أميركا أقوى دولة في العالم... لماذا تواصل خسارة الحروب؟

لواشنطن سجل طويل في خوض الحرب الخطأ سعيا وراء الهدف الخطأ

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أحد أفراد الجيش الأميركي يضع علما أميركيا على قبر في مقبرة أرلينغتون الوطنية بولاية فرجينيا، في 25 مايو 2017، استعدادا ليوم الذكرى "ميموريال داي"

أميركا أقوى دولة في العالم... لماذا تواصل خسارة الحروب؟

إن كنت أميركياً، فربما تكون قد ضقت ذرعا بخسارة الحروب. وأنا كذلك. وربما تسأل نفسك: "لماذا يتكرر هذا الأمر؟"، إنه لغز مثير للاهتمام ومثبط للعزيمة، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ظلت، بفارق شاسع، أقوى دولة في العالم طوال عقود، وتمتلك جيشا لا تضاهى ميزانيته ولا قدراته العسكرية الأساسية، فقد سجلت في تاريخها الحديث حصيلة يغلب عليها الإخفاق، ويشمل ذلك الحرب الحالية مع إيران، التي لم تحقق حتى الآن أيا من الأهداف المعلنة لإدارة ترمب، ويرجح أن تنتهي وإيران في موقع استراتيجي أقوى بكثير.

انظروا إلى القائمة، انتهت الحرب الكورية بالتعادل، وسأعود إلى ذلك لاحقا، وكانت فيتنام هزيمة واضحة، وكذلك حرب العراق عام 2003 و"الحرب الأبدية" في أفغانستان. ولم تكن حرب كوسوفو عام 1999 نصرا يذكر، إذ حصلت صربيا في نهاية الحرب على شروط أفضل من تلك التي عرضت عليها قبل بدء القتال. وما لم نحتسب احتلال دولة غرينادا الجزرية الصغيرة عام 1983، وهي مواجهة مختلة بصورة فادحة في موازين القوى ولا تكاد تستحق الاحتساب، فإن النصر الواضح الوحيد للولايات المتحدة على امتداد هذه العقود كان حرب الخليج عام 1991. نعم، أعلم أن الولايات المتحدة وحلفاءها "انتصروا" في الحرب الباردة، لكن ذلك استثناء يؤكد القاعدة، لأنها كانت "حربا" لم تشهد قط صداما مسلحا مباشرا مع الاتحاد السوفياتي.

لماذا كان أداء الولايات المتحدة بهذا السوء؟ من المؤكد أن السبب لا يعود إلى نقص المال، بالنظر إلى ضخامة ميزانية الدفاع الأميركية واستعداد الكونغرس لإقرار اعتمادات إضافية كلما طلب إليه ذلك، ولا يعود إلى نقص القوة النارية، إذ لا تزال الولايات المتحدة بارعة جدا في إحداث الدمار، حتى على مسافات بعيدة من سواحلها.

(أ.ف.ب)
طائرة تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من مطار كابل، وأطلقت صواريخ على المطار ذلك اليوم، حيث كانت القوات الأميركية تتسابق لإتمام انسحابها من أفغانستان وإجلاء حلفائها تحت تهديد هجمات "تنظيم الدولة الإسلامية"، في 30 أغسطس 2021

وربما تراجعت هذه القدرة إلى حد ما في الوقت الراهن، بعدما بدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مخزون البلاد من الصواريخ المتطورة في حربهما الحمقاء على إيران، لكن هذا العامل لا يفسر سبب استعصاء النصر إلى هذا الحد.

كما لا يعود السبب إلى نقص الشجاعة لدى أفراد القوات المسلحة الأميركية، الذين لا يزالون مستعدين لتعريض أنفسهم للخطر، وغالبا ما يفعلون ذلك ببطولة، وبالتأكيد، لا يرجع الأمر إلى افتقار الجنود الأميركيين إلى ما يكفي من هرمون التستوستيرون، مهما ظن وزير دفاعنا البائس، أو وزير الحرب التي نخسرها.

دأبت البلاد على خوض حروب اختيارية تجمع مصالح أميركية محدودة بأهداف شديدة الطموح، مثل محاولة إعادة تشكيل مجتمع في بلد آخر على الصورة الأميركية، فيكون خصومها أشد تصميما لأنهم يقاتلون من أجل البقاء


تعود الأسباب الحقيقية لاستمرار الولايات المتحدة في خسارة الحروب إلى عوامل استراتيجية وبنيوية، فقد دأبت البلاد على خوض حروب اختيارية تجمع بين مصالح أميركية محدودة وأهداف شديدة الطموح، مثل محاولة إعادة تشكيل مجتمع في بلد آخر على الصورة الأميركية، ونتيجة لذلك، يكون خصوم واشنطن عادة أشد تصميما منها بكثير، لأن ما يتعرض للخطر بالنسبة إليهم أكبر بكثير، فهم يقاتلون من أجل البقاء، أو على الأقل للحفاظ على استقلالهم واستقلالية قرارهم، في حين تقاتل الولايات المتحدة، في معظم الحالات، لتحقيق أهداف قد تبدو مرغوبة أو يمكن الدفاع عنها، لكنها ليست حيوية في نهاية المطاف.

