"يوم الحسم"… هل تخنق العقوبات الأميركية اقتصاد إيران؟

جولة جديدة من العقوبات وتهديد يطال كل من يتعامل مع إيران

رويترز
رويترز
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يتحدث حول فرض عقوبات جديدة على إيران في مقر الوزارة بواشنطن، 24 أغسطس/آب 2026

"يوم الحسم"… هل تخنق العقوبات الأميركية اقتصاد إيران؟

"لقد فكك الرئيس ترمب القدرات العسكرية الإيرانية، ودمر نحو 100 في المئة من مصانعها العسكرية، ودفن برنامجها النووي. ونحن ندخل الآن المرحلة الحاسمة. ومع بزوغ الفجر، تبدأ عملية "دي-داي" [يوم حسم] اقتصادية، أي أكبر هجوم مالي جرى حشده على الإطلاق ضد خصم. لقد بقيت الجمهورية الإسلامية على قيد الحياة من خلال تقديم الابتزاز في صورة ضمانات أمنية. واستمدت قوتها من حسابات تقوم على افتراض أن الرد الإيراني أمر حتمي، بينما يمكن التفاوض على إنفاذ الولايات المتحدة لعقوباتها. في عهد الرئيس ترمب، انتهى هذا العصر. وعلى من يخشون مخاطر تحدي طهران ألا يقللوا تكلفة اختبار قدرة واشنطن. لقد هيأ الرئيس الظروف لتسخير كل وكالة وكل صلاحية وكل إجراء كان كثيرون يفترضون أننا لن نلجأ إليه أبداً. هدفنا هو قطع كل شريان اقتصادي يمد النظام الاستبدادي بالبقاء، إلى أن تجد طهران نفسها وحيدة".

بهذه العبارات وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عبر مقال في الـ"فايننشال تايمز" ما سيكون قادما واختصر ما تحمل الولايات المتحدة في جعبتها للاقتصاد الإيراني، وللعالم أيضا.

وكان من الواضح أن ما سيتأتى عن اجتماع 24 أغسطس/آب، الذي رُوّج له على أنه "يوم الحسم الاقتصادي" ضد إيران، والتي ستتلقى طهران بعده "أقسى عقوبات في التاريخ" سيكون مختلفا.

إنما ما الذي حصل بالفعل؟

رسالة تحذير إلى دول العالم في مقدمها الصين

حذّرت إدارة الرئيس دونالد ترمب، إبان اجتماع الخزانة الأميركية الدول من عدم قطع علاقاتها التجارية مع إيران وإلا ستواجه عقوبات ثانوية، لكنها امتنعت عن فرض عقوبات فعلية في الوقت الراهن.

وقال بيسنت إن الولايات المتحدة تطلق "هجوما اقتصاديا واسعا" على الروابط المالية الإيرانية حول العالم. لكنه رفض تحديد الدول التي ستستهدفها العقوبات أو موعد دخولها حيز التنفيذ. وأعلنت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على 60 فردا وكيانا وسفينة، لكن القائمة لم تشمل أيا من المؤسسات المالية الصينية التي يُشتبه في أنها تسهّل تجارة النفط الإيرانية.

وتشمل الشركات التي طالتها العقوبات الجديدة، شركة "سويت أوشن إندستريال ليميتد" (Sweet Ocean Industrial Limited) التي تتخذ من هونغ كونغ مقرا لها، إلى جانب أشخاص وشركات مرتبطة بها، وقد اتُّهمت بمساعدة إيران في الحصول على سلع حساسة، مثل معدات البصريات الليزرية. كما فُرضت عقوبات على شركة "شينزن هواماي" (Shenzhen Huamei) التي تتخذ من الصين مقرا لها، وهي مزود خدمات لشركة "بي آر إي لاين" (BRE Line) اللوجستية التي تتخذ من إيران مقرا لها، وكذلك على فرع "بي آر إي لاين" في هونغ كونغ، بدعوى دعم برامج إيران الصاروخية والنووية. واستهدفت إجراءات الثلاثاء شركات أخرى في الصين والإمارات وسنغافورة ودول أخرى عدة، من بينها مصفاة لزيت الطعام في فرنسا.

تعد الصين منذ سنوات عدة أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ استحوذت على أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المشحون في العام الماضي. وتراجعت وارداتها إلى نحو 534 ألف برميل يوميا في أغسطس/آب 2026

وأوضح بيسنت في المؤتمر الصحافي: "لماذا قد أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟ نعتقد أنه من المهم وضع الأمور في إطارها ومنح الناس فترة لتصحيح أوضاعهم، لكن عليهم أن يدركوا أن ذلك سيتحرك بسرعة كبيرة وأننا جادون".

