من بين الروايات الذائعة الصيت، التي استكملت مدار المائة عام على صدورها منذ سنة 1926 الحافلة بالمتغيرات الثقافية والسياسية على نحو صاخب، نقف عند ستة عناوين راسخة في ذاكرة السرد العالمية، من مصادر أدبية و خرائط جمالية متعددة ومختلفة، لا تزال تستأثر بالتجدد، قراءة ودراسة واكتشافا، عصية على أن يطويها النسيان، وهذا دأبُ النصوص الكبرى التي تمكر بحدود لحظتها التاريخية، متخطية حواجز أزمنتها المحلية، صوب أفق إنساني مفتوح، في مهب طرق لا نهائية الاتجاه، بفضل مقدراتها الفنية الخلاقة، وفرادة تجاربها الإنسانية، وكذا طرائق كتابتها الحاذقة، فضلا عن تخييلها المغامر، وقيمتها الفنية السامقة.
هي ستة عناوين روائية تتبادل ألقها الذهبي في شجرة السرد الكونية، ما أشبهها بطيور العنقاء في سماء الحكاية، وقد نفخت عنها طبقات الرماد الصلدة، كي تبزغ من جديد، ما بعد تموجات المائة عام، وهي تثبت بجدارة، لحكمة الأدب وجدواه، بأن قدرة الفن على الخلود أكيدة الأثر، وعميقة التحقق.
"القلعة" لفرانز كافكا
أولى هذه الذخائر الروائية، وهي غير مكتملة شأنها شأن الأخريات من رواياته المريبة، "القلعة" لفرانز كافكا، وهي آخر أعماله، وبطلها يدعى ك. يصل في مساء شتائي إلى قرية مبهمة، تقع تحت نفوذ قلعة غامضة، في مهمة للحصول على اعتراف رسمي، إذ يزعم أنه يمتهن حرفة مساح أراض، ولكنه يفشل في الوصول إلى مربط فرس السلطة. في كل محاولة جادة منه، تصطدم بعقبة فادحة ضمن صراع عبثي ويائس في دوامة بيروقراطية قاتمة، وهي صورة أمينة لاستحالة تحقق المعنى، لسطوة الاغتراب، والتيه الممنهج في شبكة سلطوية بالغة التعقيد، تنزلق إلى متاهتها شخصيات طامحة على مقاس البطل ك. الذي لا ينجو من فخاخ براثنها المحكمة النسيج. ولأنها رواية غير مكتملة كما أشرنا، تنتهي مصائرها إلى حافة غموض، شبه مفتوحة على تأويلات سوداوية.






