إسرائيل وأميركا تتفقان على "زعيم غزة" الجديد... هل ينجح؟

تعقد خطة السلام التي وضعتها إدارة ترمب آمالها على شخصية غير معروفة على نطاق واسع لتولي زمام الأمور في غزة هي علي شعث

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
صورة من هيئة الاستعلامات المصرية تظهر علي شعث رئيس اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية الجديدة لإدارة قطاع غزة خلال الاجتماع الافتتاحي لـ"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" مع أعضائها، في القاهرة ، 18 يناير 2026

إسرائيل وأميركا تتفقان على "زعيم غزة" الجديد... هل ينجح؟

يخطط علي عبد الحميد شعث، الذي أسندت إليه إدارة غزة بموجب خطة إدارة ترمب للسلام في المنطقة والمكونة من 20 نقطة، للاستفادة من الأنقاض المتراكمة في أنحاء القطاع عبر دفعها نحو البحر الأبيض المتوسط. ويرى أن هذه الخطوة قد تتيح توسيع المساحة المتاحة لسكان غزة، الذين كانوا يعيشون في رقعة ضيقة من الأرض حتى قبل اندلاع الحرب.

وقال شعث: "لو أحضرت جرافات ودفعت الركام إلى البحر، يمكنني أن أكسب أرضا جديدة لغزة، وفي الوقت نفسه أزيل الركام، ولن يستغرق ذلك أكثر من ثلاث سنوات".

ويبدو شعث، في جوانب عدة، خيارا ملائما لقيادة اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) التي عينتها الولايات المتحدة، فقد ولد عام 1958 في خان يونس بقطاع غزة، وتخصص في الهندسة المدنية ودرسها في القاهرة وبلفاست، قبل أن يتولى لاحقا منصبي نائب وزير التخطيط ووزير النقل والمواصلات في حكومة السلطة الفلسطينية.

وعلى امتداد مسيرته، راكم خبرة واسعة في التعامل مع البيروقراطية الفلسطينية والجهات الدولية المانحة، ورسخ حضوره بصفته إداريا مدنيا.

يمتلك شعث أيضا خبرة واسعة في التعامل مع آليات التمويل الدولي، إذ يصفه موقع اللجنة الوطنية لإدارة غزة بأنه قادر على "إدارة موازنات معقدة بملايين الدولارات، وبناء شراكات رفيعة المستوى مع الحكومات وبنوك التنمية والمستثمرين من القطاع الخاص"، وقد بدأ بالفعل نسج علاقات مع أبرز الجهات المانحة، إذ التقى ممثلا عن الاتحاد الأوروبي.

(الهيئة العامة للاستعلامات المصرية /أ.ف.ب)
علي شعث رئيس اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية الجديدة لإدارة قطاع غزة، وهو يتوسط أعضاءها خلال الاجتماع الافتتاحي لـ"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" في القاهرة يوم 18 يناير 2026

وقال مسؤول أمني إسرائيلي سابق لـ"فورين بوليسي" إن شعث خضع للتدقيق قبل الإعلان رسميا عن تعيينه رئيسا للجنة الوطنية لإدارة غزة.

وقال شعث في يناير/كانون الثاني، متحدثا عن فريق اللجنة الذي يضم نحو 12 عضوا ويتولى مهمة إدارة المرحلة الانتقالية في غزة: "نحن عقول فلسطينية ولسنا أسلحة".

وبعبارة أخرى، يجمع شعث بين الخبرة اللازمة لقيادة جهود إعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية لصالح الفلسطينيين، وبين قدر من القبول لدى إسرائيل، كما تنسجم خبرته في إدارة الملفات الاقتصادية مع رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تراهن على الازدهار الاقتصادي بوصفه مدخلا إلى السلام والمصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

غير أن هذه الرؤية، التي تجسدت في مشروعه المعروف باسم "ريفييرا غزة"، أثارت انتقادات واسعة بسبب ما اعتبره منتقدوها تجاهلا لحساسية الواقع الفلسطيني وتعقيداته.