وأضاف أن ترمب "يجري اتصالات مع قادة العالم ويطلب منهم بشكل محدد وقف تعاملاتهم" مع إيران، مضيفا أن هذه الجهود بدأت تحقق نتائج بالفعل. وحسب ما نقلته "أسوشيتد برس"، أعلنت الإمارات الأسبوع الماضي أنها علّقت جميع أشكال التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، وذلك بعد هجوم صاروخي أفيد بأنه استهدف الدولة الخليجية. وقال بيسنت إن قرار الإمارات "لم يكن من قبيل المصادفة".

أ.ف.ب

وتُعد الصين منذ سنوات عدة أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ استحوذت على أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المشحون في العام الماضي. وتراجعت وارداتها إلى نحو 534 ألف برميل يوميا في أغسطس/آب 2026، من متوسط 1.4 مليون برميل يوميا في 2025، بفعل الحرب والقيود الأميركية على صادرات النفط الإيرانية.

وكثفت واشنطن جهودها للحد من المشتريات الصينية، لكنها امتنعت حتى الآن عن استهداف البنوك الصينية بالعقوبات. ومنذ إعادة الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران عام 2019، تجنبت شركات التكرير الصينية الحكومية الكبرى شراء النفط الإيراني، كما لا تظهر بيانات الجمارك الصينية الرسمية أي واردات مباشرة من الخام الإيراني. لكن النفط الإيراني يصل إلى الصين منذ سنوات بشحنات تحمل منشأ زائفا، مثل ماليزيا أو إندونيسيا، وتسدد قيمته باليوان الصيني، عبر شبكة معقدة من الوسطاء والتجار يصعب تتبعها.

وسبق أن حذرت وزارة الخزانة الأميركية مصرفين صينيين كبيرين من احتمال فرض عقوبات ثانوية عليهما إذا ثبت مرور أموال إيرانية عبر أنظمتهما، لكنها لم تضعهما فعليا على قائمة العقوبات. وفي أبريل/نيسان، فرضت واشنطن عقوبات على مصفاة هينغلي للبتروكيماويات في داليان ونحو 40 شركة شحن وسفينة، متهمة المصفاة بشراء مليارات الدولارات من النفط الإيراني، وهو ما نفته الشركة.

وقال بيسنت إن الولايات المتحدة توسع نطاق الأنشطة التجارية التي يمكن أن تخضع للعقوبات الثانوية لتشمل خمسة قطاعات من الاقتصاد الإيراني كالأصول الرقمية، والذهب، والتكنولوجيا، والطيران، والشحن.

وأضاف أنه أعطى لمحة عن "إعلان كبير" في شأن فرض عقوبات على مؤسسة مالية في نهاية الأسبوع، لكن متحدثا باسم وزارة الخزانة لم يرد على طلب للحصول على مزيد من المعلومات.

الضغط الاقتصادي أفضل من استئناف الصراع العسكري، وأن حملة الضغط على إيران ستحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، كما ستتطلب الصبر، وربما تقديم إدارة ترمب بعض التنازلات للحصول على التعاون

دانيال فريد، منسق سابق للعقوبات في وزارة الخارجية الأميركية ويعمل حاليا لدى المجلس الأطلسي

ولا بد من الحديث أن الرسالة ليست اقتصادية فقط وأن توقيتها مهم جدا. فواشنطن خاضت أشهرا من الضغط العسكري والسياسي، لكن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، فيما بقيت إيران قادرة على التأثير في مضيق هرمز.

رويترز

لذلك يبدو أن الإدارة الأميركية تحاول الآن نقل مركز الثقل من القوة العسكرية إلى القوة المالية، أي بدلا من ضرب إيران عسكريا أكثر، تريد واشنطن جعل استمرار الحرب مكلفا اقتصاديا إلى درجة تضطر معها طهران إلى تغيير حساباتها. ولهذا قال بيسنت إن الضغط الاقتصادي يمكن أن يقلل الحاجة إلى عمليات عسكرية أميركية جديدة.

"يوم حسم" مع وقف التنفيذ…

هل جاءت الإجراءات أقل مما كان متوقعا؟ ربما…

قال دانيال فريد، وهو منسق سابق للعقوبات في وزارة الخارجية الأميركية ويعمل حاليا لدى المجلس الأطلسي، إن الإعلان "لم يكن في حجم الضجة التي سبقته"، لكنه اعتبر أن الضغط الاقتصادي أفضل من استئناف الصراع العسكري. وأضاف أن حملة الضغط على إيران ستحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، كما ستتطلب الصبر، وربما تقديم إدارة ترمب بعض التنازلات للحصول على التعاون. وأضاف فريد: "سيتعين عليكم الحصول على موافقة دول الخليج، وسيتعين عليكم الاستماع إلى ما تريده، والتحلي بالثبات".

