"فصائل الظل" العراقية... ما هي؟ لماذا شكّلها "الحرس" الإيراني؟

لا يوجد على أرض الواقع تأسيس حقيقي لميليشيات جديدة، بل هي مجرد عناوين ولافتات إعلامية تستخدمها الفصائل المعروفة لتنفيذ هجمات تتجاوز الحدود

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عنصر أمن عراقي يقف حارسا على الحدود العراقية- السعودية في 2 سبتمبر 2025

"فصائل الظل" العراقية... ما هي؟ لماذا شكّلها "الحرس" الإيراني؟

شهد العراق مؤخراً تشكيل عدة فصائل مسلحة بتسميات جديدة، لا تنضوي تحت مظلة "هيئة الحشد الشعبي" الحكومية، وتفتقر إلى قيادة واضحة أو معروفة لدى الحكومة والجهات الرسمية الأخرى، قامت باستهداف دول الخليج والأردن، بدعم مباشر من قبل "الحرس الثوري" الإيراني.

ظهرت هذه الفصائل على مراحل متتالية بدءاً من 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى الآن. وخلال العام الحالي، برز فصيلان جديدان هما: "رجال البأس الشديد" الذي استهدف الأردن، و"جيش الغضب" الذي وجه ضرباته نحو إقليم كردستان، فضلاً عن تجدد نشاط "سرايا أولياء الدم" التي كان دورها محدوداً قبل هذا العام.

وفي هذا السياق، صرح الناطق العسكري لـ"سرايا أولياء الدم"، أبو مهدي الجعفري، قائلاً: "لسنا فصيلاً تابعاً لأي جهة أو عنوان آخر، ولسنا واجهة لأي طرف، ولا نأتمر إلا بما يمليه علينا تكليفنا الشرعي والوطني والإنساني".

وتأتي هذه التطورات عقب حملة الضربات الأميركية التي استهدفت مقرات "هيئة الحشد الشعبي"، وهي المؤسسة الحكومية التي تشكلت عام 2014 لقتال تنظيم "داعش" وانضوت تحتها فصائل مسلحة متنوعة. وعلى أثر ذلك، طُبقت استراتيجية جديدة تُعزى إلى إيران، تعتمد على تشكيل واجهات مسلحة بأسماء مستحدثة تديرها الفصائل المعروفة، وذلك لـ"تجنب إحراج" الحكومة العراقية سياسياً ودبلوماسياً.

العناوين الجديدة للفصائل، تعطي "مرونة عالية" لتنفيذ هجمات نوعية تتجاوز الحدود، دون توريط الفصائل الأم في حرب شاملة

الاستراتيجية الجديدة هي التهرب من المسؤولية، لأن بعض الفصائل تمتلك أجنحة سياسية واقتصادية، والقيام بعمل باسمها الصريح، قد يهدد مكاسبها السياسية والمالية، بالإضافة إلى أن إعلان العمليات بأسماء جديدة ومجهولة الهيكلية يهدف إلى تشتيت الانتباه، مما يصعّب على القوات الأميركية توجيه ضربات انتقامية مباشرة.

أ.ف.ب
تشييع عناصرمن "الحشد الشعبي" قُتلوا في ديالى بوسط العراق جراء غارات في 29 يوليو 2026

وقد تظهر خلال الأيام المقبلة، فصائل بعناوين جديدة، من أجل التهرب من خطة الحكومة العراقية لتفكيك الفصائل وحصر السلاح بيدها. تتيح هذه الواجهات الجديدة للفصائل الرافضة للاندماج أو التي سلمت السلاح، الاستمرار في عملياتها العسكرية بحرية، دون الدخول في صدام مباشر ومكشوف مع الأجهزة الأمنية، خصوصا أنه حتى الآن يتمثل برنامج تسليم الفصائل لسلاحها في ربطها بالدولة فقط، دون أي تسليم حقيقي للأسلحة الثقيلة، إذ يمكن لهذه العناصر العمل داخل الفصائل والدولة معا.

كما أن العناوين الجديدة للفصائل، تعطي "مرونة عالية" لتنفيذ هجمات نوعية تتجاوز الحدود، دون توريط الفصائل الأم في حرب شاملة، وهذا ما يحصل حاليا، إذ نفى "تحالف المقاومة الإسلامية في العراق"، توجيه أي هجمات على دول الخليج خلال الفترة الماضية.

