناخب الديمقراطي


وحذر فانس من أن استمرار قصف إيران لن يضمن فتح مضيق هرمز أو سلامة الملاحة فيه ولن يمحوها من على الخريطة، ومن ثم ينبغي مواصلة التفاوض للتوصل إلى حل للمشكلة. لكنه حاول التملص من الإجابة على سؤال عما إذا كان من الممكن أن يشن هذه الحرب لو كان هو الرئيس، مستعينا بتعليق الرئيس ترمب على موقفه من الحرب حينما قال: "إن فانس أقل حماسا من أي مسؤول آخر بالإدارة للحرب على إيران".

إقرار بالأخطاء في ملف إبستين

وتطرق فانس خلال المقابلة إلى ملفات جيفري إبستين ورفض إدارة ترمب الإفراج عنها، مقرا بخطأ الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، ونافيا في الوقت ذاته أي محاولة لتعمد التعتيم عليها.

وأوضح أن الإدارة ربما كانت مخطئة في تلكؤها أو في فشلها في التعامل الإعلامي مع القضية، لكنها لم تكن تحاول إخفاء شيء. وأشار فانس في ذلك إلى تصريح وزيرة العدل المستقيلة بام بوندي لقناة "فوكس نيوز" والتي ذكرت فيه أن ملفات إبستين على مكتبها للمراجعة والنشر بعد ذلك إلا أن كل ما سلمته لمجموعة من المؤثرين المحافظين لم يتجاوز كونه مقتطفات من قائمة بأرقام هواتف كانت بحوزة إبستين. وتعجب فانس من مثل هذا التصرف لكنه أردف بأن ذلك أدى إلى إثارة الشكوك حول كل جهود الإدارة في هذا الصدد.

ولم يخف فانس أنه من أتباع نظريات المؤامرة فيما يتعلق بقضية إبستين وأنه لم يترك شاردة ولا واردة إلا وتعقبها عن إبستين الذي نسج شبكة عنكبوتية واسعة من العلاقات.

رويترز
جيفري إبستين في صورة التُقطت لسجل مرتكبي الجرائم الجنسية التابع لقسم خدمات العدالة الجنائية بولاية نيويورك في 28 مارس 2017

وأعرب عن دهشته من اتساع شبكة العلاقات التي شكلها هذا المشبوه مع مسؤولين على أعلى مستوى في أجهزة الاستخبارات الأميركية والموساد الإسرائيلي. إلا أنه نفى في الوقت ذاته امتلاك الحكومة الأميركية أي وثائق تربط بين إبستين وهذه الأجهزة أو بأجهزة تخابر أجنبية، لافتا إلى أن ذلك لو حدث فربما يكون قد دمر خلال محاكمته جنائيا في فلوريدا عام 2008.

وألمح فانس إلى علاقات إبستين بالدولة العميقة في إسرائيل، وهو مصطلح هلامي يستخدم في الإشارة إلى مجتمع الاستخبارات الغامض.

وكان إبستين على علاقة برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، الذي كشفت الملفات عن وجوده في كثير من المناسبات بصحبة إبستين وبرفقة فتيات على جزيرته المشبوهة، رغم إنكار باراك اقتراف أي ذنب وندمه على علاقته بالسجين المدان الذي عثر عليه ميتا وقيل إنه انتحر في زنزانته في أغسطس/آب عام 2019. وأكد فانس أن إبستين له الكثير من الأصدقاء في الحزبين الجمهوري والديمقراطي وله علاقات عميقة مع اليسار الإسرائيلي أكثر من اليمين.

إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل

وخروجا على المألوف لدى الساسة الأميركيين الذين طالما شددوا في كل المناسبات على الروابط الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، اعتبر فانس من قبل أن العلاقة مع إسرائيل ينبغي أن تكون على نفس المستوى من العلاقة مع الحلفاء، كالمملكة المتحدة وفرنسا والخليج، ومبنية على المصالح مع وضع المصلحة الأميركية في الصدارة.

كما انتقد صقور الجمهوريين الذين قال إنهم يحاولون تخريب أي جهود للتوصل إلى اتفاق شامل مع إيران ووقف الحرب. واتهم بعضهم بمهاجمة مذكرة التفاهم من دون أي سبب منطقي، محذرا من أن اندلاع حرب شاملة مع إيران سيوقف 25 في المئة من إمدادات النفط في العالم، وسيطلق ملايين اللاجئين ليغرقوا أوروبا والولايات المتحدة.

ولفت إلى أن القيام بغزو بري باستخدام 150 ألف جندي على الأقل من أجل تغيير النظام يعني أن الولايات المتحدة ستتولى المهمة نيابة عن الشعب الإيراني، مؤكدا أن بلاده لم تعد تمارس هذا النوع من النشاط. وأضاف أن غزو إيران قد يفضي إلى تكرار النموذج الليبي إذ تحولت ليبيا بعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام معمر القذافي إلى دولة فاشلة، ومقصد لآلاف المهاجرين الأفارقة الذين يريدون دخول أوروبا وآسيا فضلا عن تفشي العنف وتصدير الإرهاب.

(أندرو كاباييرو-رينولدز / أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يجتمعان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 4 فبراير 2025.

