ماذا إن أصبح البحر الأسود "هرمز الحبوب"؟

الممر البحري الذي يربط روسيا وأوكرانيا بالأسواق العالمية يتحول إلى أحد أخطر الاختناقات في تجارة القمح والزيوت والأسمدة

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
حقول متضررة في منطقة أرتيميفكا، أوكرانيا 22 سبتمبر 2022

ماذا إن أصبح البحر الأسود "هرمز الحبوب"؟

لم تكن الأسواق بحاجة إلى غرق سفينة محملة قمحا أو تدمير صوامع للحبوب كي ترتفع الأسعار. كان يكفي أن تنتشر أنباء عن وقف روسيا الملاحة في قناة الدون–آزوف، عقب هجمات أوكرانية استهدفت 13 سفينة روسية في بحر آزوف، بينها 10 ناقلات، حتى قفزت عقود القمح الأوروبية بنحو 4 في المئة خلال تداولات 10 يوليو/تموز، في أول رد فعل على مخاوف من تعطل أحد أهم مسارات تصدير الحبوب الروسية.

أبلغ حرس الحدود الروسي شركات الشحن أنه لن يقبل طلبات جديدة لعبور مضيق كيرتش، الذي يربط بحر آزوف بالبحر الأسود، من دون تحديد موعد لإنهاء الإجراء. وفي الوقت نفسه توقفت الملاحة عبر قناة الدون–آزوف، التي تصل بحر آزوف بنهر الدون. وعمليا، أدى ذلك إلى تعطيل منفذي بحر آزوف الرئيسين، مما عزل مؤقتا أحد أهم مسارات تصدير الحبوب الروسية إلى الأسواق العالمية، علما بأن محللين يقدرون أن ما يصل إلى ربع صادرات القمح الروسية يمر عبر هذا المسار، فيما تحتل روسيا المرتبة الأولى عالميا في تصدير القمح، بصادرات بلغت قيمتها 9.2 مليار دولار عام 2024 حسب بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي (The Observatory of Economic Complexity - OEC).

لم تُغلق روسيا البحر الأسود، كما قد يوحي الخبر عند قراءته سريعا. فالقيود انحصرت في عقدة آزوف–كيرتش–الدون، في حين واصلت الموانئ الروسية العميقة على البحر الأسود، وعلى مقدمها نوفوروسيسك، العمل مع فرض قيود تشغيلية مرتبطة بالوضع الأمني. لكن خطورة التطور لا تكمن في القيود الروسية وحدها، بل في تزامنها مع تكثيف الضربات الروسية على موانئ أوديسا وتشورنومورسك، مما ألقى ضغوطا متزامنة على مساري تصدير الحبوب الروسي والأوكراني. وعندما يتعرض طرفا الممر الغذائي نفسه للاضطراب في آن واحد، يصبح الخطر أكبر من مجرد حادث محلي، ليمتد إلى أمن الإمدادات الغذائية العالمية.

وتشكل روستوف، الواقعة عند مصب نهر الدون، مع إقليم كراسنودار المجاور، أحد أهم أحواض إنتاج القمح الروسي، فيما تمثل موانئهما وممراتهما المائية البوابة الرئيسة لخروج جانب كبير من صادرات الحبوب الروسية إلى البحر الأسود ثم إلى الأسواق العالمية.

بعد ذلك، لم يحتج التصعيد إلى وقت طويل كي يتسع. فقد أعلنت القوات الأوكرانية إصابة عشرات السفن الروسية خلال أيام، مؤكدة أنها تستهدف أهدافا ومنشآت تسهم في تعزيز القدرة العسكرية الروسية. وفي المقابل، تحدثت مصادر في قطاع الشحن عن إصابة سفن لنقل الحبوب واحتراق بعضها. واتهمت موسكو كييف باستهداف الملاحة المدنية، بينما اتهمت أوكرانيا روسيا بتكثيف الهجمات على الموانئ والسفن التجارية بهدف تقويض ممراتها التصديرية عبر البحر الأسود.

أدت الأضرار والاختناقات اللوجستية الناجمة عن الهجمات على موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني إلى خسارة تقارب ثلث القدرة التصديرية عبر هذه الموانئ

على الضفة الأخرى، كانت روسيا تضغط بقوة على الموانئ الأوكرانية. وبحسب المجلس الزراعي الأوكراني (UAC)، أدت الأضرار والاختناقات اللوجستية الناجمة عن الهجمات على موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني (المعروف سابقا باسم يوجني) إلى خفض طاقة تصدير الحبوب عبر هذه الموانئ من نحو ستة ملايين طن شهريا إلى أربعة ملايين طن، أي بخسارة تقارب ثلث القدرة التصديرية.

