الطيار الأميركي المفقود في إيران... شرارة للتصعيد أم التسوية؟

قد يدفع ذلك دونالد ترمب إلى المضي في تنفيذ أسوأ تهديداته

(رويترز)
(رويترز)
مقاتلة أميركية "F-16" تتزود بالوقود جواً من طائرة "KC-135" خلال مهمة ضمن عملية "الغضب الملحمي" في حرب إيران - 2 أبريل 2026

الطيار الأميركي المفقود في إيران... شرارة للتصعيد أم التسوية؟

حالف الحظ الولايات المتحدة في حربها الجوية ضد إيران. ففي حرب الخليج الأولى عام 1991، خسرت 28 طائرة ثابتة الجناحين في المعارك، وأسر العراق آنذاك 16 طيارا وفردا من أطقم الطائرات. أما خلال عملية "الغضب الملحمي"، فقد اقتصرت الخسائر البشرية الأميركية على حادثة نيران صديقة فوق الكويت. لكن هذا الحظ انقلب في 3 أبريل/نيسان، حين سقطت مقاتلة من طراز (إف- 15 إي) فوق الأراضي الإيرانية. وأُنقذ أحد الطيارين، بينما ظل مصير الآخر مجهولا.

وفي واقعة منفصلة، يرجح أن طائرة (إيه 10 وورثوغ) المخصصة للدعم الأرضي تحطمت قرب مضيق هرمز، ونجا طيارها الوحيد. وإذا تمكنت إيران من أسر طيار أميركي حيا، فقد يشكل ذلك شرارة لجولة جديدة من التصعيد في حرب لا تبدو عليها أي مؤشرات إلى التهدئة أو التراجع.

نفذت الولايات المتحدة أكثر من 12 ألف طلعة قتالية خلال خمسة أسابيع من الحرب ضد إيران، واستهدفت خلال تلك الفترة عددا مماثلا من المواقع. وكانت مقاتلات "إف 15 إي سترايك إيغل"، القادرة على ضرب الأهداف الجوية والبرية، من بين أكثر الطائرات استخداما في هذه العمليات، ويرجح أنها كانت تنطلق من الأردن، ونفذت كثيرا من ضرباتها عبر إلقاء القنابل من مسافات قريبة.

وقياسا بحروب سابقة، بدا معدل خسارة الطائرات الأميركية منخفضا بشكل واضح. ورغم تدمير معظم الدفاعات الجوية الإيرانية، فإن بعضها ظل قادرا على الظهور على نحو مباغت واستهداف فرص سانحة. كذلك، لا يمكن استبعاد احتمالات أخرى وراء سقوط الطائرة، من بينها حدوث عطل فني.

(رويترز)
إقلاع مقاتلة "F-15E" لتنفيذ مهمة قتالية دعما لعملية "الغضب الملحمي" في حرب إيران - 16 مارس 2026

وزعمت وكالة "تسنيم" الإيرانية للأنباء، وهي وكالة رسمية وثيقة الصلة بـ"الحرس الثوري" الإيراني، الذي يشكل القوة العسكرية الرئيسة في البلاد، أن الحرس هو من أسقط الطائرة. وأظهرت صور متداولة حطاما من جناح الطائرة وذيلها، يرجح أنه يعود إلى طائرة كانت متمركزة في قاعدة لاكنهيث التابعة لسلاح الجو الملكي في إنجلترا، كما ظهر على الأرض مقعد قذف فارغ.

قياسا بحروب سابقة، بدا معدل خسارة الطائرات الأميركية منخفضا بشكل واضح

أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي طائرة شحن معدلة من طراز "إتش سي 130" ومروحيات من طراز "إتش إتش 60 دبليو"، وكلتاهما من الطائرات المخصصة لمهمات البحث والإنقاذ، وهي تحلق نهارا على ارتفاع منخفض فوق خوزستان جنوب غرب إيران، على بعد يقارب 400 كيلومتر من أقرب قاعدة صديقة في الكويت. وتؤدي طائرة "إتش سي 130" دور مركز للقيادة الجوية، وتوفر دعما للاتصالات، كما تستخدم في التزود بالوقود، فيما تضطلع المروحيات بانتشال الطيارين الذين يسقطون. لكن مهمات الإنقاذ نفسها تنطوي على مخاطر بالغة، إذ تظل هذه الطائرات عرضة لنيران الأسلحة الخفيفة والصواريخ المحمولة على الكتف.

وتشير بعض التقارير الإخبارية الأميركية والإيرانية إلى أن مروحية "بلاك هوك"، يرجح أنها كانت تشارك في عملية الإنقاذ، أصيبت قبل أن تنسحب إلى العراق. وذكرت "نيوزماكس"، وهي منصة إعلامية أميركية، أن أفراد طاقمها نجوا.

