عادل عصمت لـ"المجلة": لو عرفت رسالة الكتابة لما كتبت شيئا

حاز جائزة كفافيس للأدب

Adel Essmat- facebook
Adel Essmat- facebook

عادل عصمت لـ"المجلة": لو عرفت رسالة الكتابة لما كتبت شيئا

يعد عادل عصمت من أبرز الروائيين المصريين المعاصرين، إذ أثرى المشهد الأدبي بعدد من الأعمال المتميزة، من أبرزها "أيام النوافذ الزرقاء" التي نالت جائزة الدولة التشجيعية في الرواية عام 2011، كما حصدت روايته "حكايات يوسف تادرس" جائزة نجيب محفوظ للأدب، التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة، عام 2016. ووصلت رواية "الوصايا" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2019، قبل أن تفوز بجائزة ساويرس الثقافية لأفضل رواية في فرع كبار الكتاب عام 2020. إلى جانب إنتاجه الروائي، أصدر المجموعة القصصية "أيام عادية".

تأثر عادل عصمت بالتجربة الإنسانية والفكرية للأديب نجيب محفوظ، وهذا ما انعكس بوضوح في مشروعه السردي الذي يجمع بين الرؤية الفلسفية العميقة والأسلوب السلس والبناء الروائي المتماسك. فمنذ صدور روايته الأولى، "هاجس موت" عام 1995، انشغل بتناول قضايا الهوية والذاكرة والمكان، إلى جانب رصد التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع المصري، مقدما ذلك بلغة هادئة ورؤية إنسانية أكسبت أعماله تقديرا نقديا وجماهيريا داخل مصر وخارجها. وقد ترجمت رواياته إلى عدد من اللغات، وتوجت مسيرته الأدبية أخيرا بفوزه بجائزة كفافيس لعام 2026. هنا حوار معه.

بداية، كيف تنظر إلى الكتابة ودورها؟

الكتابة هي أداة تستخدم لفهم الخبرة البشرية، يستخدمها الكاتب لكي يعيد تشكيل خبرته وانطباعه عن الحياة، محاولا بناء تصور معقول من هلام فوضى الحوادث التي عاشها. ولا أظن الكتابة موازية للحياة، بل هي جزء من حياة المرء، أداته في الفهم والتبصر، وإذا كنا نفرق بين ما يعيشه الكاتب وما يكتبه، فذلك من أجل الفهم فقط، لكنهما كل واحد، فما يعيشه الكاتب يعاد إنتاجه في كتابته، وكتابته تعيد تشكيل رؤيته لحياته.

جائزة كفافيس

حصلت أخيرا على جائزة قسطنطين كفافيس الدولية في الأدب استنادا إلى مشروع سردي وصف بأنه "متكامل وممتد زمنيا". هل ترى بالفعل أن أعمالك تشكل مشروعا روائيا واحدا؟ وكيف استقبلت خبر الفوز بالجائزة؟

هذا التوصيف يسعد أي كاتب في طبيعة الحال، ولقد سعدت جدا بهذه الجائزة التي كانت مفاجأة غير متوقعة وكان من أسباب السرور أنها جائزة شرفية تنظر إلى تجربة الكاتب ككل لا إلى عمل محدد. أما بالنسبة إلى فكرة "المشروع"، فقد بدأت الكتابة من نقطة غامضة، في البداية كنت أريد أن أكتب القصص التي عشتها ورأيت أنه من الضروري كتابتها كما فعلت في رواية "الوصايا".

لا يقول الكاتب إنه سيكتب شخصية محلية أو إنسانية، إنه يستغرق فقط في عالم شخصياته ويعايش رحلتها وتفاصيل حياتها

 وعليه، أظن أن ما يطلق عليه "المشروع" لم يكن حاضرا منذ البداية، بل تشكل عبر الرحلة، رواية بعد رواية، وكتابا بعد مجموعة قصصية، ورأيت مثل غيري من المتابعين كيف يتشكل العالم الروائي ويعطي صورته التي كانت في البداية غامضة جدا. إن التجربة هي التي تقودك وليس تصورتك المسبق عما تريد أن تنجزه.

