باولا إيريزانو لـ"المجلة": هناك أوجه شبه بين حصار غزة وحصار مولدوفا

حين يتحول التاريخ إلى خبر عاجل

Alex Coman
Alex Coman
الكاتبة والصحفية باولا إيريزانو

باولا إيريزانو لـ"المجلة": هناك أوجه شبه بين حصار غزة وحصار مولدوفا

في عالم تتشابك فيه الندوب التاريخية بالحروب الراهنة، تبرز الكاتبة والصحافية باولا إيريزانو، المولودة في العاصمة المولدوفية كيشيناو عام 1992، باعتبارها من أهم الأصوات الأدبية الشابة التي أعادت صوغ مفهوم "الشهادة التاريخية" في أوروبا الشرقية.

أصدرت كتابها الأول "هذه ثورتي الأولى... اسرقها"، وهي في الثامنة عشرة من عمرها. وثقت فيه احتجاجات كيشيناو عام 2009، برز اسمها بصفتها من أبرز الأصوات الأدبية في جيلها. درست في جامعة أكسفورد بلندن، وعملت صحافية ثقافية وسياسية في عدد من المنصات الدولية المرموقة، كما ترجمت أعمالها إلى لغات عدة.

في روايتها "الغابات تحترق"، أعادت إحياء سيرة نساء الثورة الروسية، ووصل كتابها الأحدث، "هنا الجنة والجحيم معا"، إلى القائمة القصيرة لجائزة الإتحاد الأوروبي لعام 2026، ونقبت فيه عن تاريخ مولدوفا عبر أكثر من قرن، مستندة إلى شهادات حية تمتزج فيها الذاكرة العائلية بالتاريخ الوطني. ترى باولا إريزانو الكتابة باعتبارها فعل مقاومة ضد النسيان، وتكتب عن الهوية والذاكرة، والحرب في أوكرانيا وغزة، والدور الذي يمكن أن تؤديه الحكاية في مواجهة الروايات الرسمية وصناعة تاريخ أكثر إنسانية. هنا حوار "المجلة" معها.

أصدرت كتابك الأول "هذه ثورتي الأولى... اسرقها" وأنت في الثامنة عشرة من عمرك، موثقة احتجاجات كيشيناو عام 2009 بروح شابة عاشت الحدث بكل تفاصيله. هل يمكن أن تحدثينا عن تلك اللحظة التي قررت فيها تحويل الحدث إلى وثيقة أدبية؟

كنت في السادسة عشرة من عمري عندما شاركت في تلك الاحتجاجات. كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بأنني جزء من جماعة سياسية تتقاسم الطموح نفسه نحو الديمقراطية والحرية، وترفض ما كنا نراه انتخابات مزورة. كان والداي قد اصطحباني إلى احتجاجات سابقة عندما كنت طفلة، لكن هذه المرة خرجت بإرادتي أنا. وكنت قد حسمت بالفعل رغبتي في أن أصبح كاتبة.

أتذكر أنني نظرت حولي فرأيت عددا من الكتاب المخضرمين يشاركون في التظاهرة، وفكرت أن ما يميزني عنهم هو أن هذه كانت أول تظاهرة كبرى أخوضها، أول "ثورة" في حياتي، بينما كانوا قد شهدوا احتجاجات جماهيرية عديدة قبلها. أظن أن هذا ما منح الكتاب اهتماما واسعا داخل مولدوفا وخارجها. فقد كانت تلك الاحتجاجات لحظة تأسيسية بالنسبة إلى جيلي. صحيح أنها أفضت إلى تغيير الحكومة، لكن كثيرين من أبناء هذا الجيل، وأنا منهم، غادروا البلاد لاحقا. بعضهم لم يعد البتة، ومن بينهم أشخاص تعرضوا للتعذيب أو الاغتصاب على أيدي الشرطة. أما آخرون، مثلي، فقد عادوا بعد سنوات. ومع ذلك، كانت تلك آخر تظاهرة جماهيرية شهدت حضورا لافتا للشباب في مولدوفا. ففي الاحتجاجات الكبرى المناهضة للفساد بين عامي 2015 و2018، شارك الشباب أيضا، لكن حضور الأجيال الأكبر كان أوضح.