وتوقفت أربع من أكبر 13 محطة للحبوب في أوكرانيا عن شراء المحاصيل مؤقتا، فيما علّقت شركة "كيرنل"، أكبر مصدّر للحبوب في البلاد، تشغيل محطة التصدير التابعة لها في ميناء تشورنومورسك بعد تعرضها لأضرار جسيمة. ثم جاء التصعيد الأخطر في 20 يوليو/تموز، حين أصابت ثلاثة صواريخ روسية سفينة الشحن "غولدن ليو" المحملة ذرة قبالة أوديسا، مما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص. وبذلك لم يعد الخطر محصورا في الصوامع والأرصفة ومحطات الشحن، بل امتد إلى السفن التجارية وأطقمها، لتصبح هي الأخرى جزءا من ساحة النار.

أ.ف.ب.
ناقلة حبوب متفحمة عقب استهداف روسي، في البحبر الأسود 19 يوليو 2026

منحت هذه الأحداث هذه الجولة من التصعيد طابعا  مختلفا، وهو أن الضغط الروسي على الموانئ الأوكرانية يتزامن مع حملة أوكرانية غير مسبوقة في كثافتها على السفن وشبكات النقل الروسية في بحر آزوف. لم تعد حرب الموانئ تسير في اتجاه واحد، من روسيا نحو أوكرانيا، وصار ممكنا أن تضرب جانبي واحدة من أهم مناطق إنتاج الغذاء وتصديره في العالم.

من حقول الدون إلى موائد العالم

يشكل نهر الدون الممر الملاحي الذي يصب في بحر آزوف، والذي لا يتصل بالبحر الأسود إلا عبر مضيق كيرتش. وعلى امتداد هذا الممر تنتشر موانئ نهرية وضحلة تعتمد على سفن صغيرة ومتوسطة لنقل الحبوب من جنوب روسيا، إما مباشرة إلى الأسواق القريبة، أو إلى موانئ البحر الأسود العميقة ومناطق إعادة الشحن، حيث تُنقل إلى سفن محيطية أكبر متجهة إلى الأسواق العالمية. .

أما الموانئ العميقة، وفي مقدمتها نوفوروسيسك وتامان، فتستقبل سفنا ذات حمولة أكبر، مما يخفض تكلفة الشحن لكل طن. لكن هذه الموانئ ليست جزرا لوجستية منفصلة، بل تمثل الحلقة الأخيرة في شبكة تمتد من حقول وصوامع جنوب روسيا، مرورا بشبكات السكك الحديد والطرق والممرات النهرية، بما فيها نهر الدون وبحر آزوف، قبل أن تنفتح عبر البحر الأسود على البحر المتوسط ثم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

تقدّر وزارة الزراعة الأميركية أن روسيا وأوكرانيا تؤمّنان معا نحو 29 في المئة من صادرات القمح العالمية، و13 في المئة من الذرة، وأكثر من 63 في المئة من زيت دوار الشمس، ونحو 60 في المئة من كُسْبه المستخدم في الأعلاف

أما في أوكرانيا، فتشكل موانئ منطقة أوديسا العقدة الرئيسة لصادراتها الزراعية. منذ إنشاء كييف ممرا بحريا خاصا بها في عام 2023، بعد انسحاب روسيا من "مبادرة حبوب البحر الأسود"، عادت هذه الموانئ إلى حمل العبء الأكبر من التجارة الزراعية. واليوم يمر عبرها أكثر من 90 في المئة من صادرات الحبوب والزيوت النباتية الأوكرانية، وهي صادرات تشكل مصدرا رئيسا للعملات الأجنبية لاقتصاد أنهكته الحرب.

الأهمية العالمية لهذه الشبكة تظهر بوضوح في الأرقام. وفق تقديرات وزارة الزراعة الأميركية لموسم 2026-2027، يُتوقع أن تصدّر روسيا 47.5 مليون طن من القمح، وأوكرانيا 14.5 مليون طن، من أصل تجارة عالمية تقارب 214.5 مليون طن. ويؤمّن البلدان معا، بذلك، نحو 29 في المئة من صادرات القمح في العالم.

رويترز
مزارع يقوم بحصد حقول القمح، في زابروجيا، شرق أوكرانيا 23 يوليو 2026

وفي الذرة، يُرجَّح أن تبلغ صادرات أوكرانيا 25.4 مليون طن وصادرات روسيا 7.9 ملايين ، أي نحو 13 في المئة من التجارة العالمية.

