أمن سوريا... بين إرث إيران وصراع النفوذ

من شبكات التهريب على الحدود اللبنانية والعراقية إلى القواعد الروسية والتعاون العسكري التركي والتوغلات الإسرائيلية، تتشكل ملامح مرحلة أمنية جديدة في سوريا

ديانا إستيفانيا روبيو
ديانا إستيفانيا روبيو

أمن سوريا... بين إرث إيران وصراع النفوذ

أعاد سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 رسم المشهد الأمني في سوريا، لكن البلاد لا تزال تواجه إرثا من الشبكات العسكرية والتنافسات التي تشكلت خلال الحقبة السابقة، إلى جانب ضغوط خارجية متزايدة.

حوّل تدخل "حزب الله" في الحرب السورية منذ عام 2013 سوريا إلى حلقة محورية في الشبكة العسكرية الإقليمية التي بنتها إيران، كما جعل منها ممرا رئيسا لنقل الأسلحة الإيرانية إلى الحزب في لبنان عبر العراق. وعلى الرغم من أن سقوط نظام الأسد عطل ممر الإمداد الذي ترسخ على مدى سنوات، فإن الاكتشافات الأخيرة تشير إلى أن محاولات إبقاء شبكات التهريب غير المشروعة لم تتوقف، إذ كشفت السلطات السورية أنفاقا مرتبطة بعمليات تهريب عبر الحدود، ولا سيما في محيط قرية حوش السيد علي الحدودية بريف حمص الغربي، الواقعة على الحدود السورية–اللبنانية في منطقة الهرمل، حيث تمتد الأنفاق بين أراضي البلدين، كما ضبطت شحنات من الأسلحة والصواريخ والذخائر والمخدرات، بينها أسلحة متطورة ونوعية قالت إنها كانت في طريقها إلى "حزب الله" في لبنان.

دفعت هذه التطورات دمشق إلى تشديد الإجراءات الأمنية على طول الحدود اللبنانية، فوصف مسؤولون سوريون نشر القوات بأنها تدابير دفاعية وردعية تهدف إلى منع التسلل والتهريب. واكتسبت هذه الإجراءات أهمية سياسية إضافية في ظل ضغوط واشنطن على الرئيس السوري أحمد الشرع للمساعدة في احتواء "حزب الله"، وصولا إلى دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب سوريا إلى لعب دور في مواجهة الحزب داخل لبنان. ومع ذلك، رفض الشرع الدعوات المطالبة بتدخل عسكري سوري في لبنان، خشية الانجرار إلى مواجهة جديدة.

في موازاة ذلك، تعيد دمشق ترتيب علاقاتها العسكرية الخارجية. فروسيا، التي قدمت دعما عسكريا حاسما للأسد، تعيد التفاوض في شأن وجودها العسكري في سوريا. وبموجب مذكرة تفاهم وقعت في 9 أغسطس/آب 2026، ستتولى سوريا إدارة المنشآت ذات الاستخدام المدني، بما فيها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، فيما ستعاد هيكلة المنشآت العسكرية كمراكز مشتركة روسية-سورية للتدريب وبناء القدرات، خلال فترة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر.

في غضون ذلك، برزت تركيا كشريك رئيس في إعادة بناء الجيش السوري. فبموجب مذكرة تعاون عسكري وقعت في 13 أغسطس/آب 2025، وافقت أنقرة على توفير أنظمة أسلحة ومعدات ودعم لوجستي، إلى جانب التدريب العسكري والاستشارات وتبادل الخبرات. ومنذ ذلك الحين، واصل ضباط أتراك زيارة منشآت عسكرية سورية في إطار التدريب والتعاون، في تطور أثار قلقا متزايدا لدى إسرائيل، وأسهم في تصاعد التوتر الذي سبق الضربة الإسرائيلية على قاعدة "أبو الظهور" الجوية، المتوقفة عن العمل منذ سنوات، في شمال غرب سوريا، على بعد نحو 60–70 كيلومترا من الحدود التركية، في 18 أغسطس/آب 2026. وبررت إسرائيل الضربة بمخاوف من احتمال نشر قوات تركية في القاعدة، بينما نفت كل من دمشق وأنقرة هذه المزاعم، وأكدت دمشق أن المنشأة تخضع للتأهيل لاستخدام القوات الجوية السورية.

تشكل إسرائيل بعدا أساسيا آخر في المشهد الأمني الجديد في سوريا. ففي أعقاب سقوط نظام الأسد، شنت إسرائيل أكثر من 350 غارة خلال الساعات الثماني والأربعين الأولى، استهدفت خلالها جانبا كبيرا من البنية التحتية العسكرية الاستراتيجية للنظام السابق، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والطائرات ومخزونات الصواريخ ومنشآت إنتاج الأسلحة وتخزينها.

ولم يقتصر الانخراط الإسرائيلي منذ ذلك الحين على الغارات الجوية، إذ أقامت القوات الإسرائيلية مواقع عسكرية في ما وراء خط وقف إطلاق النار في الجولان، ونفذت عمليات توغل واعتقال متكررة في محافظتي درعا والقنيطرة، كما تدخلت عسكريا في السويداء، حيث صوّرت تحركاتها على أنها تهدف إلى حماية السكان الدروز. إلا أن هذه التدخلات وتكرار العمليات في الجنوب أثارا تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى، إلى جانب حماية حدودها، إلى الحيلولة دون استعادة دمشق سيطرتها العسكرية الكاملة على جنوب سوريا، وترسيخ منطقة عازلة أمنية تمتد على طول حدودها الشمالية.

font change