ذاكرة نسوية

في روايتك الأولى، "الغابات تحترق"، عدت إلى الذاكرة النسوية الثورية في بدايات الحقبة السوفياتية، هل ترين أن الصدمات التاريخية التي عاشتها النساء بطبيعتها مجزأة، بحيث لا يمكن سردها في خط زمني مستقيم؟

على العكس، كنت أرغب في كتابة رواية روسية كلاسيكية، لكن بأبطال لم يمنحهم الأدب الروسي المكانة التي يستحقونها: نساء يبدين، في أفكارهن وطموحاتهن، أشبه بالنسويات الفرنسيات في ستينات القرن العشرين، رغم أنهن دافعن عن كثير من تلك الأفكار قبل ذلك بنصف قرن. وقد اكتشفت هؤلاء النساء عندما سألت نفسي، بالتزامن مع الذكرى المئوية للثورة الروسية، عن الدور الذي لعبته المرأة في تلك الثورة. وفي بلد يقدم نفسه اليوم بوصفه حصنا للقيم المحافظة، تمثل هذه الشخصيات وجها آخر لروسيا، وجه المقاومة والنزعة التقدمية.

جدتي الكبرى عاشت طوال حياتها في القرية نفسها، لكنها وجدت نفسها مواطنة في أربع دول مختلفة، من دون أن تغادر منزلها

ورغم حضور ملامح الرواية الروسية الكلاسيكية في العمل، فإنه يظل رواية معاصرة، لأنني كاتبة معاصرة. لم يكن في إمكاني، مثلا، أن أعرف على وجه اليقين كيف كانت هاتان المرأتان تنظران إلى العلاقات العاطفية، مع أنني دهشت حين علمت أن لكلتيهما عشاقا أصغر سنا. لذلك كان علي أن أتخيل. كتبت وأنا أعلم أن الثورة التي انخرطتا فيها سرا ستنجح في البداية، وستوصلهما إلى السلطة، لكنها ستفشل في النهاية أيضا، لأنها كرست الحكم الاستبدادي والقمع، بدلا من الحرية التي بدا أنهما كانتا تطمحان إليها.

الغابات تحترق

يحمل عنوان روايتك "الغابات تحترق" دلالة بصرية ورمزية كثيفة، كيف استطعت بناء فضاء سردي يعكس هذا الاحتراق الداخلي لأحلام التحرر والأمل؟

الانشغال بحماية الغابات بوصفه قضية بيئية حاضر بالفعل في أعمال تشيخوف، وأتذكر دهشتي عندما قرأته لأول مرة، فقد بدا لي مذهلا أن كثيرا من الأفكار التي نناقشها اليوم كانت مطروحة قبل أكثر من قرن. كما أنني، في طفولتي، كنت أتأثر كثيرا بحرائق سيبيريا الهائلة التي كانت تتصدر نشرات الأخبار كل صيف. ولا أستطيع الآن أن أجزم إن كانت الاستعارة موجودة أصلا في كتابات إينيسا أرماند، أم أنني أنا من وجدتها مناسبة للتفكير في الحلول المتعارضة للمشكلات نفسها، وربما كان ذلك أيضا في حوار غير مباشر مع استعارة "الملعقة الصغيرة" التي استخدمها عاموس عوز في كتابه "كيف تعالج متعصبا".

  FRANCE PRESSE VOIR / AFP
سلاح الفرسان الروماني يعبر نهر بروت على الحدود مع مولدوفا وأوكرانيا خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941.

لكن، بعيدا من هذه الصورة المجازية، كان التوتر حاضرا بالفعل في السير الذاتية التي قرأتها، ثم أعدت تخييلها روائيا انطلاقا من حياة ألكسندرا كولونتاي وإينيسا أرماند وكتاباتهما. في الرواية تعيش المرأتان صراعا دائما بين الحياة الأسرية والعمل الخيري والطموح السياسي، وبين رغبتهما في تغيير العالم من جهة، وتشدد النظام القيصري المتزايد من جهة أخرى.

وفي حالة كولونتاي، أخذ زوجها يزداد تسلطا مع مرور الوقت. أما أرماند، فوجدت نفسها ممزقة بين زوج محب وهادئ أنجبت منه أربعة أطفال وبين شقيقه الأصغر، الذي كان لا يزال طالبا. بصراحة، لم أكن أتوقع أن أعثر على قصة كهذه في روسيا مطلع القرن العشرين.