لكن درجة التركز الأعلى تظهر في زيت دوار الشمس. من المتوقع أن تصدّر روسيا خمسة ملايين طن وأوكرانيا 4.9 ملايين، من أصل تجارة عالمية لا تتجاوز 15.6 مليون طن. وهذا يضع أكثر من 63 في المئة من صادرات زيت دوار الشمس العالمية في يد البلدين، إلى جانب نحو 60 في المئة من تجارة كُسْب دوار الشمس المستخدم في الأعلاف.

ومع ذلك، لا تمثل هذه النسب كامل كمية الحبوب التي تمر عبر البحر الأسود. هناك أيضا صادرات رومانيا وبلغاريا، فضلا عن شحنات آتية من بلدان أخرى. ولهذا لا تقدّم المؤسسات الزراعية رقما واحدا متفقاً عليه لـ"حصة البحر الأسود"، بل تحصي صادرات كل بلد أو حركة كل ميناء، كما تختلف تعريفات منطقة البحر الأسود من مؤسسة إلى أخرى. لكن المؤشر الأوضح يبقى أن روسيا وأوكرانيا وحدهما تؤمّنان نحو 29 في المئة من صادرات القمح العالمية، قبل أن تضاف إليهما صادرات بقية بلدان المنطقة. وهذا كافٍ لإظهار سبب قلق الأسواق كلما تعطلت سفينة أو أُغلِق ممر هناك.

وتصف تقديرات السوق بحر آزوف بأنه طريق لما يصل إلى ربع صادرات الحبوب الروسية كما سبق وأشرنا. وكان تقدير أولي قد أشار إلى أن النسبة قد تقترب أيضا من ربع صادرات القمح. لكن لا تتوافر بيانات رسمية ثابتة توزع الكميات بين السلع والممرات المختلفة.

حين تضطرب الملاحة، لا تنتظر الأسواق حتى تختفي الحبوب من الصوامع. تبدأ الصدمة في مكاتب شركات التأمين وعقود الشحن، قبل أن تظهر في المخزون المتاح

قد لا يولّد تعطيل آزوف وحده أزمة غذاء عالمية. لكن الحساب يتغير عندما يتزامن مع خسارة أوكرانيا ثلث قدرتها على التصدير عبر أوديسا، أو إذا انتقلت الهجمات إلى الموانئ الروسية العميقة التي يُفترَض أن تستوعب السفن والشحنات المحولة من آزوف.

الأسعار ترتفع قبل أن تنفد الحبوب

حين تضطرب الملاحة، لا تنتظر الأسواق حتى تختفي الحبوب من الصوامع. تبدأ الصدمة في مكاتب شركات التأمين وعقود الشحن، قبل أن تظهر في المخزون المتاح. وهكذا ترفع كل إصابة تتعرض إليها سفينة تجارية أقساط التأمين ضد أخطار الحرب، أو تدفع شركة تأمين إلى تقليص تغطيتها للرحلات المتجهة إلى المنطقة. وقد يقرر مالك سفينة أن المبلغ المعروض لا يستحق المخاطرة، حتى لو بقي الميناء مفتوحا رسميا. ومع انخفاض عدد السفن المستعدة للإبحار، ترتفع أجور الشحن وتكاليف الطواقم والانتظار والتفتيش.

رويترز
صورة نشرتها القوات الأوكرانية خلال استهدافها لناقلات نفط روسية في البحر الأسود، 19 يوليو 2026

بعد ذلك تصل الصدمة إلى الحقول. عندما تتكدس الحبوب بسبب تعذر نقلها إلى المرافئ، قد ينخفض سعرها داخل البلد المنتج، في وقت يرتفع فيه السعر الذي يدفعه المستورد. وهذا ما بدأ مزارعو جنوب روسيا يشعرون به، بالتزامن مع أزمة وقود تسببت بها الهجمات الأوكرانية على المصافي ومستودعات الطاقة في بلادهم. بات الديزل أغلى وأقل توافرا في ذروة الحصاد، بينما تراجعت عروض شراء الحبوب بسبب الشكوك المحيطة بإمكان تصديرها. وإذا طال أمد الوضع، قد يفضل المزارع تخزين محصوله بدلا من بيعه بسعر منخفض، أو يقلص المساحة التي سيزرعها في الموسم التالي. عندها لا تعود المشكلة مجرد إغلاق موقت لممر بحري، بل تبدأ بالتأثير في الإنتاج المستقبلي.

ولا يتوقف الأثر عند القمح. فارتفاع سعره يدفع بعض المشترين إلى الذرة أو الشعير أو الأرز. ويزيد نقص زيت دوار الشمس الطلب على زيوت النخيل والصويا والكانولا. ومع ارتفاع أسعار الحبوب وكُسْب دوار الشمس، ترتفع تكلفة الأعلاف، ثم تنتقل تدريجا إلى اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان.

