منذ السطور الأولى، لا تبدو رواية "بخلاف ما سبق" للكاتب المصري عزت القمحاوي (دار "المصرية اللبنانية"، 2026) واعدة بالكثير، بل ربما كانت بالنسبة لمن قرأ رواية "ما رآه سامي يعقوب" الصادرة قبلها بنحو سبع سنوات للكاتب نفسه، مجرد استكمال لحكاية قديمة، ولكن المفاجأة أن الرواية تنتقل بصاحبها وقارئها الى مسافات ومساحات أبعد تتجاوز الحكايات لتتوقف عند التأمل ومساءلة تجارب الإنسان على اختلافها بين المدينة والريف حينا، وبين صراعات أهل السلطة والمال والبسطاء والمهمشين حينا آخر، وهي بين كل ذلك تعرض المواقف بشكل حيادي وتجعل القارئ شريكا لتلك التفاصيل وتضعه بين المشكلات دون أن تقدم حلولا سحرية أو جاهزة.
تحكي الرواية رحلة انتقال سامي يعقوب بعد فترة حبس اختياري قضاها في بيته بالقاهرة، بعد التجربة المؤلمة التي تعرض لها حينما استوقفه رجال الأمن لتفتيش جهازه المحمول، وتداعت أمامه ذكريات ما مر به من تجارب مع والده وأخيه الذي مات في أحداث ثورة 2011. يترك سامي كل ذلك وراء ظهره ويذهب إلى تل المساخيط، إلى فيلا جده هناك ليعيش تجربة أخرى يأمل أن تكون مختلفة عن حياته في المدينة، ولكنه يكتشف هناك مشكلات أخرى بل وكوارث تحدق به غير عابئة.
"من يترك هذه الجنة؟"، كان هو السؤال الأول الذي دار في ذهن سامي يعقوب بعد تعرفه الأول الى المكان، وكان ذلك إحساسه الأول كذلك حيث مثل له الابتعاد عن صخب المدينة وعالمها بكل ما يحويه من قلق وتشوش فرصة لاستعادة الحياة من جديد. ولعل بيئة الريف والاقتراب من عوالم الجياة البدائية هناك بل ومشاركة الحيوانات في تفاصيل حياتها، منحته ذلك الشعور، ولعل ذلك هو سؤال الرواية الأول الذي يتسرب أيضا إلى وعي القارئ بكل هدوء وبساطة، هل يمكن أن تكون الحياة فعلا في مكان آخر؟
التفاصيل كوسيلة نجاة
ما الذي كان يعاني منه سامي يعقوب في مدينته بالقاهرة؟ هل كانت مشكلته الأساس ضياع الحلم والثورة، أم "القلق" الذي أصبح هاجسا مؤرقا خصوصا بعد تعرضه للتفتيش من أجهزة الأمن، وشعوره أن حياته في خطر؟ أم أن للأمر علاقة بحبيبته فريدة التي يسعى للزواج بها ويجد الطريق إليها على قدر من الصعوبة؟
كل ذلك، بل وربما أكثر، حملته شخصية سامي يعقوب في الرواية الأولى، واستطاع أن يتخلص منه تدريجيا بمجرد تغيير المكان والانتقال إلى عالم الريف بكل ما يمنحه من أمل ووعود وصفاء. تبدو شخصية البطل وقد تغيرت هناك كليا، إلا أن القارئ سرعان ما يكتشف أن ذلك البطل يستبدل القلق والحيرة بقدر من التأمل والمواجهة، حتى أنه يتمكن من الزواج بحبيبته وإحضار ابنتيها ووالدها لكي يعيشوا معا في تلك السرايا/ الفيلا التي تبدو كالجنة الموعودة.


