لمحمود درويش اقتباس شهير، مأخوذ من ديوانه "في حضرة الغياب"، يتناول المدن وروائحها كذاكرة عطرية خاصة بها، يقول درويش: "المدن رائحة: عكا رائحة اليود البحري والبهارات. حيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة. موسكو رائحة الفودكا على الثلج. القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل. بيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون. باريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة. دمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة. تونس رائحة مسك الليل والملح. الرباط رائحة الحناء والبخور والعسل. وكل مدينة لا تعرف من رائحتها لا يعول على ذكراها..".
محمود درويش كان دقيقا في استحضار الروائح، لكنه كان أكثر دقة في التعبير أن مدننا الشرقية تستدعى بالعطر، إذ تتجسد هويات المدن في الشام وفي المغرب وحتى في مصر وتركيا وإيران في عبق أسواقها وأزقتها قبل أن تكتمل في مآذنها وحجارتها، وهذه فكرة مقبولة ومفهومة تماما لدى أهل الشرق، غير أن المخيلة الاستشراقية لم تكتف باستنشاق هذا الأريج الممتد عبر التاريخ، بل أعادت اختزاله وتأويله وتفسيره وصوغه لترسيم حدود فاصلة بين شرق حسي غارق في الغموض، وغرب يصوغ جغرافيا الحواس، وبالتالي يصوغ مدلولات المصطلحات وفق رؤيته، إذ أصبحت كلمة الشرق، وشرقي، لا تدل إلى الإتجاه أو المكان، وإنما صارت بمثابة وصمة، ومرادفا لمدلولات حسية، ودلالة إلى سوء فهم أوروبي بني على نظرة إستعلائية غير مبررة.
ويبدو أن الغرب بدأ أخيرا في إدراك فداحة هذا التصنيف ومدلولاته التي تعود لأزمنة استعمارية، فمن المؤسسات التي اتخذت موقفا حاسما في هذا الصدد مؤسسة العطور (The Fragrance Foundation)، الرائدة في مجال التعليم والتثقيف العطري، وقد وصفت ليندا ليفي، رئيسة المؤسسة، المصطلح بأنه "قديم ومسيء"، مضيفة أنه "ينبغي بالتأكيد اعتماد مصطلحات بديلة لوصف العطور"، إذ حدث في عام 2021 أنه تقرر استبدال مسمى "عطر شرقي" بـ"عطر عنبري"، كي لا تستدعي كلمة شرقي كل التأويلات الاستشراقية للعطر، ولهذه التأويلات تاريخ قديم.