هنا الجنة والجحيم

قارن بعض النقاد كتابك، "هنا الجنة والجحيم معا"، بكتاب "زمن مستعمل... نهاية الإنسان الأحمر"، لسفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة جائزة نوبل عام 2015. كيف تنظرين إلى هذه المقارنة؟

أحببت كتاب "زمن مستعمل" جدا. لأنه عمل استثنائي يحتفي بحياة الناس العاديين الذين عاشوا الحقبتين السوفياتية وما بعد السوفياتية بكل ما تنطويان عليه من تناقضات. وعلى مستوى شخصي بسيط، اكتشفت من خلال الكتاب شيئا يتعلق بطفولتي، فقد أدركت للمرة الأولى أن المتاجر التي كنت أذهب إليها مع أمي في التسعينات، والتي كانت تعرف باسم "غومانيتاركا"، لم تكن سوى متاجر تبيع الملابس المستعملة القادمة ضمن المساعدات الإنسانية. كنت أظن أن هذا هو الاسم الطبيعي لمتاجر الملابس.

أما كتابي، فهو أقرب في بنيته إلى الرواية، وأكثر ذاتية، ويتضمن عناصر تخييلية إلى جانب الشهادات الواقعية. في الحقيقة، لم تكن أليكسييفيتش وحدها مصدر إلهامي، فقد تأثرت برايتشل كاسك، التي جعلت الراوية في ثلاثية "خطوط عريضة" لا تتمحور حول ذاتها، بل تنصت إلى الآخرين وتتيح لهم أن يرووا حكاياتهم. كما ألهمني غابرييل غارثيا ماركيز في قدرته على رواية تاريخ أمة كاملة عبر أجيال متعاقبة داخل قرية واحدة.

أنا أيضا بدأت من قرية أجدادي، ثم وسعت جغرافيا الكتاب لتشمل مولدوفا كلها، بعدما قادتني أبحاثي إلى قصص إنسانية مدهشة تستحق أن تروى. لكن الاختلاف لا يقتصر على الشكل.

جدتي الكبرى عاشت طوال حياتها في القرية نفسها، لكنها وجدت نفسها مواطنة في أربع دول مختلفة، من دون أن تغادر منزلها

فكتابي يقدم تاريخ مولدوفا ما قبل الحقبة السوفياتية، بينما يركز "زمن مستعمل" على التجربة السوفياتية وما بعدها. ومولدوفا من البلدان الأوروبية القليلة التي شهدت خلال القرن العشرين تقلبات تاريخية هائلة. ولعل خير مثل على ذلك أن جدتي الكبرى عاشت طوال حياتها في القرية نفسها، لكنها وجدت نفسها مواطنة في أربع دول مختلفة، من دون أن تغادر منزلها.

كيف يربط الكتاب بين تعاقب الهيمنة الروسية القيصرية، ثم السوفياتية، ثم الرومانية، وبين الحاضر الذي تلقي عليه الحرب في أوكرانيا بظلالها، ليقدم صورة حية لتحولات قرن كامل؟

ما شعر به كثيرون منا في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2022 هو أن حكايات أجدادنا وكتب التاريخ التي درسناها تحولت فجأة إلى أخبار عاجلة. فعندما ادعت روسيا أنها حررت المناطق التي احتلتها في شرق أوكرانيا، استحضر ذلك لدى كثيرين منا الخطاب السوفياتي الذي تحدث عن "تحرير" مولدوفا خلال الحرب العالمية الثانية.

قسمت الكتاب أربعة أجزاء. يتناول الجزء الأول أحداث النصف الأول من القرن العشرين، بينما يخصص الجزء الثاني لمذكرات جدتي التي تركز على الحقبة السوفياتية. أما الجزء الثالث، فأستكمل فيه مذكراتها بإضافاتي الشخصية، في حين يتناول الجزء الرابع سقوط الإمبراطورية السوفياتية، وحركة التحرر الوطني، ومرحلة الاستقلال بما حملته من تحديات.

ورغم هذا التسلسل الزمني، فإن بنية الكتاب ليست خطية تماما، بل تتحرك في دوائر متداخلة، لأن قصص العائلات تمتد بطبيعتها عبر عصور وأنظمة سياسية مختلفة.

