حرب إيران و"روح شنغهاي"... ماذا يمكن أن تستخلص دول الخليج؟

ليس المطلوب أن تتفق الدول المشاركة في أي إطار إقليمي على رؤيتها لطهران

 أ ف ب
أ ف ب
يحمل مشاركون صوراً لجنود شاركوا في الحرب العالمية الثانية خلال مسيرة "الفوج الخالد" في بيشكيك في 9 مايو 2026

حرب إيران و"روح شنغهاي"... ماذا يمكن أن تستخلص دول الخليج؟

قرغيزستان- حتى قبل مغادرة مطار بيشكيك، يبدو للزائر أن عاصمة قرغيزستان تعيش على وقع ورشة ضخمة لا تكاد تنتهي. طرق تُوسَّع، وأخرى تخضع لإصلاحات جذرية، ومشاهد عامة يعاد ترتيبها على جانبي الشوارع، فيما تمتد أعمال البنية التحتية على طول الطريق إلى قلب المدينة.

لأكثر من 40 دقيقة، يتكرر المشهد نفسه، حفارات، وعمال، طرق قيد الإنشاء، وواجهات يجري تجميلها على عجل. كان واضحاً أن حجم هذه الأعمال يتجاوز خطة تطوير عادية. وعندما سألت مرافقتي القرغيزية عن سر هذا الاستنفار العمراني، جاء جوابها مختصراً، لكنه يفسر الكثير: قمة منظمة شنغهاي للتعاون المقررة في بيشكيك نهاية أغسطس/آب الجاري.

لا تبدو الاستعدادات للقمة مجرد ترتيبات لاستضافة اجتماع دولي. فالمدينة تستعد لاستقبال قادة منظمة باتت الصين تمثل فيها القوة الاقتصادية الأبرز، فيما تتسع يوماً بعد يوم شبكة المصالح والروابط الصينية مع آسيا الوسطى. ومن الصعب، في شوارع بيشكيك، أن لا يلمس الزائر شيئاً من هذا التحول، في عاصمة باتت تجد نفسها أكثر التصاقاً بالتحولات التي تعيد رسم محيطها الإقليمي.

من بيشكيك الى واشنطن

تأتي قمة بيشكيك في توقيت صيني لافت، حيث ستكون زيارة الرئيس شي جينبينغ، إلى بيشكيك، الثانية له منذ أشهر طويلة إلى الخارج، بعد بيونغ يانغ، كما تسبق رحلته المرتقبة إلى واشنطن، حيث من المفترض أن يرد الزيارة للرئيس دونالد ترمب، وسط معلومات تتداولها وسائل إعلام هندية حول مشاركة الرئيس الصيني في قمة دول بريكس المقررة في نيودلهي منتصف سبتمبر/أيلول، والتي ستكون أول زيارة لشي إلى الهند بعد اشتباكات وادي غالوان على الحدود الصينية-الهندية في عام 2020 والتي أوقعت عشرات القتلى والجرحى من الجانبين .

تأسست منظمة شنغهاي في مرحلة كانت فيها الصين وروسيا تسعيان إلى إعادة قدر من التوازن إلى المجال الآسيوي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

ومن المرجح أن ترى بكين في القمة، فرصة لدخول محادثاتها مع الجانب الأميركي وهي تحمل أوراقاً دبلوماسية إضافية، وتظهر أنها قادرة على لعب دور محوري في فضاء أوراسي واسع ومتعدد الأقطاب. ونظراً إلى الدور الذي لعبته الصين خلال حرب إيران، بما في ذلك مساهمتها الدبلوماسية في تهدئة أسواق النفط، والتوصل إلى هدنة أبريل/نيسان، ثم توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، فمن المرجح أن يحضر الملف الإيراني في محادثات شي مع ترمب.