لكن القفزة في العقود الآجلة لا تعني بالضرورة أن العالم يتجه إلى تكرار صدمة عام 2022. دخلت الأسواق الصيف وهي تتمتع بقدر من الارتياح. وسجلت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في يونيو/حزيران تراجعا شهريا نسبته 4.4 في المئة في أسعار القمح العالمية، مدفوعا بسرعة الحصاد وتوقعات الإمدادات الجيدة من منطقة البحر الأسود. كذلك رفعت وزارة الزراعة الأميركية تقديرها لمحصول القمح الروسي إلى 88.5 مليون طن.

الحبوب موجودة، إذن. السؤال هو ما إذا كان ممكنا إخراجها من الحقول والصوامع وإيصالها إلى المشتري في الوقت والتكلفة المناسبين. وفي المسافة بين وفرة المحصول وخطر الطريق تنشأ "علاوة الحرب" التي يدفعها المستورد، حتى قبل أن يتحقق أي نقص فعلي.

الأسمدة... الصدمة التي تظهر لاحقا

ولا تقتصر أهمية روسيا على الحبوب وحدها، فهي تستحوذ على نحو خمس تجارة الأسمدة العالمية، كما تُعد من أكبر مصدري الأسمدة النيتروجينية، وتتمتع بحصة مهيمنة في تجارة نترات الأمونيوم. وفي عام 2020، كانت روسيا وبيلاروس مجتمعتين تمثلان نحو 20 في المئة من صادرات الأنواع الثلاثة الرئيسة من الأسمدة (النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية)، كما شكلت روسيا وحدها 16 في المئة من صادرات اليوريا و12 في المئة من صادرات الفوسفات عالميا.   

كان البحر الأسود تاريخيا منفذا رئيسا لصادرات الأمونيا الروسية عبر خط أنابيب تولياتي–أوديسا، الذي يمتد لنحو 2,471 كيلومترا وتبلغ طاقته نحو 2.5 مليون طن سنويا، وصولا إلى ميناء بيفديني الأوكراني على البحر الأسود. وتوقف تشغيل الخط مع اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2022، ثم تعرض لأضرار خلال القتال في عام 2023. أما اليوم، فتتوزع صادرات الأسمدة الروسية على عدد من الموانئ والطرق اللوجستية، ولا تتوافر بيانات رسمية أو دراسات سوقية تثبت أن قناة آزوف–الدون تؤدي في تجارة الأسمدة الدور نفسه الذي تؤديه في تجارة الحبوب.

تستطيع روسيا استيعاب إغلاق قصير بتحويل الشحنات إلى موانئ أخرى، لكن الإغلاق الطويل في ذروة التصدير سيكبدها خسائر، فيما تظل بدائل أوكرانيا عبر الدانوب وكونستانتسا والمسارات البرية الأوروبية أضيق

يبرز الخطر الحقيقي إذا امتدت الهجمات إلى مصانع الأسمدة أو شبكات السكك الحديد أو موانئ ومحطات التصدير على البحر الأسود أو بحر البلطيق، إذ تمثل هذه البنية التحتية العمود الفقري لصادرات الأسمدة الروسية إلى الأسواق العالمية.

يُشار إلى أن هذه السوق تعاني أصلا. في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 35 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بسبب اضطرابات الطاقة والشحن والإنتاج. ولأن الغاز الطبيعي يدخل أساسا في صناعة كثير من الأسمدة النيتروجينية، يزيد التوتر في هرمز تكلفة إنتاجها، بينما يمكن للتصعيد في البحر الأسود أن يعطل نقلها، وكذلك نقل الحبوب التي تساعد في إنتاجها.

وهنا تكمن خطورة الأسمدة، إذ لا يظهر أثرها كله في اليوم التالي. قد يدفع ارتفاع السعر المزارعين إلى استخدام كمية أقل منها، فتتراجع غلة المحاصيل في الموسم المقبل. وعندها قد تستمر آثار الأزمة بعدما تكون السفن قد عادت إلى الإبحار قبل أشهر.

