اقتصاد العمر المديد... سوق جديدة بدأت ملامحها تظهر

لم يعد الهدف إطالة العمر فحسب، بل زيادة سنوات الحياة الصحية عبر الوقاية والابتكار

غيتي - المجلة
غيتي - المجلة

اقتصاد العمر المديد... سوق جديدة بدأت ملامحها تظهر

هل فكرت يوما بالشيخوخة ومتى تبدأ؟

قد تبدو الإجابة بديهية - وسهلة التقبل - إذا لم تكن اقتربت من الستين أو السبعين من العمر. وكلما ابتعدت عن الثلاثين والأربعين... تبدأ الصورة بالتبلور أكثر في ذهنك. وتستعد لطرح الأسئلة الكبرى: هل أنا جاهز/ة للشيخوخة؟ هل أنا مستعد/ة للتقاعد وكل ما يدور في فلك هذين المفهومين؟

تشير دراسة حديثة نُشرت في دورية "نايتشر هيلث" (Nature Health) العلمية إلى أن بناء حياة أطول وأكثر صحة يبدأ قبل الولادة، وليس في مرحلة الشيخوخة، داعية إلى إنشاء تحالف عالمي باسم "بروسبور" (PROSPER) يربط بين طب النساء والأطفال وعلوم الشيخوخة، بهدف الاستثمار في صحة الإنسان منذ المراحل الأولى من حياته لزيادة سنوات الحياة الصحية والإنتاجية.

تنسجم هذه الرؤية مع مفهوم "الاقتصاد الفضي"، الذي يشمل الأنشطة الاقتصادية المرتبطة باحتياجات السكان الأكبر سنا، مثل الرعاية الصحية، والرعاية الطويلة الأجل، والتكنولوجيا المساعدة، والخدمات المالية، ويعده البرلمان الأوروبي الفرص الاقتصادية الناتجة من الإنفاق المرتبط بشيخوخة السكان واحتياجات من تجاوزوا سن الخمسين.

3 تدخلات بسيطة

يقف الاقتصاد العالمي أمام واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية غير المستغلة، والمتمثلة في الاستثمار في إطالة سنوات الحياة الصحية، وليس مجرد إطالة العمر. وبحسب تقرير "عائد العمر المديد" (The Longevity Dividend) الصادر في يونيو/حزيران الماضي عن المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة "مارش" (Marsh)، أن الاستثمار في إطالة سنوات الحياة الصحية يمثل واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية غير المستغلة عالميا. وبعد تحليل بيانات 21 دولة، بينها السعودية والإمارات، خلص التقرير إلى أن الشيخوخة ليست عبئا على الاقتصادات كما كان يُعتقد، بل تحول ديمغرافي يتيح فرصا للنمو والابتكار وخفض تكلفة الرعاية الصحية، ويمكن الدول الشابة والمتقدمة في العمر على حد سواء الاستفادة منه خلال العقدين المقبلين.

ويشير التقرير إلى أن البشر باتوا يعيشون أعمارا أطول، لكن مع سنوات أكثر من المرض، مما يبرز أهمية زيادة سنوات الحياة الصحية لا مجرد إطالة العمر. ومع توقع ارتفاع عدد من هم في سن 65 عاما فأكثر بنسبة 53 في المئة في حلول 2040، مقابل نمو لا يتجاوز 13 في المئة للسكان في سن العمل، يؤكد التقرير أن أنظمة التقاعد والرعاية الصحية وسوق العمل بحاجة إلى إعادة تصميم لمواكبة التحول الديمغرافي الجديد.

من المتوقع ارتفاع عدد من هم في سن 65 عاما فأكثر بنسبة 53 في المئة في حلول 2040، مقابل نمو لا يتجاوز 13 في المئة للسكان في سن العمل

ويخلص التقرير إلى أن ثلاثة تدخلات وقائية منخفضة التكلفة، تشمل تهيئة المنازل للحد من السقوط، وتشجيع النشاط البدني، وتوسيع استخدام المعينات السمعية، يمكن أن توفر أكثر من 5.8 تريليونات دولار من نفقات الرعاية الصحية، وتحقق 645 مليار دولار من المكاسب الإنتاجية في حلول 2040. كما يؤكد أن تحسين الصحة لا يخفض الإنفاق الطبي فحسب، بل يعزز المشاركة في سوق العمل ويحافظ على مدخرات الأفراد وثرواتهم، ولا سيما لدى النساء اللواتي يتحملن غالبا أعباء الرعاية غير المدفوعة. 