أشادت لجنة الجائزة بقدرة أعمالك على التعبير عن خصوصية التجربة الإنسانية المصرية في سياقها الاجتماعي والثقافي. كيف توفق بين المحلية والبعد الإنساني الذي يجعل الرواية قابلة للتفاعل مع قراء من ثقافات مختلفة؟

لا يقول الكاتب إنه سيكتب شخصية محلية أو إنسانية، إنه يستغرق فقط في عالم شخصياته ويعايش رحلتها وتفاصيل حياتها، وكلما كان قادرا على التعمق أكثر في هذه الشخصية، فإنه يصل إلى الجذور الإنسانية المشتركة بينها وبين غيرها من البشر، ففي أعماق كل إنسان -في الروايات أو في الواقع- يكمن جوهر الإنسان في كل مكان، أسئلته وحيرته ومعاناته وآماله. لا تستطيع أن تفرق حقيقة بين المحلي والإنساني في أي شخصية، إنهما نسيج مترابط.

تحمل جائزة كفافيس بعدا إنسانيا ومتوسطيا. ما الذي يعنيه لك هذا البعد، وكيف تجد صلته بعالمك الروائي؟

أن يقال للكاتب إن كتابتك تحمل بعدا إنسانيا، فهذا أمر عظيم بالتأكيد، وهو يعني الكثير بالنسبة له، لكنني في النهاية أفكر في ذلك على أنه رأي تقع مسؤوليته على قائله. بالنسبة لي كان يكفيني أن تحمل الجائزة اسم قسطنطين كفافيس، الذي طالما أحببت قصائده في صباي، وأرى أشعاره الصافية نموذجا للتجربة التي تتخطى اللغة التي كتبت بها، ويمكن أن تكون مؤثرة إذا نطقت –هذه التجربة- بأي لغة أخرى. لقد عايشت قصائده طويلا في كتاب صغير أظن كان عنوانه "أصوات من الشعر اليوناني" حسب ما أذكر، من ترجمة الدكتور نعيم عطية من سلسلة "المكتبة الثقافية" التي كانت تصدرها هيئة الكتاب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

غلاف "في نهاية الزمان"

المكان والزمان

حدثنا عن روايتك الأخيرة "في نهاية الزمان"؟ ولماذا اخترت أن تجعل المكان البطل الحقيقي في الرواية؟

هل تظن أن المكان هو البطل الحقيقي لهذا العمل؟ في ظني أن الزمان هو الأساس الدرامي للرواية، ودعني أقول إنني لا أفرق كثيرا بين المكان والزمان، فهما بعدان لخبرة الإنسان، لا يمكن الاستغناء عن أي منهما لمعايشة حياته، وأحتار طويلا أمام مصطلح "رواية المكان"، لا أعرف كيف أفهمه ولا ماذا يعني، المكان هو ناسه والناس الذين عاشوا في مكان معين، تأثروا به وصاغوه في الوقت نفسه.

ما الذي تمثله قرية نخطاي بالنسبة لك؟ وهل لها جذور في الواقع أم أنها نتاج الخيال بالكامل؟

نخطاي تمثل الصيغة الروائية لمكان خيالي تمكنت من صوغه لكي أعيد إنشاء خبرتي ببلدتي في وسط الدلتا. لولا هذا الفكرة التي خطرت لي عند كتابة رواية "الوصايا" لما تمكنت من صوغ تجربتي بحرية عن بلدتي.

أحتار طويلا أمام مصطلح "رواية المكان"، لا أعرف كيف أفهمه ولا ماذا يعني

 القيود التي يفرضها عليك المكان الحقيقي والروابط العائلية والشخصية التي تربطك بناسه، لا تمكنك من صوغ انطباعك بحرية، وعندما تحررت من المكان الحقيقي واستبدلته بهذا المكان الخيالي جاءت التجربة حرة وكأنني أعيشها من جديد في ضوء آخر.

غلاف "الوصايا"

ما الدافع وراء جعل الشخصيات عابرة ومتبدلة بدلا من التركيز على شخصية رئيسة واحدة؟

هناك روايات يستدعي منطق كتابتها شخصية مركزية مثل رواية "الوصايا" التي يشكل الشيخ عبد الرحمن سليم مركزها، لكن هناك روايات بحكم قانونها تضع الشخصيات كلها في مقام واحد، دون التركيز علي أي منها، لأن الطموح الروائي هو أن أعبر عن مناخ وأجواء هذه البلدة، وتبدل الزمن الذي مر في هذا المكان.، بحسب هذا الهدف، أخذت الشخصيات قيمة متساوية وإن كان الأمر لا يخلو من المركز. أظن أن حكاية سامي العفيفي في رواية "في نهاية الزمان"، تشكل نقطة ارتكاز لهذه الرواية، وإن كانت نقطة ارتكاز هشة.