طرق بديلة... لكن بتكلفة أعلى

تفيد موسكو بأنها تملك ما يكفي من الطاقة المرفئية لإعادة توجيه صادراتها. ويمكن روسيا بالفعل أن تحوّل الحبوب إلى نوفوروسيسك وتامان على البحر الأسود، أو إلى موانئ البلطيق وقزوين والشرق الأقصى. لكن نقل الشحنة من ميناء إلى آخر ليس مجرد تبديل اسم في العقد. يحتاج الميناء البديل إلى صوامع وطاقة تحميل وموعد رسو، كما تحتاج الحبوب إلى قطارات ومسارات نقل وعقود جديدة. ونقل محصول روستوف وكراسنودار شمالا إلى موانئ البلطيق أطول زمنا وأغلى ثمنا من إرساله عبر آزوف، بينما تبعد موانئ الشرق الأقصى كثيرا من مناطق الإنتاج الرئيسية وأسواق المتوسط والشرق الأوسط.

أ.ف.ب.
يتصاعد الدخان فوق المباني السكنية من مستودع تجاري في سانت بطرسبرغ، روسيا 24 يوليو 2026

على المدى القصير، قد تتمكن روسيا من احتواء اضطرابات تستمر أياما أو أسبوعين، ولا سيما أن تأخر الحصاد هذا العام منح الموانئ العميقة وقتا إضافيا لاستيعاب جزء من الشحنات المحولة. لكن هذا الهامش يضيق مع تدفق المحصول الجديد إلى الموانئ. وبحسب تقديرات محللي شركة "سوف إيكون" (SovEcon)، قد تتجاوز صادرات الحبوب الروسية 5 ملايين طن شهريا خلال ذروة موسم التصدير بين أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول، وتصل إلى نحو 6.5 ملايين طن، مما يجعل أي تعطيل طويل للموانئ أو الممرات الملاحية أكثر صعوبة في الاحتواء. مما يعني أن أي تعطيل طويل قد يؤدي إلى اختناقات لوجستية وازدحام في الموانئ يصعب تعويضه سريعا.

أما الخيارات المتاحة أمام أوكرانيا فأضيق. فمنذ الغزو الروسي في عام 2022، اعتمدت كييف على موانئ الدانوب، ولا سيما ريني وإسماعيل، ومنها إلى ميناء كونستانتسا الروماني، إضافة إلى نقل الحبوب بالقطارات والشاحنات عبر بولندا ورومانيا وسلوفاكيا وهنغاريا ضمن "ممرات التضامن" التي أطلقها الاتحاد الأوروبي. وقد حالت هذه المسارات دون توقف الصادرات بالكامل، لكنها تبقى أعلى تكلفة وأقل قدرة استيعابية من موانئ البحر الأسود العميقة. ويزيد تعقيدها اختلاف عرض السكك الحديد بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، مما يستلزم إعادة شحن الحبوب أو تبديل عربات القطارات عند الحدود، فضلا عن ازدحام المعابر والاحتجاجات المتكررة من مزارعين أوروبيين يخشون منافسة الحبوب الأوكرانية الأقل سعرا.

للغذاء حساسية خاصة. تحتفظ الدول بمخزونات من الطاقة والحبوب معا، لكن زيادة سعر الطعام تصل بسرعة أكبر إلى الأسر الفقيرة، التي تنفق حصة كبيرة من دخلها على الغذاء، وإلى موازنات الحكومات التي تدعم الخبز

تستطيع ممرات الدانوب والاتحاد الأوروبي، إذن، أن تخفف الضربة، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض مليوني طن من طاقة الشحن المفقودة كل شهر.

"هرمز الغذاء"؟

من السهل فهم جاذبية المقارنة: هرمز يهدد الطاقة، والبحر الأسود يهدد الغذاء. لكن التشابه هنا في الوظيفة أكثر منه في الجغرافيا أو الحجم. يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية، وأكثر من ربع تجارة النفط البحرية، فضلا عن نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وهو ممر ضيق وواضح، ولا تكفي خطوط الأنابيب البديلة لتعويض إغلاقه.

أما البحر الأسود فليس عنق زجاجة واحدا. إنه شبكة من الموانئ والأنهار والمضائق والسكك الحديد والطرق البرية. ويمكن تحويل بعض شحناته إلى مسارات أخرى، إنما  ببطء وتكلفة أعلى وطاقة أقل. ولهذا لا يؤدي تعطيله فورا إلى إخراج حصة من سوق الغذاء تعادل ما يمكن أن يخرجه إغلاق هرمز من سوق الطاقة.

ثمة فارق جيوسياسي أيضا. هرمز ممر دولي تستخدمه دول عدة مصدّرة للطاقة، بينما أصبح آزوف، بعد احتلال روسيا أجزاء من جنوب أوكرانيا وإعلان ضمها -في خطوة غير معترف بها دوليا-، مساحة تسيطر موسكو فعليا على معظم شواطئها وعلى جانبي بوابتها إلى البحر الأسود عبر كيرتش. لذلك تضرب أوكرانيا في آزوف شبكة تصدير يسيطر عليها خصمها، فيما يؤدي إغلاق هرمز إلى تعطيل صادرات بلدان عدة، ليست كلها بالضرورة طرفا مباشرا في النزاع.