ويؤكد التقرير أن الاستثمار في الوقاية يحقق عوائد اقتصادية تفوق تكلفته بكثير. فبرامج تشجيع النشاط البدني، التي تتراوح تكلفتها بين دولار واحد و40 دولارا للفرد، قد تمنع 8.5 ملايين إصابة جديدة بالسكري من النوع الثاني في حلول 2040، وتضيف أكثر من 125 مليار دولار إلى الإنتاجية، مع توفير نحو 85 مليار دولار من نفقات الرعاية الصحية. كما أن توسيع استخدام المعينات السمعية يمكنه أن يمنع 2.4 مليون حالة خرف ويوفر أكثر من 325 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية عالميا. ويخلص التقرير إلى أن طول العمر ليس قضية شيخوخة فحسب، بل استثمار يمتد طوال حياة الإنسان، تدعمه أيضا سياسات مثل الإسكان الميسر ومكافحة التمييز العمري. 

أ.ف.ب
رجل يمارس رياضة الجري على كورنيش الخليج الغربي في الدوحة، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم قطر 2022

وإذا كان الاقتصاد الفضي يركز على تلبية احتياجات السكان الأكبر سنا من خلال الرعاية الصحية والإسكان والخدمات المالية، فإن اقتصاد العمر المديد يتبنى رؤية أوسع، تقوم على الاستثمار في إطالة سنوات الحياة الصحية منذ المراحل الأولى من العمر عبر الوقاية والطب الدقيق والتكنولوجيا الحيوية. وبذلك، لا يقتصر الهدف على إدارة الشيخوخة، بل على تأخيرها وتعزيز الإنتاجية، بما يجعل الاقتصاد الفضي أحد مكونات اقتصاد العمر المديد.

ماذا عن العالم العربي؟

ليس العالم العربي ببعيد عن هذا الاتجاه. فقد نجحت المنطقة، وعلى الرغم من التحديات العديدة التي تهدد شعوبها خاصة في المناطق التي تشهد نزاعات، إلى تحسين موقعها عالميا على صعيد متوسط العمر المتوقع عند الولادة. وبحسب بيانات البنك الدولي، ارتفع هذا المتوسط عربيا من 68 سنة عام 2004، إلى 71 عام 2014، و73 عام 2024، وهو يساوي أيضا المعدل العالمي. يعكس هذا التحسن السياسات التي تعتمدها دول المنطقة، لا سيما تلك تضع الاستثمار في قطاع الصحة والخدمات الاجتماعية على رأس سلم أولوياتها، والاستدامة في التنفيذ.
 

أعلى 10 دول عربية من حيث متوسط العمر المتوقع عند الولادة
البلد

متوسط العمر المتوقع عند الولادة

2024

الكويت 85

الإمارات العربية المتحدة

83
قطر 83
البحرين 81
عمان 80
المملكة العربية السعودية 79
الأردن 78
لبنان 78
تونس  77
الجزائر 76
                                     المصدر: البنك الدولي

وبالنظر إلى المملكة العربية السعودية، سيزداد عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر بنسبة 115 في المئة، مما يجعل المملكة من أسرع الدول تحولا ديمغرافيا ضمن عينة تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي. وتعد هذه النسبة هي الأعلى بين الدول الـ21 التي رصدها التقرير.

لا يعني ذلك أن المملكة هي دولة هرمة اليوم، لكنها تمتلك ميزة الوقت، أي فرصة بناء البنية الصحية والعمرانية والمالية اللازمة قبل وصول موجة الشيخوخة، بدلا من إصلاحها بعد وقوع الأزمة. وهي تحظى بإحدى أبرز دراسات الحالة في التقرير، لأن سكانها لا يزالون أصغر سنا مقارنة بالدول الغربية، لكنهم يتجهون سريعا نحو الشيخوخة.

سيزداد عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر بنسبة 115 في المئة، مما يجعل السعودية من أسرع الدول تحولا ديمغرافيا

ويقدّر التقرير أن السعودية يمكنها تجنب نحو 330 ألف حالة سقوط وتوفير 3.8 مليارات دولار من تكاليف الرعاية الصحية في حلول 2040 عبر تهيئة المنازل لكبار السن، مما يعكس العائد المرتفع للاستثمار الوقائي. ويعزز ذلك ما حققته المملكة من رفع متوسط العمر المتوقع إلى 79.9 عاما في 2025 مقابل 74 عاما في 2016، إلى جانب خفض وفيات الأمراض غير السارية بنسبة 40 في المئة، ورفع التغطية بالتحصين إلى 97.4 في المئة، وتقليص وفيات الأمراض المعدية بنسبة 50 في المئة، حسب ما كشفته بيانات وزارة الصحة السعودية.

