ما الذي يجعل انتخابات إسرائيل المقبلة مفصلية إلى هذا الحد؟

إعادة انتخاب نتنياهو رئيسا للوزراء ستسرّع انجراف البلاد نحو الحكم غير الليبرالي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يُظهر ورقة اقتراعه قبل الإدلاء بصوته في مركز اقتراع بالقدس، في الانتخابات العامة الإسرائيلية التاسعة عشرة، في 22 يناير 2013

ما الذي يجعل انتخابات إسرائيل المقبلة مفصلية إلى هذا الحد؟

بينما تقف إسرائيل على أعتاب معركة انتخابية قد تكون الأكثر حسما في تاريخها، لا يبدو أن الرهان الحقيقي هذه المرة سيدور أساسا حول صراعها مع دول الجوار أو طبيعة علاقتها بالفلسطينيين، فالسؤال الجوهري الذي سيحسمه اقتراع 27 أكتوبر/تشرين الأول هو ما إذا كانت إسرائيل، ستبقى ديمقراطية ليبرالية على النحو الذي تصوره مؤسسوها عند قيام الدولة عام 1948، أم ستمضي بوتيرة أسرع نحو نموذج من الحكم غير الليبرالي، تتغلغل فيه تأثيرات اليهودية الأرثوذكسية.

بعد 12 عاما قاد خلالها سلسلة من حكومات يمين الوسط، انحرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصورة حادة نحو اليمين لدى عودته إلى السلطة عام 2022، متزعما ائتلافا جمع بين أحزاب اليمين المتطرف وأحزاب الحريديم، أي اليهود المتشددين دينيا.

ولم يطل الوقت قبل أن تتكشف ملامح مشروع حكومته، الذي ارتكز على هدفين رئيسين، تمثل الأول في إضعاف سلطة القضاء المستقل، وتوسيع نفوذ السياسيين على نحو كبير، وانطلقت الخطة، في جوهرها، من افتراض ضمني بأن من يمسك بزمام السلطة سيظل متمسكا بها، على غرار ما يحدث في الديمقراطيات غير الليبرالية، حيث تفقد الانتخابات تدريجيا قدرا من حريتها ونزاهتها، وتتحول إلى آلية تضمن استمرار القائمين على الحكم.

أما الهدف الثاني فتمثل في توسيع حضور الدين اليهودي في المجال العام، إلى جانب تقديم دعم مالي وقانوني ومعنوي واسع للمستوطنين في الضفة الغربية، وتزامن ذلك مع زيادة متواصلة في المخصصات الحكومية، والامتيازات التي يحظى بها مجتمع الحريديم، وكان أبرز مظاهرها محاولة لم تنجح حتى الآن لتكريس الإعفاء التقليدي لليهود المتشددين من الخدمة العسكرية بموجب القانون.

وسعت حكومة نتنياهو حضور الدين اليهودي في المجال العام، مع زيادة في المخصصات الحكومية والامتيازات لمجتمع الحريديم أو اليهود المتشددين، وتكريس إعفائهم التقليدي من الخدمة العسكرية


وفي مسار مواز، تغاضت الحكومة عن تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، بل أسهمت في تسهيله في بعض الحالات، وبذل وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، جهودا نجح من خلالها إلى حد بعيد في تسييس الشرطة الوطنية وتحويلها لأداة في يده، فبينما شدد قبضته على المتظاهرين المناهضين للحكومة، أفسح المجال أمام اعتداءات المستوطنين، كما سعى وزير الدفاع يسرائيل كاتس بدوره إلى إخضاع المؤسسة العسكرية للمنطق ذاته.

وفي خضم هذه التحولات، انتهج نتنياهو سياسة هدفت إلى تقويض شرعية المعارضة، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، في مسار يذكّر إلى حد بعيد بأسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورغم أنه يحرص في ظهوره العلني على خطاب أكثر تماسكا وأقل تهكما، فإن وزراءه ونواب حزبه وحلفاءه على منصات التواصل الاجتماعي، يتكفلون بخوض المواجهة الأكثر حدة نيابة عنه.