هنا الجنة والجحيم معًا

لوسيا الغزية

أضفت في الطبعة الثانية من كتاب "هنا الجنة والجحيم معا" قصة لوسيا إليكر، وهي امرأة مولدوفية عاشت في غزة عشرين عاما وشهدت الحرب الدائرة هناك. كيف وصلت إليك قصتها؟ وكيف تتقاطع مأساتها مع التاريخ الطويل للنزوح والتحولات الذي يوثقه الكتاب؟

أخبرني صديق يعمل في مركز مجتمعي في مولدوفا بوجود عدد من العائلات القادمة من غزة، وكان من بينهم لوسيا، فأعطاني وسيلة التواصل معها. ذهبت إلى شقتها وأجريت معها مقابلة. كانت قد تمكنت من مغادرة غزة خلال الشهر الأول من الحرب الأخيرة 2023، لكنها عايشت بالفعل بدايات المجاعة، أما منزلها في غزة فقد دمر بالكامل.

 Eyad Baba / AFP
أطفال يصطفون للحصول على وجبات من مطبخ خيري في مخيم المغازي وسط قطاع غزة.

تعرفت لوسيا إليكر الى زوجها في العقد الأول من الألفية، عندما كان طالبا في مولدوفا. ورأيت أن من المهم تضمين قصتها، لأنني اكتشفت أيضا أن بعض اليهود الذين تحدثت إليهم لديهم أبناء أو أحفاد يخدمون في الجيش الإسرائيلي. وكما قال أحد قراء الكتاب "لم يكن أي شعب، عبر التاريخ، ضحية فقط أو جلادا فقط". كما لفتت انتباهي أوجه الشبه بين تاريخ منطقتنا وما يحدث اليوم، ومنها المقارنة بين المجاعة في غزة، التي فرضتها الحرب والحصار على المساعدات الإنسانية، وبين المجاعة التي تسبب بها النظام السوفياتي عمدا في مولدوفا بين عامي 1946 و1947.

من "الغابات تحترق" إلى "هنا الجنة والجحيم معا"، يمتد خيط وجداني يربط بين مذابح الماضي، والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، والحرب في غزة. كيف ترين صدى أصوات النساء والثوار في القرن الماضي داخل المآسي الإنسانية الراهنة؟

قالت لي الكاتبة الأوكرانية أوكسانا زابوجكو، في أمسية باردة ومعتمة في كييف، قبيل بدء حظر التجول، إن الانتصار يعني أن تبقى على قيد الحياة، وأن نروي قصتنا. وقد جعلت هذه العبارة إحدى العتبات التي يفتتح بها كتابي الأخير. ورغم الرقابة السوفياتية، كانت جدتي تعرف التاريخ الحقيقي لأهل قريتها من خلال والدتها، التي كانت راوية بارعة. ثم نقلت هذه الحكايات إلى أمي، ومنها وصلت إلي. وهكذا كان لقائي الأول بالتاريخ.

حفظت الحقيقة أولا عبر الحكاية الشفوية، ثم عبر الكلمة المكتوبة، حتى وإن كانت روسيا تحاول اليوم، مرة أخرى، فرض روايتها الخاصة وهيمنتها بالقوة.

لفتت انتباهي أوجه الشبه بين تاريخ منطقتنا وما يحدث اليوم، ومنها المجاعة في غزة والمجاعة التي تسبب بها النظام السوفياتي

وأعتقد أننا إذا ركزنا على تجاربنا الحياتية الفعلية، وعلى مجتمعاتنا المحلية، وأصغينا إلى قصص بعضنا بعضا، فقد نصبح أقدر على مواجهة الدعاية التي تسعى إلى تقسيمنا وإملاء هويتنا علينا. كان من المهم ألا أقدم الأشخاص الذين حاورتهم بوصفهم ضحايا سلبيين، بل أن أبرز أيضا قدرتهم على الفعل، وصمودهم، وإصرارهم على مواصلة الحياة، بل والازدهار رغم كل الصعاب. وآمل أن يمنح ذلك القراء شيئا من القوة. وربما يكون الشيء الإيجابي الوحيد الذي تخلفه الحروب هو أنها تدفع الناس في أنحاء العالم إلى التعرف إلى أماكن لم يكونوا يعرفون عنها شيئا من قبل. لكن ثمن هذه المعرفة، في النهاية، باهظ للغاية.

font change

مقالات ذات صلة