شبح حربين يخيم على الأجندة

مع ذلك لا يبدو أن الحرب الإيرانية التي اندلعت في فبراير/شباط 2026، ستتحول إلى محور رئيس في جدول أعمال قمة بيشكيك. فمنذ تأسيسها، دأبت منظمة شنغهاي على تجنب تحويل النزاعات والخلافات بين أعضائها إلى ملفات مواجهة داخلها، حتى عندما مست دولاً أعضاء مباشرة، كما في النزاع الصيني-الهندي، والتوترات بين الهند وباكستان، والنزاع الحدودي بين قرغيزستان وطاجيكستان. ومع الوقت، أصبح الحفاظ على التعاون رغم الخلافات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، جزءاً من آلية عمل المنظمة.

وكانت الحرب الروسية-الأوكرانية الاختبار الأصعب لهذا النهج. فقد واجهت موسكو تحفظات من دول أعضاء رفضت استخدام القوة وتمسكت بمبادئ السيادة ووحدة الأراضي. لكن المنظمة تجنبت إدانة روسيا مباشرة، واكتفت بالتأكيد على هذه المبادئ والدعوة إلى الحل السياسي، بما سمح لها بتجاوز الخلاف والإبقاء على روسيا داخل الإطار الجماعي.

ورغم أن موقف المنظمة من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران جاء أكثر وضوحاً، فإن ذلك بقي في خانة تسجيل المواقف خصوصاً بعد عدوان طهران على دول مجلس التعاون الخليجي، التي تربطها علاقات وثيقة مع القوى الرئيسة في منظمة شنغهاي، وأصبح معظمها شركاء حوار للمنظمة. ومن هنا، غابت حرب إيران عن الاجتماع الوزاري التحضيري لدول المنظمة الذي عقد الشهر الماضي في العاصمة القرغيزية، في وقت كان لافتاً تجنب الوفد الإيراني المشارك في قمة وسائل الإعلام ومركز الفكر لدول المنظمة في بيشكيك التطرق إلى الحرب.

أ ف ب
في هذه الصورة الموزعة من قبل وكالة الأنباء الروسية الحكومية "سبوتنيك"، يترأس رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين اجتماعاً لمجلس رؤساء حكومات الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في موسكو، وذلك في 18 نوفمبر 2025

توازن غير متكافئ

ولفهم الطريقة التي تعمل بها منظمة شنغهاي، ينبغي العودة إلى الظروف التي ولدت فيها المنظمة نفسها. فقد تأسست في مرحلة كانت فيها الصين وروسيا تسعيان إلى إعادة قدر من التوازن إلى المجال الآسيوي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. كانت روسيا يومها في مرحلة انكفاء، فيما لم تكن الصين قد وصلت بعد إلى الوزن الاقتصادي والاستراتيجي الذي تتمتع به اليوم. لذلك لم تُبنَ المنظمة على أساس وجود قوة قادرة على فرض أجندتها، بل على تفاهم بين قوى متفاوتة المصالح والأوزان، تجمعها الحاجة إلى إدارة بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

هذا السياق ساعد في تشكيل واحدة من أهم سمات المنظمة: إدارة الخلاف بدلاً من محاولة حسمه. فمع اتساع المنظمة وتباعد مصالح أعضائها، أصبح تجنب تحويل الخلافات الكبرى إلى صراعات داخلية شرطاً لاستمرارها. ومن هنا ترسخ مبدأ التوافق في اتخاذ القرارات، إلى جانب آليات وممارسات مؤسسية أخرى تشجع على البحث عن المساحات التي يمكن أن تتفق فيها الدول، بدلاً من وضع القضايا التي تفرقها في صدارة جدول أعمالها.

من منظور خليجي، تكتسب تجربة منظمة شنغهاي أهمية إضافية مع تزايد الحديث بين الأطراف المعنية بالحرب الإيرانية عن الحاجة إلى إطار إقليمي يتيح لدول المنطقة إدارة خلافاتها والتفاعل ضمن ترتيبات أكثر استقراراً

ومن داخل هذا الإطار يمكن فهم توازن المنظمة من خلال مجموعة من القوى والأطراف المؤثرة في مسارها.