مع ذلك، للغذاء حساسية خاصة. تحتفظ الدول بمخزونات من الطاقة والحبوب معا، لكن زيادة سعر الطعام تصل بسرعة أكبر إلى الأسر الفقيرة، التي تنفق حصة كبيرة من دخلها على الغذاء، وإلى موازنات الحكومات التي تدعم الخبز. ولهذا يمكن صدمة غذائية أصغر حجما من صدمة نفطية أن تتحول إلى ضغط اجتماعي وسياسي أسرع في الاقتصادات الهشة.

الأدق أن هرمز اختناق جغرافي مركز، بينما يمثل البحر الأسود اختناقا سوقيا موزعا. يُحدِث إغلاق هرمز صدمة طاقة فورية، أما اضطراب البحر الأسود فيبدأ بارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإعادة توزيع الحبوب، ثم يتحول إلى نقص فعلي إذا طال أو أصاب الموانئ العميقة في روسيا وأوكرانيا معا.

أ.ب.
سفينة إنقاذ تحمل طاقم سفينة رومانية تضررت جراء القصف في البحر الأسود، بالقرب من تولتشا، رومانيا 21 يوليو 2026

والمشكلة الكبرى أن الأزمتين ليستا منفصلتين. يرفع اضطراب هرمز تكلفة الوقود والغاز والأسمدة والنقل البحري، ويزيد اضطراب البحر الأسود أسعار الحبوب والزيوت والأعلاف. وإذا وقعا في الوقت نفسه، يصبح الغذاء أغلى عند الإنتاج وأغلى في الطريق إلى المستهلك.

من استهداف الجيش إلى استهداف موارد الحرب

تصر كييف على أنها لا تهاجم الشحنات المدنية، بل أهدافا عسكرية أو منشآت تسهم في دعم المجهود الحربي الروسي. لكن نطاق عملياتها اتسع بوضوح. بدأ باستهداف سفن أسطول البحر الأسود والقواعد البحرية، ثم وصل إلى المصافي ومستودعات الوقود، والآن إلى الموانئ والناقلات والسفن التي ترى أوكرانيا أنها جزء من شبكة الإمداد الروسية. لا يعني ذلك أن كييف تستهدف أهدافا اقتصادية بدل العسكرية، بل إن تعريفها للقدرة العسكرية بات يشمل البنية الاقتصادية واللوجستية التي تموّل الحرب وتسمح باستمرارها.

تتصدر مصر البلدان المعرّضة إلى الاضطراب، إذ أمّنت روسيا وأوكرانيا نحو 84.5 في المئة من وارداتها من القمح بين يوليو/تموز 2025 ويناير/كانون الثاني 2026

ليس النفط والغاز والحبوب والأسمدة مجرد صادرات عادية بالنسبة إلى روسيا. إنها مصادر للعملات الأجنبية والإيرادات الحكومية. وتعطيلها يفرض على موسكو تكلفة داخلية من خلال نقص الوقود وارتفاع الأسعار وخسائر المزارعين والمصدّرين. ومن هذه الزاوية، تبدو حملة آزوف امتدادا لاستراتيجيا ضرب قطاع الطاقة الروسي، لكن في قطاع أشد حساسية للأسواق الخارجية: قطاع الغذاء.

ولم تتردد روسيا، بدورها، في استخدام الممرات البحرية ورقة ضغط. منذ بداية الحرب حاصرت الموانئ الأوكرانية، ثم انسحبت من "مبادرة حبوب البحر الأسود"، واستهدفت الصوامع ومحطات التصدير، وربطت ضمان الملاحة بتسهيل صادراتها الزراعية وأسمدتها ومعاملاتها المصرفية.

رويترز
موسم الحصاد في منطقة روستوف، روسيا 14 يوليو 2026

بات الطرفان، بذلك، يتعاملان مع التجارة البحرية باعتبارها امتدادا لساحة القتال. لكن كلما اتسع تعريف "الهدف الاقتصادي الذي يخدم الحرب"، أصبح الحد الفاصل بين البنية العسكرية والتجارة المدنية أكثر ضبابية، وازدادت احتمالات أن يدفع مستوردون بعيدون عن الجبهة تكلفة المواجهة.