وفي ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن يكون الخصوم أكثر استعدادا بكثير لتقديم التضحيات من الولايات المتحدة، وكما هي الحال في معظم النزاعات غير المتكافئة، إن لم يكن جميعها، لا ينتصر الطرف الأضعف بتحقيق نصر حاسم في ساحة المعركة، بل بتجنب الهزيمة وانتظار إدراك القوة الأكبر أن إرسال مزيد من الجنود وإنفاق مزيد من الأموال في مستنقع لا يستحق العناء.

تخبرنا هذه المعادلة البسيطة بالكثير عن جميع هذه الحروب الحديثة، دافعت الولايات المتحدة عن مصالح مهمة في شبه الجزيرة الكورية، إذ كان من الممكن أن يؤثر انتصار شيوعي من دون منازع هناك تأثيرا كبيرا في مسار الحرب الباردة في آسيا، لكن الصين رأت في الجهود الأميركية لتوحيد شبه الجزيرة تهديدا وجوديا، وضحت في نهاية المطاف بما لا يقل عن 200 ألف من جنودها، وربما بعدد أكبر بكثير، لمنع تلك النتيجة، وبعد ثلاث سنوات مريرة من القتال، انتهت الحرب فعليا بالتعادل.

في فيتنام، واجهت الولايات المتحدة القومية الفيتنامية الصلبة التي جسدتها الحركة الشيوعية، وهي قوة سبق أن هزمت الاستعمار الفرنسي وأثبتت استحالة القضاء عليها.

(وكالة الأنباء الفيتنامية / أ.ف.ب)
صورة مؤرخة في 30 أبريل 1975 تُظهر شاحنة عسكرية فيتنامية شمالية تجر مدفعا وهي تمر أمام السفارة الأميركية المهجورة في سايغون، بعد سقوط المدينة في يد القوات الشيوعية في اليوم نفسه، إيذانا بنهاية حرب فيتنام

وعلى الرغم من أن القادة الأميركيين استطاعوا ، لبعض الوقت، إقناع الأميركيين بأن منع انتصار شيوعي يمثل مصلحة حيوية، مستندين أساسا إلى مخاوف مبالغ فيها من تساقط أحجار الدومينو وفقدان المصداقية، فقد انقلب الرأي العام في النهاية على حرب بدت بلا نهاية، وأجبر الولايات المتحدة على الانسحاب، ومهد الطريق لانتصار هانوي لاحقا.

بقاء واشنطن في "الحرب الأبدية" في أفغانستان لتحويلها إلى ديمقراطية غربية أثار مقاومة شرسة من مجتمع استحق سمعته بوصفه "مقبرة الإمبراطوريات"

وكانت الدينامية نفسها وراء النتائج المؤسفة في العراق وأفغانستان، دأب صدام حسين على إثارة المشكلات، لكنه كان خاضعا للاحتواء بحلول عام 2003، وكانت برامجه التسليحية قد فككت، ولم يكن له أي دور على الإطلاق في هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، لذلك، لم يكن إسقاطه مصلحة أميركية حيوية، مهما قال المحافظون الجدد الأميركيون الذين حلموا بتحويل الشرق الأوسط إلى بحر من الديمقراطيات المؤيدة للولايات المتحدة.

كان التخلص من صدام سهلا، وهو ما أبرز مدى ضآلة الخطر الذي كان يمثله في الواقع، لكن قوات الاحتلال سرعان ما واجهت تمردا قويا مناهضا للسيطرة الأجنبية، بدعم من إيران وسوريا، إذ لم تكن أي منهما ترغب في أن تكون التالية على قائمة أهداف واشنطن،  وهكذا تحولت حرب اختيارية طموحة أخرى إلى كارثة مكلفة. هل يبدو ذلك مألوفا؟

في أفغانستان، قضى مزيج من الجهل والمثالية ومحدودية الأهمية الاستراتيجية في نهاية المطاف على المجهود الحربي الأميركي هناك. كان لدى واشنطن سبب وجيه لملاحقة أسامة بن لادن ومضيفيه من حركة طالبان، لكن بقاءها هناك لتحويل أفغانستان إلى ديمقراطية على النمط الغربي أثار مقاومة شرسة من مجتمع استحق تماما سمعته بوصفه "مقبرة الإمبراطوريات"، وفي النهاية، كان المتمردون أشد حرصا على إخراج الولايات المتحدة من البلاد مما كانت أميركا حريصة على هزيمتهم، إن كانت هزيمتهم ممكنة أصلا.