أ.ف.ب
علماء سعوديون خلف جهاز مختبر مصغّر لتقنية Ion Torrent خلال افتتاح أول مشروع سعودي للجينوم البشري في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في الرياض، 8 ديسمبر/كانون الأول 2013

ويصنف تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الإمارات ضمن الدول ذات التركيبة السكانية الشابة نسبيا، لكنه يؤكد أن الاستثمار المبكر في الصحة الوقائية يحقق أعلى عائد اقتصادي مع التقدم في العمر. ويوصي بتطوير مدن ومنازل صديقة لكبار السن، وتعزيز أنظمة التأمين والتقاعد، ورفع سنوات الحياة الصحية، إلى جانب تنمية قطاعات مثل التكنولوجيا الصحية، والرعاية المنزلية، والإسكان، والخدمات المالية، بما يعزز مكانة الدولة في اقتصاد العمر المديد. 

الاستثمار لا يزال في بدايته

على الرغم من كثرة المبادرات، فإن غالبية الدول العربية لم تعلن حتى الآن أرقاما إجمالية لحجم الاستثمارات المخصصة لاقتصاد العمر المديد كقطاع مستقل. ويرجع ذلك إلى أن معظم الإنفاق يأتي ضمن برامج أوسع للصحة، وعلوم الحياة، والتحول الرقمي. ومع ذلك، تبرز بعض الحالات اللافتة. 

ففي الكويت، يتشكل اقتصاد العمر المديد عبر تطوير منظومة متكاملة للشيخوخة الصحية ضمن رؤية الكويت 2035، إذ أطلقت وزارة الصحة الاستراتيجيا الوطنية لكبار السن (2024-2030)، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، كما بدأت تنفيذ المسح الوطني لصحة كبار السن، إلى جانب الاستثمار في الصحة الرقمية والطب الدقيق، بما يهدف إلى تحسين جودة الحياة وتقليل تكلفة الأمراض المزمنة مع تقدم السكان في العمر. 

أما السعودية، فهي تبني اقتصاد العمر المديد عبر مسارين متوازيين: الاستثمار العالمي في علوم الشيخوخة الصحية، وإعادة هيكلة النظام الصحي ليصبح قائما على الوقاية ورفع متوسط العمر المتوقع ضمن مستهدفات رؤية 2030. وتعد من أكبر الممولين عالميا لأبحاث العمر الصحي عبر مؤسسة "هيفولوشن"، التي تمتلك ميزانية سنوية تصل إلى مليار دولار. كما عززت التحول نحو الوقاية من خلال مبادرة "تأكد" للفحوص الاستباقية، وإصلاحات للصحة العامة شملت حظر الزيوت المهدرجة، وخفض الملح، وإلزام المطاعم عرض السعرات الحرارية، إلى جانب توسيع خدمات الصحة الرقمية والسجل الصحي الإلكتروني والطب عن بُعد، بما يدعم الوقاية وإدارة الأمراض المزمنة وإطالة سنوات الحياة الصحية. 

تبني المملكة اقتصاد العمر المديد عبر مسارين متوازيين: الاستثمار العالمي في علوم الشيخوخة الصحية، وإعادة هيكلة النظام الصحي ليصبح قائما على الوقاية ورفع متوسط العمر المتوقع ضمن مستهدفات رؤية 2030

وفي الإمارات، تتبنى الدولة استراتيجيا متعددة المستويات لبناء اقتصاد العمر المديد، تجمع بين التنظيم والاستثمار والابتكار.

ففي دبي، أُنشئت سلطة الديمومة الصحية لترسيخ مكانة الإمارة مركزا عالميا لهذا القطاع ضمن أجندتي دبي الاقتصادية (D33) ودبي الاجتماعية 33. وفي أبوظبي، أُطلقت معايير لترخيص مراكز طب الحياة الصحية المديدة، إلى جانب تطوير مجمّع الصحة والطب واللياقة لحياة مستدامة (HELM) لربط التكنولوجيا الحيوية والطب الدقيق والصحة الرقمية بالبحث العلمي والاستثمار.

وتستهدف الإمارة أن يضيف المشروع 25.6 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي، ويجذب 11.5 مليار دولار من الاستثمارات ويوفر 30 ألف وظيفة في حلول 2045. وعلى المستوى الاتحادي، تدعم برامج الجينوم الإماراتي والاستراتيجيا الوطنية لجودة الحياة 2031 توظيف الذكاء الاصطناعي والطب الوقائي لإطالة سنوات الحياة الصحية.