الأول هو الصين التي تمثل الثقل الاقتصادي الأكبر داخل المنظمة، وتملك أدوات النفوذ الأوسع عبر التجارة والتمويل والاستثمار والبنية التحتية. وتكتسب آسيا الوسطى أهمية خاصة في الحسابات الصينية باعتبارها الامتداد البري الغربي للصين، وممراً رئيساً لشبكات النقل والطاقة المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق". ولا يقتصر الحضور الصيني على حجم الاستثمارات، بل يتعزز مع توسع الروابط التجارية ومشاريع الربط البري والطاقة مع دول المنطقة.

وتأتي روسيا بثقل مختلف، فرغم تراجع وزنها الاقتصادي، لا تزال تحتفظ بإرث أمني وسياسي وثقافي عميق في آسيا الوسطى. فمنظومات التعاون الأمني والعسكري التي نشأت خلال الحقبة السوفياتية وما بعدها، إلى جانب استمرار حضور اللغة الروسية في الإدارة والتعليم والإعلام والتواصل بين مجتمعات المنطقة، تمنح موسكو أدوات نفوذ لا يمكن اختزالها في حجم اقتصادها.

أما الهند، فتضيف إلى هذا التوازن، ثقلاً سكانياً واقتصادياً وجغرافياً مختلفاً، ويمنحها وجوداً آسيوياً كبيراً خارج الثنائية الصينية-الروسية. كما أن علاقاتها التاريخية مع موسكو، إلى جانب شراكاتها المتنامية مع الولايات المتحدة والغرب، تمنحها قدرة على التحرك بين دوائر نفوذ متنافسة، وإن كانت هذه القدرة لا تعني بالضرورة نجاحها دائماً في المواءمة بينها.

وخارج الإطار المؤسسي للمنظمة، يبرز العامل التركي، الذي يستند إلى الروابط اللغوية والثقافية والتاريخية التي تجمع تركيا بعدد من دول المنطقة، ولا سيما كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان، وما عززته خلال السنوات الأخيرة مؤسسات مثل منظمة الدول التركية. وهذا البعد ليس وزناً مؤسسياً داخل المنظمة بالمعنى الدقيق، لكنه يمثل تياراً جيوثقافياً واقتصادياً مهماً في البيئة التي تتحرك فيها المنظمة.

هكذا تبدو منظمة شنغهاي أقل شبهاً بتحالف تقوده قوة واحدة، وأكثر شبهاً بمساحة تتقاطع فيها أوزان ومصالح مختلفة. لكن هذا التوازن تغير مع تغير موازين القوى. فالصين، أصبحت اليوم الطرف الأثقل اقتصادياً والأقدر على توفير الزخم لمشاريعها، بما يسمح لها بتوسيع حضورها ونفوذها في آسيا الوسطى. في المقابل، توفر المنظمة لروسيا مساحة للحفاظ على حضورها الإقليمي والدولي وعدم الوقوع في العزلة، بينما تمنح الهند إطاراً للحضور في قلب التفاعلات الآسيوية وأداة للتعامل مع اتساع النفوذ الصيني من دون الاكتفاء بمراقبته من الخارج.

وهذا ما يجعل سياسة التوافق وعدم تحويل الخلافات إلى صدامات داخل المنظمة مفيدة للأطراف الرئيسة، وإن لأسباب مختلفة. فهي تتيح للصين توسيع نفوذها، ولروسيا الحفاظ على موقعها في بيئة دولية أكثر صعوبة، وللهند الاحتفاظ بمساحة للحضور والموازنة في آسيا. لذلك فإن قوة منظمة شنغهاي لا تكمن في قدرتها على حل التناقضات بين أعضائها، بل في قدرتها على إدارة هذه التناقضات بحيث لا تمنع التعاون ولا تؤدي إلى تفكك المنظمة.

عبر للخليج

ومن منظور خليجي، تكتسب تجربة منظمة شنغهاي أهمية إضافية مع تزايد الحديث بين الأطراف المعنية بالحرب الإيرانية عن الحاجة إلى إطار إقليمي يتيح لدول المنطقة إدارة خلافاتها والتفاعل ضمن ترتيبات أكثر استقراراً. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت المنظمة أكثر جاذبية لدول الخليج، بل أيضاً ما إذا كانت بعض آلياتها تقدم درساً يمكن الاستفادة منه في أي صيغة إقليمية يجري بحثها، سواء جمعت دول الخليج وإيران، أو توسعت لتشمل العراق وتركيا وباكستان وربما أطرافاً أخرى.