من سيدفع الفاتورة؟

تأتي مصر في مقدّم البلدان المعرّضة إلى أي اضطراب طويل. بين يوليو/تموز 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، استوردت مصر نحو 8.8 ملايين طن من القمح، منها 5.28 ملايين طن من روسيا و2.16 مليون من أوكرانيا. وهذا يعني أن البلدين أمّنا نحو 84.5 في المئة من وارداتها خلال تلك الفترة. بالنسبة إلى القاهرة، لا تتعلق المسألة بتوافر القمح فقط، بل أيضا بتكلفة برنامج الخبز المدعوم الذي يستفيد منه عشرات الملايين. وأي زيادة في الأسعار العالمية أو أجور الشحن تعني ضغطا إضافيا على الموازنة العامة.

ويتزامن هذا الضغط مع بدء وزارة التموين المصرية تطبيق منظومة الخصم المباشر للخبز اعتباراً من أغسطس/آب 2026، بعد تأجيلها شهرا لإتاحة الوقت أمام المخابز لاستكمال الإجراءات البنكية والإدارية. وتعتمد المنظومة على تنظيم العلاقة المالية بين المطاحن والمخابز وصوامع التخزين والهيئة العامة للسلع التموينية، دون أي تغيير في تعاملات المواطنين أو سعر رغيف الخبز المدعم. وأكدت الوزارة أن سعر الرغيف سيظل 20 قرشا، مع استمرار صرف 5 أرغفة يوميا لكل فرد على البطاقة التموينية، فيما تستهدف المنظومة تعزيز الرقابة والشفافية والتحول الرقمي وضبط الدورة المالية لإنتاج وتوزيع الخبز المدعم.

تقع تركيا أيضا في الدائرة الأولى من البلدان المتأثرة، فهي من أكبر مشتري القمح الروسي، وتعتمد عليه لتغذية واحدة من أكبر صناعات طحن القمح في العالم. وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية أن تستورد تركيا نحو 7.5 ملايين طن من القمح في الموسم 2025/2026، معظمها من روسيا

 وتقع تركيا أيضا في الدائرة الأولى من البلدان المتأثرة، فهي من أكبر مشتري القمح الروسي، وتعتمد عليه لتغذية واحدة من أكبر صناعات طحن القمح في العالم. وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية أن تستورد تركيا نحو 7.5 ملايين طن من القمح في الموسم 2025/2026، معظمها من روسيا، إذ بلغ إجمالي الواردات خلال الأشهر الستة الأولى من الموسم (يونيو/حزيران–نوفمبر/تشرين الثاني 2025) نحو 2.5 مليون طن، منها 2.4 مليون طن من روسيا مقابل 88 ألف طن فقط من أوكرانيا. وفي المقابل، تعد تركيا أكبر مصدر للدقيق في العالم، إذ صدّرت بين يونيو/حزيران ويناير/كانون الثاني من الموسم نفسه نحو 2.2 مليون طن (مكافئ قمح)، كما حافظت صادراتها من المعكرونة على مستوى يقارب 1.8 مليون طن سنويا (مكافئ قمح)، مما يجعل أي اضطراب في تدفق القمح الروسي ينعكس سريعا على صناعاتها التصديرية وأسواقها الخارجية.

وفي بقية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشمل البلدان الحساسة لبنان واليمن وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والأردن وسوريا. وقد نجح بعضها في تنويع مورديه منذ عام 2022، لكن القمح الروسي لا يزال يتمتع بميزتي السعر والقرب. وتصبح المشكلة أشد في البلدان التي تعاني نقص العملات الأجنبية أو تعتمد على دعم الخبز.

رويترز
يتصاعد دخان حريق من سفينة مدنية عقب قصف روسي، بالقرب من ميناء أوديسا، أوكرانيا 14 يوليو 2026

أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فلا تعتمد جميع الدول مباشرة على واردات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، لكنها تملك قدرة محدودة على امتصاص صدمات الأسعار العالمية. فالسودان وجنوب السودان والصومال وإثيوبيا، إلى جانب عدد من دول الساحل، تواجه بالفعل مزيجا من النزاعات المسلحة والنزوح والصدمات المناخية وانعدام الأمن الغذائي. ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن ارتفاع أسعار الحبوب وتكاليف الوقود والشحن يقلص الكميات التي تستطيع الوكالات الإنسانية شراءها بالميزانيات نفسها، مما يحد من عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية في أكثر المناطق هشاشة.

وفي آسيا، يظهر التعرض من زوايا مختلفة. تتأثر بنغلادش وباكستان وإندونيسيا بأسعار القمح، بينما تتأثر الهند والصين وأسواق أخرى بأسعار زيت دوار الشمس والأعلاف. وحتى عندما تستطيع دولة إحلال زيت الصويا أو النخيل محل زيت دوار الشمس، يرفع الطلب الإضافي على البديل سعره على بقية المستوردين.