الرسالة

كل شخصية في الرواية مثل نفيسة وعائلتها، وبنت الخال، وسامي العفيفي، وغيرها يبدو أنها تمثل جانبا من الحياة الإنسانية، كيف قمت ببناء هذا التنوع في الشخصيات؟

في رواية "الوصايا" كان الإطار العام هو أسرة مصرية في الريف تحاول أن تتماسك أمام كارثة نزع أرضها في ثلاثينات القرن العشرين، أما في رواية "جنازة السيدة البيضاء" فكان تاريخ عائلة الأبيض، الموغل في القدم،، هو خلفية لحوادث حياة وموت نعمة الأبيض بطلة الرواية. وعندما فكرت في كتابة "في نهاية الزمان" كنت أطمح أن يكون فضاء تلك البلدة –بلدة نعمة الأبيض والشيخ عبد الرحمن سليم- هو الموضوع، وكانت المشكلة هي كيف يمكن أن تتآلف شخصيات العمل في كل متسق. كان من الضروري إيجاد بناء أكثر اتساعا من بناء الروايتين السابقتين، بناء يشبه قطع الموزاييك يعطي كل شخصية حقها ،وفي الوقت نفسه يشكل الفضاء العام الذي تعيش فيه هذه البلدة.

ما الرسالة التي أردت إيصالها من خلال تناولك قضايا الهوية والانتماء؟

لو عرفت رسالة الكتابة منذ البداية لما كتبت شيئا. لقد كان الأمر ولا يزال محاولة لفهم الرسالة ومعناها، محاولة لفهم ماذا يعني الانتماء وماذا يعني الانفصال. أظن أن قصة القاضي موسى السماحي في رواية "في نهاية الزمان" مثل على ذلك، فقصة انتمائه وانفصاله عن أهل بلدته محاولة في فهم موضوع الهوية.

 Mohamed el-Shahed / AFP
مزارع مصري يرش مبيدات على حقل قمح في محافظة المنوفية بدلتا النيل

كثيرا ما تتناول أعمالك تفاصيل الحياة اليومية وتحولات الإنسان البسيط. ما الذي يجعلك تؤمن بأن التفاصيل الصغيرة قادرة على التعبير عن القضايا الكبرى؟

لأن التفاصيل الصغيرة تجسد معنى القضايا الكبيرة، فمعنى الحرب يتجسد في فقد أم لابنها، والخلاء الذي يتركه في البيت هو المعنى الأساس للحرب بالنسبة لأرملة تعيش في طنطا كما في رواية "أيام النوافذ الزرقاء".

التفاصيل الصغيرة تجسد معنى القضايا الكبيرة، فمعنى الحرب يتجسد في فقد أم لابنها، والخلاء الذي يتركه في البيت هو المعنى الأساس للحرب

تريده في رواية "في نهاية الزمان" وهكذا. القضايا الكبرى يمكن التأمل فيها بشكل مجرد في الأعمال الفكرية، أما الروايات التي تعتمد على التجربة العينية المباشرة للناس فلا مجال فيها إلا للتفاصيل الصغيرة.

أيهما يشغل اهتمامك أولا أثناء الكتابة: الفكرة أم الجماليات الفنية للنص؟

ليس هناك فرق كبير بين الفكرة وبناء النص.  الفكرة عندما تظهر للكاتب فإنها تكون مثل عجينة بلا ملامح، عليه أن يجسدها في قالب وبناء وشخصيات، حتى تتحول إلى كائن حي له حياته الخاصة. الفكرة مجرد حالة غامضة، لا تتجسد إلا عبر البناء والجماليات.

بعد "الرجل العاري"، و"أيام النوافذ الزرقاء"، و"حياة مستقرة"، و"هاجس موت"، و"حكايات يوسف تادرس "و"صوت الغراب" و "الوصايا"، و"مخاوف نهاية العمر" و "أيام عادية "، هل تجد أنك وصلت إلى لحظة التشبع من السرد؟

نعم هذا صحيح، في بعض الأحيان يخيل إل] أنني كتبت القصص التي أريد كتابتها، ولم يعد هناك إلا بعض المشاهد والانطباعات والتأملات، لكنك لا تعرف متى تأتي فكرة من العدم، أو من خلال شخصية لم تكن تأملت فيها التأمل الكافي وتفرض نفسها عليك وتجبرك على متابعتها.