الدولة العراقية تقف عاجزة تماماً عن مواجهة الفصائل الجديدة بسبب غياب القرار السياسي الداعم، إدراكاً من الجميع بأن أي مواجهة مسلحة ستكون بمثابة شرارة لحرب أهلية شيعية-شيعية

وتسعى الفصائل العاملة تحت هذه العناوين الجديدة، بتوجيه من إيران، إلى توسيع دائرة استهدافها لتشمل دول الخليج. وتأتي هذه التحركات ضمن سياسة مشاغلة القوات الأميركية داخل الساحة العراقية، لتحويلها إلى ورقة ضغط ضمن مسارات التفاوض الأميركية-الإيرانية لتسوية ملفات الصراع. وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن إيران قد ورطت العراق بشكل رسمي، لا سيما مع إعلانها عدم استهداف السعودية، في وقت سقط فيه أربعة مستشارين إيرانيين إثر ضربات أميركية-سعودية داخل الأراضي العراقية.

الساحة العراقية

وفي تصريح خاص لـ"المجلة"، كشف مسؤول عراقي رفيع المستوى (فضل عدم الكشف عن هويته) أن "إيران والولايات المتحدة قد جرّتا العراق إلى ساحة حرب مفتوحة، مع رغبة واضحة في جر دول الخليج إليها أيضاً، انطلاقاً من قناعة مفادها أن توسيع نطاق المواجهة قد يعجل بإنهائها".

وشدد المسؤول على أنه لا يوجد على أرض الواقع تأسيس حقيقي لفصائل جديدة، بل هي مجرد عناوين ولافتات إعلامية تستخدمها الفصائل المعروفة لتبني الهجمات بعيداً عن أسمائها الحقيقية.

رويترز
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين إيران والعراق، في طهران في 23 يوليو 2026

وأوضح أن بعض الفصائل البارزة التي لم تنخرط ظاهرياً في التصعيد الحالي وتحظى بنفوذ واسع داخل الدولة، تستخدم أسماءها الصريحة داخلياً لتسهيل عمليات التنقل والاختفاء، في حين تصدر بيانات العمليات بأسماء تلك الواجهات الوهمية.

وأضاف المسؤول أن الهدف من هذه الازدواجية ينقسم إلى شقين مترابطين، يتمثل الأول في حماية القوى السياسية النافذة التي تمتلك أجنحة عسكرية وانخرطت في العمل السياسي منذ سنوات وتجمعها مصالح مع أميركا، حيث تقوم هذه القوى وبتوجيه إيراني باستخدام العناوين الجديدة لتوجيه ضربات مباشرة دون تعريض واجهاتها السياسية للخطر. بينما يتجسد الشق الثاني في سعي إيران الفعلي لتشكيل مجاميع وفصائل جديدة، تحسباً لأي تمرد محتمل من قبل الفصائل القديمة، أو امتناعها عن تنفيذ واجباتها خوفاً من تبعات الضغط الأميركي.

عجز الدولة

وأكد المصدر بوضوح أن "عملية اختلاق هذه الفصائل الجديدة مُشخّصة ومرصودة بدقة لدى الدولة العراقية، إلا أنها تقف عاجزة تماماً عن مواجهتها بسبب غياب القرار السياسي الداعم، إدراكاً من الجميع بأن أي مواجهة مسلحة ستكون بمثابة شرارة لحرب أهلية شيعية-شيعية".

على الحكومة العراقية التصرف بحكمة وحزم لمنع استخدام العراق لضرب دول الجوار، وفي الوقت نفسه على الحكومة أن ترفض تكرار القصف وتفتح حوارا مباشرا مع الرياض لاحتواء الأزمة

وأشار إلى أن هناك قوى سياسية داخلية تعتاش وتستفيد من حالة الفوضى الحالية، وتدرك أن حسم ملف الفصائل سيعني تلقائياً نهاية تأثيرها السياسي والمالي.

وبيّن أن مسألة تسليم الفصائل لسلاحها أصبحت فكرة من الماضي، حتى في حال انسحاب "التحالف الدولي"، فالإرادة الإيرانية ترفض هذا التوجه قطعياً، لا سيما في ظل امتلاك هذه الفصائل لأسلحة استراتيجية قادرة على استهداف الدول المجاورة والتأثير فيها.

وتبلّغت بغداد منتصف الشهر الحالي، بأدلة على تورط العراق في استهداف دول الخليج، وبأنه أصبح مكانا يهدد جيرانه. وحسب المعطيات، فإن عددا كبيرا من "الحرس الثوري" الإيراني، يوجد في العراق، لتنسيق العمليات العسكرية مع الفصائل، ضمن وحدة الساحات، وتقف الحكومة عاجزة عن التحرك لمواجهتهم، بسبب النفوذ الكبير الذي يمتلكونه داخل مؤسسات الدولة، خصوصا أن الحكومة ترغب في إنهاء ملف الفصائل بعد يوم 30 سبتمبر/أيلول المقبل، عبر حلها.