 

غزو إيران قد يفضي إلى تكرار النموذج الليبي إذ تحولت ليبيا بعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام معمر القذافي إلى دولة فاشلة، ومقصد لآلاف المهاجرين الأفارقة الذين يريدون دخول أوروبا وآسيا 

وفيما أقر فانس بوجود عناصر أميركية وإسرائيلية تنشد الوصول إلى هذه الغاية، تساءل: ما مصلحة الولايات المتحدة في أن يتوجه 94 مليون لاجئ يائس إلى أوروبا وأميركا؟ مذكرا بأن العالم عاش هذه التجربة من قبل مع ليببا وسوريا "نتيجة السياسات الأميركية السيئة تجاه المنطقة، ومن ثم فقد تسببت في أزمة لاجئين، وارتفاع معدلات الإرهاب وأيضا في مقتل الكثير من المدنيين الأبرياء".

كما حاول فانس تفنيد أكبر خطأين يرتكبهما مؤيدو إسرائيل، أولهما عدم التمييز بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح إسرائيل، وهما ما أكد أنهما غير متطابقين. والثاني هو الخلط بين انتقاد حكومة إسرائيل وبين العداء لليهود لأنه إذا اعتبر كل نقد لها بمثابة عداء لليهود فسيفقد الوصف معناه، ومن ثم فلا يعتبر كل نقد لإسرائيل نوعا من معاداة للسامية.

ودفع فانس بأن مذكرة التفاهم الموقعة مؤخرا مع إيران تتضمن اتفاقا على أن تسمح الولايات المتحدة لدول الخليج باستثمار 300 مليار دولار في إيران إذا أوفت الأخيرة بتعهداتها. واتهم صقور الجمهوريين الذين ينادون باستمرار الحملة العسكرية بالكذب جهارا نهارا حيث يزعمون أن الولايات المتحدة هي التي ستدفع لإيران هذه الأموال.

وقد زادت تصريحات فانس من اتساع الهوة بينه وبين اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة من جانب وبينه وبين حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من جانب آخر، لاسيما أنها تأتي بعد تصريحات أدلى بها في يونيو/حزيران الماضي في مؤتمر صحافي عقب توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، حينما ذكّر الإسرائيليين بأن ترمب هو الزعيم الوحيد في العالم الذي لا يزال متعاطفا مع إسرائيل وأن الولايات المتحدة هي الحليف القوي الوحيد الذي لا يزال يقف إلى جانبهم. وأشار فانس حينذاك إلى أن ثلثي أسلحة إسرائيل تصنع في الولايات المتحدة وأن ثمنها يدفع من جيوب الأميركيين وعليهم بدلا من أن يركزوا انتقادهم على الرئيس ترمب أن يستيقظوا ليروا حقيقة وضعهم الآن. وقال إنه لو كان وزيرا بالحكومة الإسرائيلية لما أقدم على مهاجمة الحليف الأوحد والأقوى الباقي لهم في العالم.

معادلة ترمب الصعبة

وتؤكد تصريحات فانس التي يطلقها بأريحية على التماهي بينه وبين توجهات الرئيس ترمب الذي يبدو أنه فوضه للدفاع عنه أمام الهجمة الإعلامية التي تمولها إسرائيل بعد توقيع مذكرة التفاهم مع إيران. وحتى لو كانت غايته هي ركوب موجة "ماغا" الداعية إلى التركيز على القضايا الداخلية من الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية والصحية والاجتماعية، على غرار ما يفعله التقدميون بالحزب الديمقراطي، فإن الرئيس لا يملك سلطة إقالة نائبه إذ إنه اختير بشكل مستقل من قبل المجمع الانتخابي. لكنه يستطيع تجاهله في الكثير من الملفات والحد من المسؤوليات المسندة إليه والتضييق عليه حتى يستقيل طواعية.

(رويترز)
دونالد ترمب يتحدث عن الحرب مع إيران بحضور نائبه جيه دي فانس في البيت الأبيض، 1 أبريل 2026

ويعد فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو من أبرز المرشحين المحتملين لانتخابات 2028 الرئاسية. ويقف ترمب على الحياد من كليهما بل ويقترح أن يترشحا معا على منصبي الرئيس ونائبه.

بيد أن كبار المعلقين المحافظين من أمثال بن شابيرو ولورانس جونز أعربوا عن استيائهم من تصريحات فانس. فاتهمه شابيرو بتقمص نفس السياسات التي ينتهجها الديمقراطيون واعتناق نفس النظريات التي يرددونها. أما جونز فقد انتقد بشكل خاص تصريحات فانس عن حياده تجاه إسرائيل واعتبارها حليفا عاديا، مؤكدا أن هذا لا يعكس موقف الحزب الجمهوري.

ويعي فانس مدى التحولات التي اعترت توجهات الناخب الأميركي، لاسيما جيل الشباب، الذي باتت أغلبيته من الحزبين ترفض استمرار الولايات المتحدة في سياسة الدعم المطلق لإسرائيل. وقد تجلى ذلك في استطلاعات الرأي الأخيرة، إذ أشارت إلى أن ما يقرب من 57 في المئة من الناخبين الشباب بالحزب الجمهوري يعارضون تلك العلاقة التفضيلية، وهو ما يشكل تحولا كبيرا مقارنة بالأعوام السابقة، فيما يرفض 53 في المئة منهم تجديد اتفاقية توريد السلاح السارية لإسرائيل منذ 10 سنوات والتي تقدر بنحو 38 مليار دولار والمقرر أن تنتهي في العام المالي 2028.

font change