في القرن الثامن قبل الميلاد، كتب هوميروس ملحمتيه الخالدتين، "الإلياذة" و"الأوديسة"، تخليدا لذكرى حرب العشر سنوات في طروادة. ولقرون عديدة ظل هوميروس النبع الأول الذي استقت منه الحضارة الإنسانية إلهامها، إذ خلد في ملحمتيه صراع الإنسان مع القدر والشهوة والحروب. فبينما جسدت "الإلياذة" الغضب والمأساة في طروادة، رسمت "الأوديسة" رحلة العودة والبحث عن الذات وسط أهوال البحار وغوايات الحوريات، لكن الدراسات الحديثة تثبت أن ملحمتي هوميروس ليستا يونانيتين تماما، ولو كان بهما جانب من الصواب تاريخيا.
"جلجامش" مصدرا
تتصدى الورقة البحثية المعنونة "جلجامش وهوميروس: دراسة مقارنة لمجموعات الزخارف، الفوارق والتشابهات" التي أعدها في سنة 2003 الباحث جيل ميشو لاستكشاف المساحات الجمالية والفكرية المشتركة بين ملحمة "جلجامش" الرافدية وملحمتي هوميروس اليونانيتين "الإلياذة" و"الأوديسة"، متتبعا أوجه التقارب والاختلاف بين هذا الإرث الأدبي الإنساني. وتستعرض الدراسة في مستهلها إشكالية نصية وتاريخية حاسمة، إذ تتفرد ملحمتي هوميروس بكونهما وصلتا إلينا مكتملتي البناء، في حين تعاني ملحمة جلجامش" من فجوات نصية نتيجة الضياع والتلف، مما يجعل فهمها العميق يتطلب إلماما بلغات شرقية قديمة كالأكادية والسومرية.
لكن ما يعنينا أكثر هنا هو إنها تتتبع البنى الأدبية والموضوعات المتكررة بين النصين، مشيرة إلى تشابه الموتيفات الأدبية الواضح بين "جلجامش" و"الأوديسة" بالذات، كرحلة البطل الممتدة من الشرق إلى الغرب، والاعتماد الواضح على الأسلوب التكراري النمطي في صوغ الأحداث. ويظهر هذا التشابه جليا منذ الاستهلال، إذ تبدأ كلا الملحمتين باستعراض شخصية البطل بوصفه رجلا واسع الاطلاع والحكمة، طاف البلاد وسافر بعيدا، وتجرع مرارة الأسى والحزن في رحلته.
ولا يقتصر التشابه بين الملحمتين على البدايات، بل يمتد ليشمل تقاطع الأدوار بين الشخصيات، إذ تقارن الورقة بين الإلهة عشتار والساحرة اليونانية سيرسي، لكون كلتيهما قد استخدمت السحر لتحويل العشاق والبشر إلى حيوانات. كما تتقاطع شخصية سيدوري صانعة نبيذ الآلهة، مع حورية البحر كاليبسو، فتقدم كل منهما النصائح والمشورة، وتعرضان على الأبطال فرصا للخلود في رياض إلهية ساحرة. وعلى صعيد الأحداث، تتناول الورقة أسطورة النزول إلى العالم السفلي (katabasis)، مبرزة التشابه المذهل في طقوس استحضار أرواح الموتى، والسيادة التامة للجو الكئيب والمظلم الذي يغلف تصور الموت في الثقافتين البابلية واليونانية القديمة.