"نحن عقول فلسطينية ولسنا أسلحة"... بهذه العبارة يقدم شعث فريقه، فهو يجمع بين الخبرة لقيادة جهود إعادة تأهيل البنية التحتية والتنمية الاقتصادية للفلسطينيين، وقدر من القبول لدى إسرائيل

يتطلع الفلسطينيون بشدة إلى انطلاق عملية إعادة إعمار غزة، حتى إن حركة "حماس" أبدت استعدادها لتسليم إدارة القطاع إلى المسؤول التكنوقراطي، لكن هذا الترحيب لا يخلو من مخاوف، إذ يعتقد بعض الفلسطينيين أن شعث واللجنة الوطنية لإدارة غزة قد يكونان جزءا من رؤية أوسع تراهن على الازدهار الاقتصادي لإزاحة النضال الوطني إلى مرتبة ثانوية، بما قد يفاقم الانقسامات داخل الساحة الفلسطينية.

 وقال محمد شحادة، الزميل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "سيتولى شعث الآن مهاما كانت السلطة الفلسطينية تتولاها سابقا في غزة، مثل إدارة معابر رفح وتوفير الكتب للطلاب وغير ذلك، وقد يهدد ذلك التنسيق القائم بين غزة والضفة الغربية".

ويواجه شعث مهمة دقيقة تتمثل في الحفاظ على صورته أمام الفلسطينيين وتفادي الظهور بوصفه مجرد أداة بيد أطراف أخرى، لأن ذلك قد يبدد ما يملكه من مصداقية، كما أن تحول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى صيغة دائمة للحكم قد يكرس الفصل بين غزة والضفة الغربية ويزيد من إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية.

(أ.ف.ب)
صورة التُقطت من موقع على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة، تظهر غروب الشمس خلف مبانٍ مدمرة في الأراضي الفلسطينية المحاصرة في 10 يونيو 2026

وقال عيران ليرمان، العقيد المتقاعد في الاستخبارات والنائب السابق لمستشار الأمن القومي الإسرائيلي، والذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن: "لا يوجد جدول زمني يحدد موعد انتهاء عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في القطاع".

وبحسب خطة السلام المؤلفة من 20 نقطة، تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهمة إدارة الخدمات العامة "اليومية" إلى أن "تستكمل السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي" وتصبح قادرة على تسلم المسؤولية.

لكن ما يبدو واضحا على الورق أكثر تعقيدا على أرض الواقع، فشعث يدخل مسارا مليئا بالعقبات، بعضها يرتبط بإسرائيل، فيما ينبع بعضها الآخر من خلافات أعمق داخل الساحة الفلسطينية نفسها.

ويبدأ أول هذه التحديات من قدرته على مباشرة مهامه فعليا، فبعد أكثر من سبعة أشهر على تعيينه رئيسا للجنة الوطنية لإدارة غزة، ما زال شعث وأعضاء فريقه يقيمون في أحد فنادق القاهرة، في وقت لم تبدأ فيه بعد أي خطوات فعلية لإعادة إعمار القطاع.

يخشى فلسطينيون أن تتحول "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" الانتقالية لنموذج حكم دائم يُستنسخ في الضفة، فيتصدر الازدهار الاقتصادي المشهد على حساب مشروع "التحرر الوطني"، ويترسّخ الفصل بين الضفة وغزة

وافقت "حماس" على إبعاد أسلحتها وتخزينها، لكن إسرائيل لا تعتبر ذلك نزعا فعليا للسلاح، كما لم تلتزم باحترام الاتفاق خلال الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، وتقول إسرائيل إن "حماس" لن تتخلى تماما عن سيطرتها على القطاع أو عن ترسانتها، كما لا ترغب في التفريط بأوراق الضغط التي كسبتها بعد إعادة احتلال غزة، في المقابل، يشك الفلسطينيون في أن إسرائيل كانت تنوي الانسحاب من القطاع منذ البداية.

