الشركات الأميركية تحكم قبضتها على حكومات حلفاء واشنطن

من "بالانتير" إلى "لوكهيد مارتن"... حصة محدودة من الإنفاق الحكومي ونفوذ يصعب الاستغناء عنه

أ.ف.ب
أ.ف.ب
طائرة مقاتلة من طراز "إف-35" تابعة للقوات الجوية الملكية النرويجية تسير على المدرج متجهة إلى حظيرتها بعد هبوطها في قاعدة إيفينيس الجوية قرب نارفيك خلال مناورات "الاستجابة الباردة" التابعة لحلف "الناتو"، 11 مارس/آذار 2026

الشركات الأميركية تحكم قبضتها على حكومات حلفاء واشنطن

يقول ديرك شرودر، وزير الرقمنة في ولاية شليسفيغ هولشتاين الألمانية: "لا أفتقد شيئا"، ويتحدث شرودر عبر مكالمة فيديو باستخدام "أوبن توك" ، البديل الألماني لمنصة "تيمز" التابعة لـ"مايكروسوفت"، موضحا كيف نقل خلال العامين الماضيين نحو 30 ألف موظف حكومي في الولاية من برامج "مايكروسوفت" للتعاون الرقمي والعمل المكتبي إلى بدائل مفتوحة المصدر.

وبدأت الولاية الآن مرحلة أخرى، تتمثل في الانتقال من نظام "ويندوز" إلى "لينكس"، نظام التشغيل مفتوح المصدر، وقد جذبت التجربة أنظار مسؤولين حكوميين في مناطق أخرى يتطلعون بدورهم إلى تقليص اعتمادهم على عمالقة التكنولوجيا الأميركيين. ويقول: "نتلقى كل أسبوع أسئلة من ولايات ومدن وحكومات أخرى داخل أوروبا وخارجها".

ويعكس هذا الاهتمام المتنامي بالبرمجيات مفتوحة المصدر واقعا جيوسياسيا جديدا. فالولايات المتحدة اعتادت منذ سنوات استخدام ثقلها التجاري أداة للضغط على خصومها، كما فعلت مع إيران وروسيا عبر العقوبات. لكن القلق لم يعد مقتصرا على الخصوم، إذ بدأ يمتد إلى حلفاء واشنطن أنفسهم، الذين يخشون أن يتحول اعتمادهم على التكنولوجيا الأميركية إلى ورقة ضغط، سواء عبر تقييد وصولهم إلى تقنيات أساسية أو التلويح بذلك خلال مفاوضات تجارية مثلا.

رويترز
الوحدة السفلية من آلة "هاي إن إيه إي يو في" التي تبلغ كلفتها 400 مليون دولار والمصنوعة من قبل شركة "إيه إس إم إل" معروضة في مقر مختبر أبحاث الرقائق البلجيكي آي ميك، لوفن، بلجيكا، 18 مارس/آذار 2026

لذلك، بدأت حكومات خارج الولايات المتحدة تعيد النظر في حجم اعتمادها على الموردين الأميركيين، ومدى تأثير هذا الاعتماد في قدرتها على أداء وظائفها. وازدادت هذه المخاوف في مايو/أيار الماضي، عندما فقد كريم خان، الذي كان يشغل آنذاك منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، إمكانية الوصول إلى حساب بريده الإلكتروني لدى "مايكروسوفت"، بعد أن فرض الرئيس دونالد ترمب عقوبات على المحكمة على خلفية إصدارها مذكرة اعتقال بحق بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، على الرغم من أن "مايكروسوفت" تقول إنها لم توقف خدمتها.

وفي يونيو/حزيران، تجدد القلق بعدما أجبر ترمب شركة "أنثروبيك" المتخصصة في الذكاء الاصطناعي على تعليق الوصول مؤقتا إلى أحدث نماذجها في عدد من الدول الأجنبية، كما أثار قلق حلفاء واشنطن توقف إمدادات الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا مرتين خلال العام الماضي.

ازدادت المخاوف حين فقد كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك، إمكانية الوصول لبريده لدى "مايكروسوفت"، وإن قالت الشركة إنها لم توقف خدمتها، كما أقلق الحلفاء توقف إمدادات السلاح الأميركي لأوكرانيا مرتين خلال العام الماضي

لا تفوز الشركات الأميركية إلا بحصة محدودة من العقود التي تطرحها الحكومات الأجنبية، لكن منتجاتها وخدماتها تؤدي دورا أساسيا في تشغيل قطاعات حكومية حيوية، لذلك، تتزايد المساعي لتقليص الاعتماد على الموردين الأميركيين وتشجيع البدائل المحلية، إلا أن الاستغناء عنهم لن يكون سهلا في كثير من المجالات.