 ولم ينجح نتنياهو في إضعاف المعارضة فحسب، بل أرهب أيضا منافسيه داخل حزب "الليكود" ومؤسسات الدولة، بدءا من القضاء وصولا إلى الجيش.وتصدرت خطة وزير العدل ياريف ليفين مشروع حكومة نتنياهو لإعادة تشكيل القضاء، فقد أعلنها بعد أيام قليلة من توليه منصبه، مستهدفا تقليص صلاحيات المحكمة العليا في الرقابة القضائية، وتوسيع نفوذ السياسيين في تعيين القضاة، والحد من صلاحيات المستشارين القانونيين، غير أن الخطة لم تنفذ بكاملها، بعدما واجهت احتجاجات شعبية واسعة، وأحكاما قضائية أبطلت أجزاء كان الكنيست قد أقرها، قبل أن تأتي الحرب التي أعقبت هجوم "حماس" في 7 أكتوبر 2023 لتعرقل مسارها أكثر، لكن الحكومة لم تتخل عن المشروع، بل عادت في أشهرها الأخيرة إلى تسريع وتيرة التشريع، فنجحت في تمرير أجزاء من التغييرات المقترحة على النظام القضائي، بالتوازي مع إقرار مزيد من الامتيازات لأقلية الحريديم.

أ.ف.ب
محتجون من اليهود المتشددين "الحريديم" يتظاهرون ضد فتح مقهى "باسيمتا" أبوابه يوم السبت في وسط القدس، فيما اشتبك بعضهم مع الشرطة وناشطين علمانيين نظموا تظاهرة مضادة دعما للمقهى، في 8 أغسطس 2026

لا يتمتع ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وقطاع غزة بالحقوق التي يتمتع بها المواطنون الإسرائيليون، ومع ذلك، بقيت الأعراف الديمقراطية داخل إسرائيل قائمة إلى حد بعيد، رغم ما تعرضت له من ضغوط متزايدة خلال الأعوام الأربعة الماضية، لكن فوز حكومة نتنياهو في الانتخابات المقبلة قد يمنحها شعورا بأنها حصلت على تفويض شعبي يتيح لها المضي أبعد في مشروعها، والتحرر من كثير من القيود التي حدت من اندفاعها حتى الآن.

 وسيكون ذلك أقرب إلى النهج الذي اتبعه ترمب في ولايته الثانية، حين تجاوز كثيرا من الأعراف والتقاليد الحكومية، وفي نهاية المطاف، ما الذي يمكن أن يمنح نتنياهو دليلا أقوى على تأييد الجمهور لمشروعه في إعادة تشكيل إسرائيل من تجديد انتخابه؟

انتهج نتنياهو سياسة هدفت لتقويض شرعية المعارضة، ولم ينجح نتنياهو في إضعافها فحسب ، بل أرهب منافسيه داخل حزب "الليكود" ومؤسسات الدولة، بدءا من القضاء وصولا إلى الجيش


أما المعارضة البرلمانية الإسرائيلية، التي تضم أحزابا من اليسار والوسط واليمين، إلى جانب كتلتين تمثلان الأقلية العربية، فقد بقي أداؤها باهتا إلى حد كبير طوال هذه الفترة، فلم تتمكن من بلورة بديل سياسي متماسك، كما أخفقت في عرقلة أجندة الحكومة داخل الكنيست.

 ومع ذلك، ورغم انقساماتها وضعف زخمها، فإنها تتبنى موقفا واضحا في الدفاع عن استقلال القضاء، وترفض تسييس الجيش والشرطة، وتدين عنف المستوطنين في الضفة الغربية، كما تعارض الامتيازات الممنوحة للحريديم، وفي مقدمتها الإعفاء من الخدمة العسكرية، ومن ثم، يبدو أن وقف انجراف إسرائيل نحو الديمقراطية غير الليبرالية يظل مرهونا بفوز المعارضة في الانتخابات.

أ.ف.ب
زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، خلال المؤتمر التأسيسي لحزبهما "معا - بقيادة بينيت"، في تل أبيب، بعد إعلانهما خوض الانتخابات على قائمة مشتركة لإزاحة بنيامين نتنياهو، في 12 مايو 2026

لكن هل تملك المعارضة فعلا فرصة للفوز؟ يبدو أن معضلة القيادة التي عانت منها بدأت تنحسر مع الصعود المتواصل لغادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش السابق، في استطلاعات الرأي، فقد تمكن حزبه "يشار" من التقدم بوضوح على بقية أحزاب المعارضة من حيث التأييد، وبات ينافس حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو بفارق ضئيل.