ويخشى بعض الفلسطينيين أن تنظر إسرائيل إلى شعث واللجنة الوطنية لإدارة غزة باعتبارهما نواة لنموذج حكم يمكن استنساخه لاحقا في الضفة الغربية، بحيث يتصدر الازدهار الاقتصادي المشهد على حساب مشروع التحرر الوطني.

وقال شحادة: "بموجب خطة ترمب للسلام المؤلفة من 20 نقطة، يفترض أن تسلم اللجنة الوطنية لإدارة غزة القطاع إلى السلطة الفلسطينية"، بعد تنفيذها إصلاحات ضرورية لم تحدد طبيعتها. وأضاف: "لكن هناك شكوكا في أن ذلك قد لا يحدث، وأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة قد تتولى بدلا من ذلك إدارة الضفة الغربية".

(أ.ف.ب)
فلسطينيون يتجمعون في أحد شوارع مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، أكتوبر 2025

وأوضح ليرمان أن إسرائيل تتحفظ على امتداد دور السلطة الفلسطينية إلى غزة، قائلا: "ليس واضحا ما إذا كانت السلطة الفلسطينية ستؤدي دورا في غزة في نهاية المطاف"، ورأى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة قد تطرح لاحقا نموذجا للحكم يمكن تطبيقه في الضفة الغربية أيضا، وإن لم تكن هناك، حتى الآن، أي خطة لإحلالها محل السلطة الفلسطينية.

وقال ليرمان، في إشارة إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، البالغ من العمر 90 عاما والذي يقودها منذ نحو عقدين: "قد تصبح اللجنة الوطنية لإدارة غزة نموذجا لما يمكن أن يكون عليه الحكم في مرحلة ما بعد عباس"، وأضاف: "لا يتعلق الأمر بالضرورة بإطاحة السلطة الفلسطينية وإحلال اللجنة الوطنية لإدارة غزة محلها، لكنه يتعلق بالتأكيد بإرساء معايير من شأنها أن تغير أيضا طريقة إدارة الأمور في رام الله".

اشترط عباس على الفصائل السياسية والمرشحين نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل للمشاركة في انتخابات نوفمبر، في خطوة تهدف عمليا إلى إقصاء "حماس"

ورغم ما يوجه إلى إسرائيل من انتقادات، يقر الفلسطينيون أيضا بأن قيادتهم السياسية في حاجة إلى إصلاح، وأن الحركة الوطنية التي أصابها الجمود تحتاج إلى استعادة زخمها.

وفي هذا السياق، يبرز تفاؤل حذر بإمكان إجراء انتخابات للسلطة الفلسطينية في نوفمبر/تشرين الثاني، على أن تليها، في أفضل الأحوال، انتخابات رئاسية العام المقبل، إذا نجحت الفصائل السياسية في تجاوز خلافاتها وتهيئة الطريق أمام هذه الاستحقاقات.

ويرى بعض الفلسطينيين أن تجاوز الانقسام بين غزة والضفة الغربية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الانتخابات. وقال شحادة: "هناك ثلاثة مسارات أمام الحركة الفلسطينية، لن تمنح المقاومة المسلحة إسرائيل سوى ذريعة لقتل مزيد من الفلسطينيين، ولا يمكن لحركة سلمية أن تنجح، فأي شخص يقترب من الخط الأصفر سيطلق عليه الرصاص"، في إشارة إلى الحدود الفعلية داخل غزة التي يتمركز عندها الجيش الإسرائيلي. وأضاف: "الطريق الوحيد للمضي قدما هو الانتخابات".

واشترط عباس على الفصائل السياسية والمرشحين نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل للمشاركة في الانتخابات، في خطوة تهدف عمليا إلى إقصاء "حماس" التي فازت بانتخابات عام 2006، وكانت المواجهات التي اندلعت لاحقا بين "حماس" و"فتح"، التي كانت تهيمن على السلطة الفلسطينية، قد انتهت إلى انقسام الساحة الفلسطينية بين غزة الخاضعة لسيطرة "حماس" والضفة الغربية التي تديرها السلطة الفلسطينية.