وتبدو أوروبا الأكثر اندفاعا نحو تقليص اعتماد حكوماتها على الشركات الأميركية. ففي فرنسا، تخطط الحكومة للتخلي عن "تيمز"، كما تدرس نقل بعض أجهزة الكمبيوتر إلى نظام "لينكس". وعلى المستوى المحلي، بدأت مدن مثل ريوس الإسبانية وآرهوس الدنماركية التحول إلى مزودي خدمات سحابية أوروبيين، من بينهم الشركتان الألمانيتان "نكست كلاود" و"هيتزنر".

وفي يونيو/حزيران، كشفت المفوضية الأوروبية عن خطة لتعزيز "السيادة التكنولوجية" للقارة، تشمل نقل معالجة البيانات الحكومية الحساسة إلى مزودين أوروبيين من هذا النوع. ولم تقتصر هذه التوجهات على قطاع التكنولوجيا، إذ ألغت إسبانيا العام الماضي طلبية لشراء مقاتلات "إف-35" من شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية.

وفي بريطانيا، يدعو سياسيون رئيس الوزراء إلى تفعيل بند يسمح بفسخ العقد المبرم بين هيئة الخدمات الصحية الوطنية وشركة "بالانتير" الأميركية المتخصصة في تحليل البيانات.

وتشير تقديراتنا إلى أن الشركات الأميركية لا تستحوذ إلا على حصة محدودة من الإنفاق الحكومي خارج الولايات المتحدة. فمن بين مبيعات بلغت 25 تريليون دولار حققتها الشركات الأميركية المسجلة العام الماضي، جاء نحو 500 مليار دولار فقط من حكومات أجنبية، أي ما يعادل 2 في المئة من الإجمالي. وتمثل هذه القيمة نحو 7 في المئة من المشتريات الحكومية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باستثناء الولايات المتحدة، التي تتركز فيها الغالبية العظمى من هذا الإنفاق.

القوات الجوية الأميركية / أ.ف.ب
طائرة من طراز "كي سي-135 ستراتوتانكر" تابعة للقوات الجوية الأميركية وهي تزوّد مقاتلة من طراز "إف-35 إيه لايتنينغ 2" بالوقود خلال عملية "إيبك فيوري"، 5 أبريل/نيسان 2026

لكن الاعتماد على الشركات الأميركية يتفاوت من دولة إلى أخرى. فبحسب بيانات "تندر ألفا"، المتخصصة في توفير البيانات، استحوذت هذه الشركات العام الماضي على 6 في المئة من العقود الحكومية في أستراليا و4 في المئة في بريطانيا، مقابل 2 في المئة في فرنسا و1 في المئة فقط في ألمانيا، ما يجعل أستراليا وبريطانيا أكثر اعتمادا عليها من الدولتين الأوروبيتين الأخريين.

ومع أن حصتها من الإنفاق الحكومي تبدو محدودة إجمالا، فإن حضور الشركات الأميركية يتركز في قطاعات بالغة الأهمية. وتشير تقديراتنا إلى أن نحو خمسي أعمالها مع الحكومات الأجنبية تأتي من قطاعي تكنولوجيا المعلومات والدفاع، فيما تمثل الأدوية والمعدات الطبية التي تشتريها أنظمة الصحة العامة حول العالم حصة مهمة أخرى.

وغالبا ما يعود هذا الاعتماد إلى محدودية البدائل القادرة على مجاراة الشركات الأميركية، فشركات "ألفابت" و"أمازون" و"مايكروسوفت" تستحوذ مجتمعة على نحو ثلثي سوق الحوسبة السحابية العالمية، بحسب شركة "سينرجي ريسيرش" للتحليلات.

كشفت المفوضية الأوروبية عن خطة لتعزيز "السيادة التكنولوجية" للقارة، تشمل نقل معالجة البيانات الحكومية الحساسة إلى مزودين أوروبيين، فيما ألغت إسبانيا العام الماضي صفقة لشراء مقاتلات "إف-35" من شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية

وتشير تقديرات "فوريستر" إلى أن الشركات الأميركية تمثل ما بين سبعة وتسعة من أكبر عشرة موردين في معظم مجالات برمجيات المؤسسات.

وغالبا ما تكون البدائل المتاحة أقل كفاءة، وفي بعض الحالات، يقتصر الفارق على تفاصيل بسيطة، مثل عدم قدرة مستخدمي "أوبن توك" على إرسال رموز تعبيرية تتحرك عبر الشاشة. لكن الفجوة تصبح أكبر في جوانب أخرى، فحزمة "ليبر أوفيس" مفتوحة المصدر، التي تعتمدها حكومات عديدة، لا توفر مزايا الذكاء الاصطناعي المتاحة في منتجات "مايكروسوفت"، وقد تتسع هذه الفجوة مع استمرار تطور هذه التقنيات.