ويملك آيزنكوت عددا من المقومات التي تعزز حضوره كمرشح، فسجله العسكري يمنحه ثقلا لا يزال كثير من الناخبين يعدونه مؤهلا أساسيا، لمن يطمح إلى تولي منصب رفيع، كما أن نشأته في بيئة عمالية وانحداره من أسرة مهاجرة من أصول مغربية قد يساعدانه على كسب أصوات من شرائح ذات جذور شرق أوسطية وشمال أفريقية، اعتادت تاريخيا الميل إلى الليكود.

وإلى ذلك، فقد آيزنكوت ابنه واثنين من أبناء إخوته في حرب غزة، ورغم حرصه على إبقاء موقعه السياسي غامضا إلى حد ما، فإن سجله خلال رئاسة الأركان، وتصريحاته العلنية، وبرنامج حزبه، توحي جميعها بأنه أقرب قليلا إلى يسار الوسط.

ومع ذلك، لا تزال المعارضة تصطدم بعقبتين رئيستين، أولاهما أن الارتفاع السريع في شعبية آيزنكوت قد لا يكون ثابتا بالقدر الذي توحي به استطلاعات الرأي، إذ إن قسما كبيرا من مؤيديه الجدد جاء من صفوف اليمين المعتدل، ما يجعل احتمال عودتهم إلى "الليكود" قائما، وفي الوقت نفسه، يعمل نتنياهو على تحسين صورة حزبه عبر الدفع بمرشحين أكثر قبولا إلى قائمته الانتخابية، بدلا من الوجوه المبتذلة والمتملقة التي تهيمن حاليا على كتلته في الكنيست، كما تعهد أخيرا بفرض التجنيد على الحريديم، في محاولة لاحتواء قضية أضرت بشعبيته حتى بين بعض أكثر مؤيديه وفاء.

يوصف آيزنكوت بأنه أقرب قليلا إلى يسار الوسط، وإن ظل حريصا على إبقاء موقفه السياسي غامضا... وتعهد بقصر ائتلافه الحاكم على الأحزاب الصهيونية، رافضا الأحزاب العربية شريكا محتملا، وهو ما قد يحرمه من أغلبية واضحة في الكنيست


أما العقبة الثانية، فترتبط بتعهد آيزنكوت حصر ائتلافه الحكومي بالأحزاب الصهيونية، بينما يستبعد الأحزاب ذات القيادة العربية من أي شراكة محتملة، لكن هذا الموقف قد يضعه أمام مأزق حسابي، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن بلوغ أغلبية مريحة في الكنيست، سيكون صعبا من دون دعم واحد على الأقل من هذه الأحزاب، وفي مقدمتها حزب "راعم" الأكثر اعتدالا.

وربما يكون آيزنكوت قد اقترب بالفعل من أقصى ما تستطيع المعارضة تحقيقه في استقطاب أصوات جديدة من معسكر نتنياهو، فقد أظهر استطلاع أجراه "معهد سياسات الشعب اليهودي" في يوليو/تموز أن 82 في المئة من المشاركين حسموا "تماما" أو "إلى حد كبير" الحزب الذي سيمنحونه أصواتهم.

أ.ف.ب
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت خلال إطلاق الحملة الانتخابية لحزبه "يشار" في فعالية قرب هود هشارون، وسط إسرائيل، 30 يونيو 2026

 أما معظم من لا يزالون مترددين، فيبدو أنهم يتحركون داخل حدود المعسكر السياسي نفسه، لا بين معسكر وآخر، وكما في كثير من دول العالم، أصبحت الانتماءات السياسية في إسرائيل شديدة الرسوخ، إلى حد يدفع أعدادا كبيرة من الناخبين إلى التمسك بمعسكرهم حتى عندما يخيب قادتهم التوقعات، ويعرف نتنياهو كيف يوظف هذا الاستقطاب، إذ يبني جانبا من حملته على التحذير من "يسارية" خصومه وتقديمها بوصفها تهديدا.

وفوق ذلك، تثير بعض المؤشرات شكوكا بشأن مدى نزاهة الوسائل التي قد يلجأ إليها نتنياهو وائتلافه في المعركة الانتخابية، فقد حذر الرئيس إسحاق هرتسوغ من خطر العنف والترهيب خلال الانتخابات، بينما يخشى آخرون أن تتغاضى الشرطة، بعدما طالها التسييس، وربما جهاز الأمن العام "الشاباك" أيضا، عن محاولات استهداف منتقدي الحكومة أو ترهيبهم، بل وربما تسهم في ذلك.