لم تنبذ "حماس" العنف، لكنها قد تلجأ إلى صيغة تتيح لها المشاركة في الانتخابات. وقال شحادة إن عددا من الفصائل السياسية بدأ بالفعل التواصل مع الحركة لتشكيل تحالف انتخابي، فيما قد تخوض "حماس" السباق عبر مرشحين مستقلين.

وأعلنت الحركة استعدادها للمشاركة ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن، لكنها لم تعترف بإسرائيل قط، وظلت مواقفها تقتصر على طرح هدنة أو وقف لإطلاق النار، من دون القبول بتسوية دائمة.

ويرى محللون فلسطينيون أن "حماس"، رغم الضربة القاسية التي تعرضت لها، لا تزال قادرة على الصمود وخوض المنافسة السياسية. وكانت الحركة قد اختارت خليل الحية رئيسا لها الشهر الماضي.

وكتب إبراهيم دلالشة، مؤسس ومدير مركز هورايزون في رام الله: "لم تعالج أي من الخطط العديدة التي وضعت لحكم غزة كيفية احتواء بقايا المنظومة غير الرسمية لـ(حماس)، التي نجت من تدمير مؤسسات الحكم الرسمية التابعة للحركة، ويمكنها الحفاظ على سيطرتها إلى أجل غير مسمى".

وعلى مدى سنوات، تعالت الدعوات الفلسطينية إلى إنهاء الانقسام بين "فتح" و"حماس" وتحقيق المصالحة بينهما، وفي هذا السياق، هنأ حسين الشيخ، نائب عباس والذي ينظر إليه بوصفه خليفته المحتمل، خليل الحية بمناسبة اختياره، من دون أن تظهر حتى الآن بوادر تقارب سياسي أوسع بين الطرفين.

(رويترز)
تجمع فلسطينيين على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ​​في يوم صيفي حار بمدينة غزة، 19 يونيو 2026

وإذا مضت الانتخابات قدما، فقد تمنح السلطة الفلسطينية، أو أي إطار سياسي أوسع يفرزه الاقتراع، شرعية أكبر للمطالبة بتولي إدارة القطاع في مواجهة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي تعمل تحت إشراف "مجلس السلام" برئاسة ترمب.

وقد يساعد ذلك على تجنب مزيد من التشرذم في الأراضي الفلسطينية، لكن "حماس" ستظل مطالبة بنبذ العنف إذا أرادت أن تحظى بقبول دولي بصفتها طرفا سياسيا، كما سيكون على "فتح" وبقية الفصائل احترام نتيجة الانتخابات إذا تفوقت "حماس" وحلفاؤها في صناديق الاقتراع.

لكن إجراء الانتخابات ليس مضمونا حتى الآن، ففي عام 2021، ألغى عباس الاستحقاق الانتخابي في اللحظة الأخيرة بعدما رفضت إسرائيل السماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالتصويت. وإذا تكرر تعثر الانتخابات، فقد تمتد مهمة شعث إلى فترة أطول بكثير من الزمن المطلوب لإعادة إعمار غزة.

سكان غزة في أمسّ الحاجة إلى عودة الخدمات الأساسية، والفلسطينيون عموما لا يرون في التنمية الاقتصادية مشكلة ما دامت لا تأتي على حساب حقهم في تقرير المصير. أما شعث، فلا يملك تأثيرا كبيرا في التجاذبات الانتخابية أو في الخطط الإسرائيلية، سواء المعلنة منها أو تلك التي يعتقد الفلسطينيون أنها تخفي نيات أخرى.

وهنا تكمن معضلته الأساسية: أن يسهم في تحسين حياة الفلسطينيين من دون أن يكون ذلك على حساب قضيتهم الوطنية.

font change