ليس المطلوب أن تتفق الدول المشاركة في الإطار الإقليمي على رؤيتها لإيران، بل أن تكون مصالحها المختلفة ممثلة داخله بما يكفي لمنع أي طرف من تحويله إلى أداة لمحور واحد

والدرس الأبرز هنا لا يتعلق ببنية منظمة شنغهاي أو بموازين القوى داخلها، وهي عناصر يصعب تكرارها خليجياً، بل بقدرتها على إبقاء التعاون ممكناً رغم استمرار الخلافات بين أعضائها. ويرى الخبير الجيوسياسي الهندي روبندر ساتشديف رئيس معهد "إماجينديا" للأبحاث في نيودلهي أن "أهم ما تقدمه منظمة شنغهاي للخليج هو إبقاء الخصوم داخل الإطار المؤسسي نفسه". فالمنظمة تجمع قوى كبرى ذات مصالح متباينة، إلى جانب دول تحمل خلافات مباشرة في ما بينها، ومع ذلك لم تجعل تسوية هذه الخلافات شرطاً مسبقاً للتعاون. وهذا ما يمكن أن يكون مفيداً في التفكير في أي إطار إقليمي محتمل، أي البدء من الملفات التي تتقاطع فيها المصالح، وترك القضايا الأكثر تعقيداً لمساراتها السياسية والأمنية، بدلاً من اشتراط حلها جميعاً قبل إطلاق التعاون.

أ ف ب
صورة جماعية قبيل اجتماع مجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في بيشكيك في 14 يونيو 2019

كذلك فإن التنوع في مواقف دول الخليج نفسها تجاه الحرب الإيرانية قد يتحول، في إطار متعدد الأطراف، إلى عنصر من عناصر التوازن. وإذا أضيف إلى ذلك حضور العراق، بما له من علاقات ومصالح متشابكة مع إيران ودول الخليج، وتركيا بما تمثله من وزن إقليمي وحسابات مستقلة، فإن هذا التنوع قد ينتج توازناً شبيهاً، ولو بصورة مختلفة، بالتوازنات التي سمحت لمنظمة شنغهاي بإدارة التباينات بين أعضائها. في هذا السياق، يرى ساتشديف أن دول الخليج "لا ينبغي أن تنتظر بناء الثقة السياسية قبل بدء التعاون الوظيفي"، لأن "الحوار المنتظم والقواعد المتفق عليها والتعاون التقني المحدود يمكن أن تسهم هي نفسها في خلق الاستقرار".

وهنا ربما تكمن الفكرة الأهم، ليس المطلوب أن تتفق الدول المشاركة في الإطار الإقليمي على رؤيتها لإيران، بل أن تكون مصالحها المختلفة ممثلة داخله بما يكفي لمنع أي طرف من تحويله إلى أداة لمحور واحد. فالتعدد في المواقف، إذا جرى تنظيمه داخل آليات تقوم على التوافق وتدرج التعاون، قد يصبح عاملاً يحمي الإطار من الاستقطاب بدلاً من أن يكون سبباً في تعطيله. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم من شنغهاي؛ أن نجاح الإطار الإقليمي لا يتطلب إزالة الخلافات بين أعضائه، بقدر ما يتطلب بناء آليات تمنع هذه الخلافات من إلغاء فرص التعاون.

وبغض النظر عما إذا كان شي جينبينغ سيبحث ملف الحرب الإيرانية مع ترمب خلال محادثاته المرتقبة في واشنطن، فإن بكين التي لعبت دوراً مهماً، باعتراف أميركي، في إدارة تداعيات الحرب، قد تجد في المرحلة المقبلة فرصة لتحويل بعض مبادئ "روح شنغهاي" إلى فكرة يمكن أن تجد طريقها إلى الخليج.

font change

مقالات ذات صلة