وفي قطر، تتشكل ملامح اقتصاد العمر المديد عبر دمج الصحة الوقائية والطب الدقيق ضمن استراتيجيا التنمية الوطنية الثالثة (2024-2030) والاستراتيجيا الوطنية للصحة. وتستهدف الدولة رفع متوسط العمر المتوقع إلى 82.6 عاما في حلول 2030، مع خفض الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية بنسبة 36 في المئة، والتوسع في الطب الشخصي والوقاية والصحة الرقمية، باعتبارها ركائز لتحسين جودة الحياة وتقليل تكلفة الرعاية الصحية على المدى الطويل. 

لا تمتلك البحرين حتى الآن استراتيجيا مستقلة تحت مسمى اقتصاد العمر المديد، لكن المبادرات الحكومية تدعم دمج الشيخوخة الصحية ضمن إصلاحات القطاع الصحي، إذ تركز المملكة على الوقاية، والرعاية الأولية، والتحول الرقمي، وتحسين جودة الحياة لكبار السن في إطار رؤية البحرين الاقتصادية 2030. كما تبنت وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، مبادرات لتعزيز الشيخوخة الصحية وتطوير خدمات الرعاية المتكاملة، بما يحد من عبء الأمراض المزمنة ويرفع كفاءة الإنفاق الصحي. 

أما في مصر، فلا يُطرح اقتصاد العمر المديد بوصفه قطاعا اقتصاديا مستقلا، لكنه يتجسد في استراتيجيا صحية تعتمد على الوقاية والطب الدقيق. فقد جعلت الاستراتيجيا الوطنية للصحة (2024-2030) "تعزيز الشيخوخة الصحية" أحد أهدافها الرئيسة، مع التوسع في الرعاية الوقائية، وخدمات الرعاية الطويلة الأجل، والتأمين الصحي، إلى جانب الاستثمار في مشروع الجينوم المصري، الذي يمثل قاعدة للطب الشخصي والوقاية المبكرة من الأمراض. 

يختلف النموذج التونسي عن النماذج الخليجية. فهو لا يركز على الاستثمار في تقنيات العمر المديد أو التكنولوجيا الحيوية، بل على إدارة آثار الشيخوخة السكانية عبر إصلاح السياسات العامة. ومع ارتفاع نسبة كبار السن، تمتلك تونس فرصة لتطوير قطاعات الرعاية الطويلة الأجل، والرعاية المنزلية، والتأمين الصحي، والخدمات الموجهة لكبار السن، بما يجعل التحول الديمغرافي محركا اقتصاديا جديدا إذا اقترن بإصلاحات في الصحة وسوق العمل. 

أما في المغرب، فيتشكل اقتصاد العمر المديد من خلال الاستعداد المبكر لشيخوخة السكان، بالتوازي مع إصلاحات واسعة في الرعاية الصحية والبحث العلمي. فقد أطلقت الحكومة البرنامج الوطني المندمج للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين (2021-2030)، كما تستثمر في مشروع "جينوم المغرب" لتطوير الطب الدقيق، في إطار إصلاح صحي يستهدف تعميم التغطية الصحية وتعزيز الوقاية والابتكار الطبي. 

أين تكمن أهمية هذا الاقتصاد؟

تكمن أهمية الاقتصاد العمر المديد في الدول العربية في أنه يمثل فرصة اقتصادية يمكن الاستعداد لها قبل أن تتحول الشيخوخة السكانية إلى تحدٍ مالي واجتماعي. فمع أن المنطقة العربية لا تزال تُعد من أكثر مناطق العالم شبابا مقارنة بأوروبا واليابان، فإنها تشهد ارتفاعا مستمرا في متوسط العمر المتوقع، بالتوازي مع تراجع معدلات الخصوبة، وهو ما سيؤدي إلى زيادة مطردة في أعداد ونسب كبار السن خلال العقود المقبلة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن عدد كبار السن في المنطقة العربية سيزداد بأكثر من الضعف خلال العقود المقبلة، ليصل إلى نحو 71.5 مليون شخص بعمر 65 عاما فأكثر في حلول عام 2050، مقارنة بنحو 21 مليونا في عام 2020. يستدعي ذلك تطوير أنظمة الصحة، والتقاعد، والرعاية الطويلة الأجل قبل وصول هذه الموجة.

رويترز
رجلٌ مسنّ يمارس التمارين الرياضية على شاطئ مدينة صيدا في لبنان، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2018

لذلك، فإن الاستثمار المبكر في الصحة الوقائية، وتقنيات العمر المديد، والخدمات الموجهة لكبار السن، قد يسمح بتحويل هذا التحول الديمغرافي من عبء على أنظمة الرعاية الصحية والتقاعد إلى محرك جديد للنمو الاقتصادي. 