وفي نهاية المطاف، وضع ترمب، خلال ولايته الأولى، ثم الرئيس الأميركي جو بايدن، حدا لصراع تحول منذ زمن طويل إلى ممارسة عبثية.

رغم تخويف القادة الأميركيين من سقوط أحجار الدومينو وفقدان المصداقية، انقلب الرأي العام الأميركي على حرب بلا نهاية وأجبر واشنطن على الانسحاب من فيتنام


تمثل حرب الخليج عام 1991 الاستثناء الواضح من سجل واشنطن غير المبهر، وبالمعنى الدقيق للكلمة، كانت هي الأخرى "حربا اختيارية"، إذ كان بوسع الولايات المتحدة السماح للعراق بالاحتفاظ بالكويت من دون أن يترتب على ذلك تهديد فوري لأمنها، لكن سيطرة العراق على الكويت وعائداتها النفطية كان يمكن أن تغير، بمرور الوقت، ميزان القوى في الخليج بطرق مقلقة.

كما خشيت إدارة جورج بوش الأب أن يؤدي السماح لعدوان من هذا النوع بالنجاح من دون معارضة إلى إرساء سابقة خطرة، لكن الأهم أن الأهداف الأميركية في هذه الحالة كانت متناسبة تماما مع المصالح الأميركية، فقد طردت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق من الكويت، وسحقت قسما كبيرا من قدراته العسكرية، وفرضت عمليات تفتيش أممية صارمة وواسعة النطاق أدت إلى تفكيك برامجه التسليحية، لكن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب اختار  أن لا "يتوجه إلى بغداد" وأن لا يسقط النظام، لأن ذلك كان سيتجاوز التفويض الصادر عن مجلس الأمن الدولي، ويجبر الولايات المتحدة على احتلال بلد ذي مجتمع منقسم وناقم وتولي حكمه، ولأن الأهداف الأميركية انسجمت مع المصالح الأميركية، ولأن بوش أنهى الحرب بسرعة، ينظر إليها عن حق بوصفها نجاحا مذهلا.

لكن ليس من السهل على قوة عظمى أن توائم بين مصالحها وأهدافها، فالولايات المتحدة قوية وتتمتع، من الناحية الموضوعية، بدرجة عالية من الأمن، ولذلك لن تواجه عددا كبيرا من النزاعات التي تكون فيها مصالح حيوية بالفعل معرضة للخطر، ويسهل فيها تبرير تضحيات كبرى، كتلك التي قدمها الأميركيون خلال الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت نفسه، تسهل القوة الأميركية والتفوق التكنولوجي التدخل في شتى الأماكن، كما يسهلان على صانعي السياسات إقناع أنفسهم بأن الانتصار في هذه الصراعات سيكون سهلا.

(أ.ف.ب)
جنود من مشاة البحرية الأميركية "المارينز" ينتظرون الصعود إلى المروحيات للمشاركة في عملية "خنجر" ضد معاقل طالبان، في معسكر دواير بولاية هلمند جنوبي أفغانستان، في 2 يوليو 2009

وباختصار، لا تكمن المشكلة في أن الولايات المتحدة سيئة في خوض الحروب، بل في أنها تخوض عادة الحروب الخطأ سعيا وراء الأهداف الخطأ، وهو ما يقوض ثقة الحلفاء في حسن تقدير الولايات المتحدة، ويصعب عليها منافسة خصوم حقيقيين مثل الصين.

لماذا يتكرر هذا الأمر، حتى في عهد رئيس زعم أنه يعارض الحروب الأبدية، وأصر على أنه "مرشح السلام"؟ توجد أسباب كثيرة، من بينها استمرار عزوف نخبة السياسة الخارجية الأميركية عن محاسبة نفسها والتعلم من أخطاء الماضي. ويقدم روبرت كاغان مثالا نموذجيا على هذه المشكلة في مقابلته الأخيرة مع موقع "ريسبونسبل ستيتكرافت"، ويحسب لكاغان أنه انتقد علنا حرب ترمب مع إيران، لكنه ظل مؤيدا باستمرار لنهج في السياسة الخارجية الأميركية قائم على إظهار القوة، وكان أحد أشهر المؤيدين العلنيين لحرب العراق عام 2003.

وحين سئل عما إذا كانت تلك الحرب خطأ، أجاب: "لست متأكدا من فائدة الاعتراف بأنها كانت خطأ، فهذا لن يعيد أحدا إلى الحياة"، وأضاف أن أسفه الرئيس يتمثل في أن الحرب أضعفت تأييد الرأي العام لنمط السياسة الخارجية التدخلية الذي يفضله.

وما دام العزوف عن الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية شائعا داخل أوساط السياسة الخارجية، بما في ذلك جزء كبير من أوساط حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" في هذه المرحلة، فسيتعين على الأميركيين الاعتياد على خيبة الأمل.

font change

مقالات ذات صلة