تحمل مقاتلات "سترايك إيغل" طيارا وضابطا لأنظمة الأسلحة، ولا يزال مصير فرد الطاقم الثاني مجهولا. وكانت إيران عرضت مكافأة لمن يعثر على فردي الطاقم اللذين سقطا، فيما يرجح أن أحد المواطنين رصد 10 مليارات تومان، أي ما يعادل 60 ألف دولار. وتفيد تقارير بأن السلطات حثت السكان على "إطلاق النار عليهم إذا رأوهم".

وغالبا ما يغدو الطيارون الأسرى جزءا محوريا من السرديات التي تحيط بالحروب الأميركية. ففي فيتنام، أسرت فيتنام الشمالية نحو 500 من أفراد أطقم الطيران، وكان أشهرهم جون ماكين، الذي صار لاحقا عضوا في مجلس الشيوخ ومرشحا للرئاسة. وفي عام 1983، أسرت قوات سورية في لبنان ملاحا أميركيا واحتجزته 30 يوما، قبل أن تنتهي مفاوضات رفيعة المستوى إلى إطلاق سراحه. أما في عامي 1991 و2003، فقد استغل صدام حسين الطيارين الأميركيين الذين أسقطوا في أغراض دعائية، وأجبرهم على تسجيل بيانات مصورة مناهضة للحرب، قبل بثها على شاشات التلفزيون.

(رويترز)
طائرة الإنذار المبكر الأميركية "E-3" تتزود بالوقود جوا خلال مهمة ضمن عملية "الغضب الملحمي، 31 مارس 2026

كما احتجزت إيران أميركيين في زمن السلم، فالدبلوماسيون الذين احتجزوا في السفارة الأميركية عام 1979 لم يكونوا أسرى حرب، وإنما رهائن. وفي عام 2016، احتجز "الحرس الثوري" الإيراني عشرة من أفراد طاقم البحرية الأميركية قرب جزيرة فارسي في الخليج. ولم يطل احتجازهم أكثر من ساعات، إلا أن الصور التي أظهرتهم جاثين على ركبهم وأيديهم فوق رؤوسهم، في مشهد مهين، ظل عالقا في الأذهان.

فيتنام الشمالية أسرت نحو 500 من أفراد أطقم الطيران الأميركية، أشهرهم جون ماكين، الذي صار لاحقا عضوا في مجلس الشيوخ ومرشحا للرئاسة

في الأسابيع الأخيرة، اتسمت تصريحات القادة الأميركيين تجاه إيران بحدة لافتة ونبرة قتالية صريحة. فقد قال بيت هيغسيث، وزير الحرب الأميركي، إن الولايات المتحدة لن تمنح إيران "أي هوادة أو رحمة"، متباهيا بما سماه "الموت والدمار من السماء طوال اليوم". وقال دونالد ترمب، الرئيس الأميركي، في خطاب متلفز يوم 1 أبريل/نيسان، إنه سيعيد إيران "إلى العصور الحجرية حيث تنتمي". ومن شأن هذا الخطاب أن يزيد من معاناة أي أسرى.

وإذا وقعت إيران على ضابط أميركي، فسيغدو ذلك ورقة مساومة ثمينة. وكان ترمب قال في خطابه إن الحرب لن تستمر أكثر من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى. وإذا أقدمت إيران على عرض أسير حرب على شاشات التلفزيون، في انتهاك لاتفاقيات جنيف، فإنها قد تعزز موقعها التفاوضي، إلى جانب سيطرتها المحكمة على مضيق هرمز. وقد يتعاظم هذا النفوذ إذا أحجمت عن كشف أي معلومات بشأن مصير الطيار أو مكانه. وفي 3 أبريل، قالت إيران إنها لا ترغب في خوض محادثات مع الولايات المتحدة في إسلام آباد، وإن المطالب الأميركية غير مقبولة.

(رويترز)
طائرة الإنذار المبكر "E-3" تحلق دعما لعملية "الغضب الملحمي" خلال حرب إيران، 31 مارس 2026

أما إذا نجحت القوات الأميركية في إنقاذ فرد الطاقم، فسيثير الحادث قدرا من القلق في الولايات المتحدة، من دون أن يرقى إلى نكسة عسكرية كبرى. ففي عام 1999، على سبيل المثال، أسقطت صربيا طائرة شبح أميركية هجومية، من غير أن ينعكس ذلك على مسار الحرب أو نتيجتها. لكن إذا وقع طيار أميركي في الأسر لدى إيران، فمن المرجح أن يفجر ذلك غضبا واسعا في أوساط كثير من الأميركيين، وقد يدفع ترمب إلى رد عنيف في محاولة لإرغام طهران على إعادته أو إعادتها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، هدد الرئيس باستهداف محطات الكهرباء الإيرانية ومنشآت تحلية المياه. وفي 2 أبريل، دمرت الولايات المتحدة جسرا كان قيد الإنشاء في شمال إيران، وتباهى ترمب بأنه الأكبر في البلاد. ورغم تراجعه عن أسوأ تهديداته، فإن أي تحرك متعجل لضمان إطلاق سراح أسير حرب قد يغير ذلك.

font change

مقالات ذات صلة