رويترز
عناصر ميليشيا "حزب الله العراقي" في تشييع لقتلى غارة جوية استهدفت مقرا لـ "الحشد الشعبي" غربي البلاد على الحدود السورية، في بغداد، العراق، 2 مارس 2026

من جهة أخرى، قال الباحث في مؤسسة "تشاثام هاوس" البريطانية حيدر الشاكري، لـ"المجلة"، إن تعدد التسميات هذا يمنح الفصائل مرونة سياسية وأمنية، فقد تعمل رسمياً من خلال لواء مسجل ضمن "الحشد الشعبي" ويحصل على موارد وغطاء من الدولة، وفي الوقت نفسه تدعم مجموعات بأسماء منفصلة لتنفيذ أنشطة أكثر حساسية أو خارج الإطار الرسمي.

وأضاف أنه عندما تخدم هذه الأنشطة مصالحها قد تتبناها أو تدعمها، لكنها تستطيع التنصل منها عندما ترتفع كلفتها السياسية أو القانونية، مما يصعّب تحديد المسؤولية والمساءلة، وهذا النمط لا يقتصر على الفصائل الصغيرة بل حتى يظهر بدرجات مختلفة لدى قوى كبيرة ولها ثقلها السياسي.

وقد أوضح الشاكري، أن الفترة الحالية حساسة جداً، لأن الضربات الأخيرة استهدفت فصائل وأيضاً مقرا لـ"الحشد الشعبي" وهو مؤسسة أمنية عراقية، ضمن استهداف فصائل محددة، مشيرا إلى أن "على الحكومة العراقية التصرف بحكمة وحزم لمنع استخدام العراق لضرب دول الجوار، وفي الوقت نفسه ترفض تكرار القصف وتفتح حوارا مباشرا مع الرياض لاحتواء الأزمة".

نقطة الانطلاق

من جهة أخرى، قال الخبير الأمني، سرمد البياتي، إن "مدى المسيرات الإيرانية عالٍ، حيث تصل إلى أكثر من 2000 كيلومتر، خاصة من طراز (شاهد)، ويمكن إطلاقها من داخل إيران وإدخالها إلى العراق لأنها تستطيع الهروب من الرادارات العراقية، وبعدها يمكن توجيهها إلى دول الخليج".

تعرضت الرادارات العراقية في جنوب العراق للاستهداف بالمسيرات، خلال الفترة الماضية، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة، وجاء هذا الاستهداف من قبل مجاميع مجهولة، خلال الحرب بين أميركا وإيران

وقد تعرضت الرادارات العراقية في جنوب العراق إلى الاستهداف بالمسيرات، خلال الفترة الماضية، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة، وجاء هذا الاستهداف من قبل مجاميع مجهولة، وذلك خلال فترة الحرب بين أميركا وإيران.

وأضاف البياتي أنه يجب التركيز على نقطة الانطلاق للمسيرات وليس على مسارها، موضحا أن العراق يمتلك صحارى كبيرة جدا، ومن الممكن استخدامها لإطلاق المسيرات أيضا.

وكانت القوات الإسرائيلية قد أنشأت قاعدة عسكرية لتقديم الدعم اللوجسيتي قبل اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران، في محافظة الأنبار، دون علم الحكومة العراقية. لذلك فالقوات العراقية غير مسيطرة على الصحراء، التي من الممكن استخدامها من قبل إيران أيضا، إذ تعتبر منطقة جرف الصخر قاعدة عسكرية.

وقال الخبير الأمني مخلد حازم، إن ايران زرعت خلايا ظل داخل العراق، دون علم "هيئة الحشد الشعبي" وتتحرك بحرية مما أدى إلى إرباك الساحة الأمنية، مشيرا إلى أن هذا ليس من مصلحة العراق بالرغم من أن رئيس الحكومة علي الزيدي يعمل على إعادة ثقة دول الجوار بالعراق.

وفي المحصلة النهائية، إن طي ملف الفصائل المسلحة في العراق ليس هدفاً قابلاً للتحقق في السنوات الحالية، بل هو معضلة جيوسياسية تتجاوز قدرة الحكومة العراقية التي لا تمتلك أي سيطرة فعلية على الفصائل الرئيسة وهي "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"سيد الشهداء" و"أنصار الله الأولياء".

لذلك، فإن تسوية ملف هذه الفصائل ليس عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية مع مؤسسات الدولة الإيرانية الرسمية لأنه سيظل قاصراً ومفرغاً من محتواه، لسبب جوهري يتمثل في أن ملف الفصائل العراقية برمته يخضع للإدارة والسيطرة الحصرية لـ"الحرس الثوري" الإيراني.

font change

مقالات ذات صلة