أما "أو في إتش كلاود"، أكبر شركة أوروبية للحوسبة السحابية ومقرها فرنسا، فلا تتجاوز إيراداتها نحو واحد في المئة من إيرادات "أمازون ويب سيرفيسز"، ما يجعل منافستها في الأسعار ومواكبة الابتكار أكثر صعوبة. ولا يختلف الوضع كثيرا في قطاع الدفاع، إذ تجد الحكومات الساعية إلى اقتناء أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورا خياراتها محصورة إلى حد كبير في "لوكهيد مارتن"، و"آر تي إكس"، وهما الشركتان الأميركيتان اللتان تنتجان معا منظومة "باتريوت".

ولا تقتصر المشكلة على إيجاد البديل، إذ قد تكون كلفة التحول إليه مرتفعة جدا. فشركة "لوكهيد مارتن" تزود دولا عدة، من النرويج إلى بلجيكا، بمقاتلات "إف-35"، ويمكن لهذه الدول أن تستبدل بها مقاتلات أوروبية مثل "رافال" أو "تايفون"، حتى إن كانت أقل تطورا، لكن هذا القرار يفرض تغييرات واسعة في منظومة التشغيل، من إعادة تدريب الطيارين وفرق الدعم إلى استبدال مخزونات الأسلحة. كما أن إقناع الرأي العام والسياسيين بمثل هذا التحول لن يكون سهلا بعدما استثمرت هذه الدول مبالغ طائلة بالفعل في مقاتلات "لوكهيد مارتن".

رويترز
جندي أميركي يتفقد بطارية صواريخ باتريوت الدفاعية خلال تدريبات مشتركة في الميدان العسكري في سوتشاتشيف قرب وارسو، 21 مارس/آذار 2015

ويظهر ذلك أيضا في أنظمة سجلات المرضى بالمستشفيات. ففي النرويج، أسهمت الكلفة المرتفعة لتغيير المورد في قرار البرلمان خلال يونيو/حزيران بمواصلة الاعتماد على "إبيك"، الشركة الأميركية المتخصصة في قواعد بيانات الرعاية الصحية، على الرغم من الانتقادات التي يوجهها الأطباء إلى نظامها.

وتزداد المسألة تعقيدا لأن الشركات الأوروبية نفسها لا تعمل بمعزل عن التكنولوجيا الأميركية. فبحسب روي إلسلي، من شركة "أومديا" للأبحاث، تعتمد "أو في إتش كلاود" على مجموعة واسعة من البرمجيات التي توفرها "في إم وير"، المملوكة بدورها لشركة "برودكوم" الأميركية.

يعود الاعتماد على واشنطن غالبا إلى شح البدائل: فـ"ألفابت" و"أمازون" و"مايكروسوفت" تستحوذ وحدها على نحو ثلثي سوق الحوسبة السحابية العالمية

وقد يترتب على تقليص التعامل مع الموردين الأميركيين ثمن سياسي أيضا، إذ تخشى بعض الحكومات أن يثير ذلك استياء الرئيس الأميركي المتقلب، بما قد ينعكس على متانة التحالف مع واشنطن.

ويشير بيتر ويزمان، الباحث في معهد ستكهولم الدولي لأبحاث السلام، إلى أن الدنمارك اختارت في يوليو/تموز طائرات دورية بحرية من إنتاج "بوينغ" الأميركية بدلا من البدائل الأوروبية. ويرى أن القرار يعكس حرص كوبنهاغن على عدم توتير علاقتها بالولايات المتحدة، رغم الخلاف بين البلدين بشأن غرينلاند.

ومع ذلك، لا ينبغي لحلفاء الولايات المتحدة أن يغفلوا أن الاعتماد متبادل، فأجزاء كبيرة من الحكومة الفيدرالية الأميركية تعمل ببرمجيات تقدمها شركة "ساب" الألمانية، كما تعتمد شركات أميركية كثيرة في تعاملاتها مع الحكومات الأجنبية على سلاسل توريد تمتد عبر دول عدة. فشركة "بي إيه إي سيستمز" البريطانية للصناعات الدفاعية تصنع في لانكشاير القسم الخلفي من هيكل مقاتلات "إف-35"، فيما تنتج أكثر الرقائق تطورا المستخدمة في الحوسبة السحابية داخل منشآت تديرها شركة "تي إس إم سي" التايوانية، باستخدام معدات تصنعها شركة "إيه إس إم إل" الهولندية المتخصصة في تقنيات أشباه الموصلات.

وقد يكون الأجدى لحلفاء واشنطن، بدلا من السعي إلى التخلص الكامل من الاعتماد على الولايات المتحدة، أن يعززوا بدورهم موقعهم في هذه العلاقة بحيث يصبح الاستغناء عنهم أكثر صعوبة.

font change

مقالات ذات صلة