لم تكن الأسواق بحاجة إلى غرق سفينة محملة قمحا أو تدمير صوامع للحبوب كي ترتفع الأسعار. كان يكفي أن تنتشر أنباء عن وقف روسيا الملاحة في قناة الدون–آزوف، عقب هجمات أوكرانية استهدفت 13 سفينة روسية في بحر آزوف، بينها 10 ناقلات، حتى قفزت عقود القمح الأوروبية بنحو 4 في المئة خلال تداولات 10 يوليو/تموز، في أول رد فعل على مخاوف من تعطل أحد أهم مسارات تصدير الحبوب الروسية.
أبلغ حرس الحدود الروسي شركات الشحن أنه لن يقبل طلبات جديدة لعبور مضيق كيرتش، الذي يربط بحر آزوف بالبحر الأسود، من دون تحديد موعد لإنهاء الإجراء. وفي الوقت نفسه توقفت الملاحة عبر قناة الدون–آزوف، التي تصل بحر آزوف بنهر الدون. وعمليا، أدى ذلك إلى تعطيل منفذي بحر آزوف الرئيسين، مما عزل مؤقتا أحد أهم مسارات تصدير الحبوب الروسية إلى الأسواق العالمية، علما بأن محللين يقدرون أن ما يصل إلى ربع صادرات القمح الروسية يمر عبر هذا المسار، فيما تحتل روسيا المرتبة الأولى عالميا في تصدير القمح، بصادرات بلغت قيمتها 9.2 مليار دولار عام 2024 حسب بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي (The Observatory of Economic Complexity - OEC).
لم تُغلق روسيا البحر الأسود، كما قد يوحي الخبر عند قراءته سريعا. فالقيود انحصرت في عقدة آزوف–كيرتش–الدون، في حين واصلت الموانئ الروسية العميقة على البحر الأسود، وعلى مقدمها نوفوروسيسك، العمل مع فرض قيود تشغيلية مرتبطة بالوضع الأمني. لكن خطورة التطور لا تكمن في القيود الروسية وحدها، بل في تزامنها مع تكثيف الضربات الروسية على موانئ أوديسا وتشورنومورسك، مما ألقى ضغوطا متزامنة على مساري تصدير الحبوب الروسي والأوكراني. وعندما يتعرض طرفا الممر الغذائي نفسه للاضطراب في آن واحد، يصبح الخطر أكبر من مجرد حادث محلي، ليمتد إلى أمن الإمدادات الغذائية العالمية.
وتشكل روستوف، الواقعة عند مصب نهر الدون، مع إقليم كراسنودار المجاور، أحد أهم أحواض إنتاج القمح الروسي، فيما تمثل موانئهما وممراتهما المائية البوابة الرئيسة لخروج جانب كبير من صادرات الحبوب الروسية إلى البحر الأسود ثم إلى الأسواق العالمية.
بعد ذلك، لم يحتج التصعيد إلى وقت طويل كي يتسع. فقد أعلنت القوات الأوكرانية إصابة عشرات السفن الروسية خلال أيام، مؤكدة أنها تستهدف أهدافا ومنشآت تسهم في تعزيز القدرة العسكرية الروسية. وفي المقابل، تحدثت مصادر في قطاع الشحن عن إصابة سفن لنقل الحبوب واحتراق بعضها. واتهمت موسكو كييف باستهداف الملاحة المدنية، بينما اتهمت أوكرانيا روسيا بتكثيف الهجمات على الموانئ والسفن التجارية بهدف تقويض ممراتها التصديرية عبر البحر الأسود.