ومن الجوانب الإضافية الواجب الاهتمام بها، خفض الإنفاق الصحي مستقبلا. فالاستثمار في الوقاية، والنشاط البدني، والكشف المبكر، وتصميم المدن والمنازل الملائمة لكبار السن، تقلل الأمراض المزمنة والإصابات، وتخفف الضغط على الموازنات العامة.

مع أن المنطقة العربية لا تزال تُعد من أكثر مناطق العالم شبابا مقارنة بأوروبا واليابان، فإنها تشهد ارتفاعا مستمرا في متوسط العمر المتوقع، بالتوازي مع تراجع معدلات الخصوبة

يعتبر تنويع الاقتصادات ركنا إضافيا، إذ يخلق اقتصاد العمر المديد أسواقا جديدة في مجالات الرعاية الصحية، والتقنيات الطبية، والرعاية المنزلية، والأجهزة المساعدة، والتأمين، والخدمات المالية، والسياحة العلاجية، والإسكان الذكي، مما يدعم خطط التنويع الاقتصادي في دول الخليج وغيرها.

ويتطلب الاهتمام باقتصاد العمر المديد رفع الإنتاجية وإطالة سنوات العمل، إذ لم يعد الهدف إطالة العمر فقط، بل إطالة سنوات الحياة الصحية التي يستطيع خلالها الأفراد العمل والإنتاج، وهو ما يرفع الناتج الاقتصادي ويخفف الضغوط على أنظمة التقاعد.

بالإضافة إلى ذلك، ومع توسع الطلب على خدمات كبار السن، تبرز فرص كبيرة للشركات الناشئة والاستثمارات في تقنيات الصحة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات المساعدة، والأدوية، والرعاية المنزلية.

وعلى صعيد الرؤى الوطنية، بدأت بعض الدول العربية مثل السعودية والإمارات بالفعل في إدراج مفهوم العمر الصحي ضمن استراتيجياتها.

أبرز القطاعات المستفيدة من اقتصاد العمر المديد عربيا

بحسب توجهات الحكومات والتقارير الدولية، فإن القطاعات المرشحة لتحقيق أكبر نمو هي الرعاية الصحية والطب الوقائي، بما يشمل عيادات طب العمر المديد والطب الدقيق والجينوم، والفحوص الاستباقية.

وهي أيضا تضم التقنيات الحيوية (Biotech)، وعلاجات الشيخوخة، والطب التجديدي، والعلاج بالخلايا، فضلا عن الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما تضمه من مراقبة صحية عن بعد، والأجهزة القابلة للارتداء، والتحليلات التنبؤية. وتمتد أيضا لتشمل الرعاية المنزلية وخدمات الرعاية الطويلة الأجل، والمنازل الذكية الملائمة لكبار السن، والأجهزة المساعدة.

أ.ف.ب
فني يعمل داخل مختبر في معهد بايوساينس، وهو شركة تقدم خدمات في علم الأحياء الخلوي باستخدام الخلايا الجذعية لتطوير علاجات مخصصة، إلى جانب خدمات في علم الأحياء الجزيئي، في دبي، 17 يوليو/تموز 2025

أما على صعيد الخدمات المالية، فهي تشمل التأمين الصحي الطويل الأجل، ومنتجات التقاعد، وإدارة الثروات لكبار السن. ولجهة السياحة العلاجية والعافية، فهي تشمل برامج الوقاية ومراكز العافية وإعادة التأهيل.

بمنأى من المقاربات العربية المختلفة، فإن القاسم المشترك بينها هو الانتقال التدريجي من النظر إلى الشيخوخة باعتبارها عبئا ماليا إلى اعتبارها فرصة اقتصادية واستثمارية. فالدول الخليجية تراهن على التكنولوجيا الحيوية، والطب الدقيق، والذكاء الاصطناعي لبناء صناعات جديدة، فيما تركز دول أخرى على إصلاح أنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية استعدادا للتحول الديمغرافي. 

ومع تسارع ارتفاع متوسط العمر المتوقع في معظم الدول العربية، سيتحول التنافس نحو بناء منظومات اقتصادية قادرة على إطالة سنوات الحياة الصحية، وخلق وظائف وأسواق واستثمارات جديدة. وفي هذا السياق، قد يصبح اقتصاد العمر المديد أحد أبرز محركات التنويع الاقتصادي في المنطقة خلال العقود المقبلة، تماما كما أصبح الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة من قبل.

font change