 وإذا لم تكن هذه الأساليب كافية، فقد ينتقل نتنياهو وحلفاؤه إلى الطعن في النتائج نفسها، من دون أن يكون واضحا ما الذي تستطيع المعارضة فعله لمنع هذا السيناريو.

حروب نتنياهو المفتوحة لا تحظى بتقييم إيجابي مطلق، ولا يشعر الناخبون أن إسرائيل باتت أكثر أمنا حتى هجوم 7 أكتوبر ، الذي غير المزاج العام، فترسخت قناعة أن التهاون في مواجهة الخصوم قد يعرض البلاد للخطر


ومن المفارقات أن القضايا الأمنية التي تتصدر اهتمام الخارج وتشغل الرأي العام الإسرائيلي قد لا تكون العامل الأكثر تأثيرا في الانتخابات، فحروب نتنياهو المفتوحة، لا تحظى بتقييم إيجابي مطلق، وقد أظهرت استطلاعات متعاقبة أن كثيرا من الناخبين لا يشعرون بأن إسرائيل باتت أكثر أمنا، ولا سيما بعد الحرب مع إيران ، لكن هجوم 7 أكتوبر غيّر المزاج العام على نحو عميق، وترك لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين، على اختلاف توجهاتهم، قناعة بأن التهاون في مواجهة الخصوم قد يعرّض البلاد لخطر تكرار ما حدث.

ولهذا أصبح كثير من الناخبين أكثر استعدادا لتقبل الإخفاقات الأمنية، وأقل ميلا إلى تحميل الحكومة كلفتها السياسية، وفي ظل هذا المزاج، تبدو قدرة المعارضة على إحداث تغيير واسع في النهج الأمني محدودة، ولا يتجاوز هامشها في الغالب إدخال تعديلات جزئية على السياسات القائمة.

ومع ذلك، يمكن توقع بعض التغيير في المقاربة الأمنية، ففي غزة، من غير المرجح أن تمضي حكومة يقودها آيزنكوت في مشاريع اليمين المتطرف الرامية إلى تهجير الفلسطينيين وإعادة المستوطنات، كما يرجح أن تتراجع وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع احتمال سحب القوات أيضا. وقد تتيح حكومة جديدة فرصة لدفع جهود إعادة إعمار القطاع، إذا وافقت "حماس" على صيغة تقترب من نزع السلاح.

أما في لبنان، حيث تحتل إسرائيل منطقة أمنية في الجنوب، فستواجه الحكومة الجديدة المعضلة نفسها التي واجهت سابقتها، إذ إن الانسحاب قد يمنح "حزب الله" مساحة لاستعادة قدرته على تهديد شمال إسرائيل، ومع ذلك، يرجح أن تتعامل بجدية أكبر مع خطة ترمب للسلام، وأن تقدم على انسحابات محدودة على الأقل. وفي ما يتعلق بإيران، لم يعد مسار المواجهة قرارا إسرائيليا خالصا، بعدما أدى دخول الولايات المتحدة الحرب إلى تقليص قدرة إسرائيل على التحكم فيه بمفردها.

أ.ف.ب
جنود إسرائيليون مسلحون ينفذون دورية راجلة في سوق البلدة القديمة بنابلس، شمال الضفة الغربية المحتلة، وسط عنف شبه يومي تشهده الضفة منذ بدء حرب غزة، في 9 أغسطس 2026

وفي الضفة الغربية، قد تتراجع وتيرة عنف المستوطنين، ويتباطأ التوسع الاستيطاني، لكن من المستبعد أن يتوقف أي منهما كليا، بعدما أصبح التيار الأكثر تطرفا داخل حركة الاستيطان أكثر نفوذا وتجذرا. أما حل الدولتين، فلا تبدو فرص إحيائه قائمة في المستقبل المنظور، إذ وجه هجوم 7 أكتوبر ضربة قاسية لفكرة إقامة دولة فلسطينية، فيما لا تظهر إسرائيل ولا واشنطن في عهد ترمب اهتماما جديا بإعادتها إلى مسار سياسي فعلي.

font change

مقالات ذات صلة