 AFP
نجيب محفوظ في مقهاه المفضل بالقاهرة يوم إعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1988

انعكس تأثير نجيب محفوظ على تجربتك الإنسانية والإبداعية بوضوح، حتى إنك وصفت علاقتك به، بعد فوزك بجائزة الجامعة الأميركية عام 2016، بقولك: "أصبحت صديقا لنجيب محفوظ رغم أنني لم أقابله قط". ما الذي حال دون هذا اللقاء؟ وهل كنت تتطلع إلى أن تجمعكما مواجهة مباشرة؟

اكتفيت بمعايشتي لأعماله وشعرت بالرضا عن ذلك، بل ظننت أن أعماله وحياته لا تزال في حاجة للتأمل والمعرفة، وخيل إلي أنني يمكن أن أعرفه معرفة وثيقة من خلال أعماله أكثر من اللقاء المباشر، وهذا ما حدث، ما من مرة قرأت فيها أعماله إلا وراقبت كيف يعمل ذهنه الصافي ويشكل قصصه، وفي كل لقاء على صفحات كتبه ألتقيه، وأنصت إلى صوته.

لم ألتق نجيب محفوظ شخصيا، لكن ذلك انقلب إلى علاقة أكثر عمقا، إلى تأمل دائم في أعماله

 إنه معلم كبير، ساعدتني صداقته في حل كثير من المشاكل الفنية وتخطي بعض مزالق الحياة، لقد سايرت طبيعتي التي لا تحب التجمعات ولم ألتقه شخصيا، لكن ذلك انقلب إلى علاقة أكثر عمقا، إلى تأمل دائم في أعماله. كلما اشتقت إلى صوته أقرأ أحد أعماله، هذه الأيام أقرأ قصصه القصيرة وأظن أنني أكتشفه من جديد.

الجوائز

ما الذي يحتاجه الأدب العربي اليوم ليحظى بحضور أوسع في الجوائز والمحافل الأدبية الدولية؟

ما يحتاجه الأدب العربي هو أن يكف عن التعلق بأن يوجد في الجوائز والمحافل الدولية، هذا التعلق هو شكل من أشكال التبعية، يجب أن يكف الكاتب العربي عن التعلق بأن يرى اسمه مكتوبا بالحروف اللاتينية وصورته منشورة في الصحف الأجنبية، في ظني أن هذا التعلق يشوش رؤاه ولا يمنحه الإخلاص الكافي للعمل على موضوعاته وخبراته.

الطاقة بالكامل يجب أن توجه لإنتاج فن جيد، إن لاقى قبولا ولفت النظر فأهلا وسهلا، وإن لم يلفت نظر  من هم في الخارج، فالأساس بالنسبة للكاتب هو أن يكون مقروءا في بلاده وتحظى أعماله بتقدير من يقرأون بلغته، هذا هو الأساس وما بعد ذلك مثل الترجمة والجوائز الدولية أمر يجب أن يكون في المرتبة الثانية أو الثالثة.

هل حققت الجوائز العربية الهدف منها، وهل أثرت هذه الجوائز على الرواية من ناحية القيمة الثقافية والأدبية؟

ساهمت في حالة الصخب التي تعم المشهد الثقافي، ربما دفعت كثيرين إلى كتابة الرواية، لكن الخوف طول الوقت من التماهي مع معايير الجوائز، وبذلك نفقد أهم ما يميز الإبداع الأدبي وهو التأمل الأصيل في التجربة ومحاولة صوغ هموم الإنسان في زمننا.

غلاف "حكايات يوسف تادرس"

إلى أي مدى يشغلك القارئ؟

أضع ثقتي في القارئ ولذلك لا يشغلني، أعرف أنني عندما أعبر عن أفكاري وتجاربي بصدق وعمق وبساطة، فإنها سوف تجد قارئها، وستصل إليه، ربما لن يكون متوفرا أن تصل إلى قطاع واسع من القراء، لكن على الأقل ستجد القارئ الذي يقدرها. علمتني التجربة ذلك.

كيف تقرأ المشهد الثقافي والأدبي المصري حاليا؟

صاخب مثل صفحة "فيسبوك"، يختلط فيه الغث بالثمين والجد بالهزل. من جهة يمكن أن تنظر إليه على أنه حالة من الفوضى، ومن جهة أخرى يمكن النظر إليه على أنه علامة على الحيوية.

يجب أن يكف الكاتب العربي عن التعلق بأن يرى اسمه مكتوبا بالحروف اللاتينية وصورته منشورة في الصحف الأجنبية

 الغريب في الأمر أن المرء أحيانا يفكر أن كل ما يحتاجه هذا المشهد الصاخب هو "الحوار"، لكي لا يبقى كل فريق مثل بقعة منعزلة تظن أنها تملك الحقيقة، ولكنني أدرك صعوبة الأمر، فالحوار كأداة اجتماعية يستخدمها مجتمع ما لكي يصل إلى حالة توافق وفهم وتسوية لا تبدو علاماته في الأفق.

font change

مقالات ذات صلة