لهذا لا يكفي النظر إلى نسبة القمح الروسي أو الأوكراني في واردات أي بلد. فالأشد تعرضا هي البلدان التي تجمع بين الاعتماد على الاستيراد، وضعف العملة والاحتياطيات، واتساع دعم الخبز، وارتفاع الفقر أو وجود نزاع داخلي.

من تعطيل مؤقت إلى أزمة عالمية

يبقى السيناريو الأفضل أن تُستأنَف الملاحة في آزوف سريعا، وأن تنجح روسيا في تحويل جزء من الشحنات إلى موانئها العميقة، فيما تصلح أوكرانيا المحطات المتضررة. عندها قد تتراجع "علاوة الحرب"، مستفيدة من وفرة المحاصيل العالمية. أما إذا استمرت القيود أسابيع في ذروة الحصاد، فستتراكم الحبوب في جنوب روسيا، وترتفع أجور الشحن، وقد تتأخر ملايين الأطنان أو لا تخرج خلال الموسم. وقدّر عاملون في القطاع أن استمرار أزمتي آزوف والوقود يمكن أن يخفض صادرات القمح الروسية بين خمسة و10 ملايين طن. لكنه يظل تقديرا لسيناريو محتمل، لا خسارة تحققت بالفعل.

لم يصبح بحر آزوف مضيق هرمز آخر بعد. هو أقل أهمية إذا نُظِر إليه منفردا، ولدى روسيا بدائل أوسع من تلك المتاحة لبلدان الخليج العربي عند إغلاق هرمز. لكن المسألة لا تتوقف عند آزوف

والسيناريو الأخطر هو أن تتوسع الهجمات الأوكرانية لتصل إلى نوفوروسيسك أو تامان، وإلى الصوامع والسكك الحديد المرتبطة بهما. هذان هما الميناءان اللذان يُفترَض أن يعوّضا إغلاق آزوف. وإذا تعطلا، تنتقل الأزمة من تأخير الشحنات وإعادة توجيهها إلى نقص فعلي في الصادرات.

وفي المقابل، قد تشل الضربات الروسية المتواصلة مساحة أكبر من موانئ أوديسا، أو تدفع مالكي السفن وشركات التأمين إلى الانسحاب. وإذا تعطلت الموانئ العميقة على الجانبين، يمكن أن تقفز الأسعار بقوة، وأن تبدأ دول أخرى بفرض قيود على صادراتها لحماية أسواقها، كما حدث خلال أزمات غذائية سابقة.

أ.ب.
يتصاعد الدخان من سفينة نقل الحبوب «غولدن ليو» التي ترفع علم غينيا بيساو، عقب ضربة صاروخية روسية في البحر الأسود بالقرب من أوديسا في أوكرانيا، في يوم الأحد 19 يوليو 2026

ومع ذلك، فإن اعتماد روسيا وأوكرانيا على عائدات الصادرات الزراعية يبقي احتمال التوصل إلى تفاهمات بحرية محدودة قائما، على غرار مبادرة حبوب البحر الأسود التي رعتها تركيا والأمم المتحدة عام 2022. ولا يتطلب مثل هذا التفاهم اتفاق سلام شاملا، بل يتطلب توافقا عمليا على تحييد الموانئ والسفن التجارية بما يضمن استمرار تدفق الصادرات، إذ إن أي تعطيل واسع للملاحة قد يهدد أيضا مصالح الطرفين الاقتصادية وإيراداتهما من التجارة الزراعية.

لم يصبح بحر آزوف مضيق هرمز آخر بعد. هو أقل أهمية إذا نُظِر إليه منفردا، ولدى روسيا بدائل أوسع من تلك المتاحة لبلدان الخليج العربي عند إغلاق هرمز. لكن المسألة لا تتوقف عند آزوف. يتلخص الخطر الحقيقي في أن يتحوّل البحر الأسود كله إلى ساحة مفتوحة لضرب السفن والموانئ ومصادر الدخل.

عندها لن تبقى القضية فصلا آخر من الحرب الروسية-الأوكرانية، بل ستتحول إلى أزمة تجمع أمن الغذاء إلى أمن الطاقة. قد تقع الضربة في البحر الأسود، لكن ارتدادها يصل إلى رغيف الخبز في القاهرة وبيروت والخرطوم، وإلى موازنات الحكومات وموائد الأسر على بعد آلاف الكيلومترات.

font change

مقالات ذات صلة