وقال تحليل نشرته "رويترز" إن بيسنت استحضر عملية إنزال قوات الحلفاء الشهيرة في فرنسا عام 1944، المعروفة باسم "دي-داي"، عندما أعلن عقوبات جديدة ضد إيران، في حين جاءت عقوباته على إيران أقرب إلى "أنسيو" (المعروفة عسكريا باسم عملية شينغل)، وهي عملية إنزال نفذتها قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية في إيطاليا في يناير/كانون الثاني 1944 وكانت أقل نجاحا.

وفي السياق عينه، قال علي واين، كبير مستشاري الأبحاث والمناصرة لشؤون العلاقات الأميركية–الصينية في مجموعة الأزمات الدولية، إن أهمية الإعلان "تعتمد على مدى الحزم الذي سيكون الرئيس ترمب مستعدا لإظهاره في تطبيقه". وأضاف - حسب ما نقلت "أسوشيتد برس": "حتى الآن، وعلى الرغم من تهديده بفرض عواقب اقتصادية قاسية على الدول التي تتعامل مع إيران، فإنه غضّ الطرف إلى حد كبير عن الصين".

رويترز
سوق البزار المركزي في طهران، 23 أغسطس/آب 2026

وبالتالي، فالحسم الذي أعلنته واشنطن لم يقع بعد، وما حدث هو إطلاق عدٍّ تنازلي، إذ وسّعت الخزانة نطاق العقوبات الثانوية ووجهت إنذارا عالميا، لكن الاختبار الحقيقي سيكون عندما تنتقل من التهديد إلى استهداف البنوك والمشترين والشركات التي تشكل شريان الاقتصاد الإيراني.

ما كان الموقف الإيراني من العقوبات؟

وعدت إيران بالرد على العقوبات الأميركية الموسعة، معربة عن ثقتها بأن شركاءها التجاريين الرئيسين سيقاومون حملة الضغط الأميركية. وقبيل الإعلان بوقت قصير، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن الولايات المتحدة ليست في وضع اقتصادي يسمح لها بمزيد من تقييد علاقات طهران مع الدول الأخرى. وكتب قاليباف، الذي كان كبير المفاوضين الإيرانيين خلال الأشهر الستة الماضية، على منصة "إكس": "أوضح شركاء إيران التجاريون، سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال رسائل بعثوا بها إلينا، أنهم لا يأخذون هذه التصريحات في الاعتبار على الإطلاق".

وهددت إيران برد عسكري محتمل وبمزيد من خفض صادرات النفط من الخليج، ردا على أي إجراءات اقتصادية أميركية. أما بعد إعلان العقوبات، فقال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده: "نحن مستعدون تماما للعقوبات الأميركية". وقال في حديث للتلفزيون الرسمي: "في طبيعة الحال، يعتزم الأعداء شن هجوم إرهابي اقتصادي علينا، لكن لدينا أيضاً أدواتنا الخاصة ونعرف كيف نلعب اللعبة. دفاعنا لم يعد دفاعيا إلى هذا الحد، وعلى الأعداء أن يتوقعوا هجوما". وأضاف أن لا الصين ولا روسيا قد "قبلتا" الإجراءات الأميركية، متوقعا أن تقاومها دول أخرى.

قد تؤدي زيادة الهجمات التي تستهدف منشآت إنتاج النفط والغاز إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة، بما يلحق ضررا سياسيا بإدارة الرئيس ترمب، وقد تكون آثارها أصعب على الاحتواء مقارنة بالهجمات على حركة الشحن

وتعهد العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، بتوجيه ضربات قوية إلى المصالح الحيوية الأميركية ونقاط اختناق الطاقة إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للتهديد، وفق ما نقلته قناة "برس تي في".

وهدد أيضا محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بالفعل بوقف صادرات النفط، في ما يمثل أحد أبرز الخيارات الاستراتيجية التي تنتهجها طهران منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط. وقال: "إذا استمرت الحرب الاقتصادية، فلن تُصدَّر قطرة نفط واحدة، لا عبر مضيق هرمز ولا من أي مكان في الخليج العربي".

وأدت الهجمات والتهديدات الإيرانية التي تستهدف حركة الملاحة إلى توقف معظم حركة المرور عبر مضيق هرمز، مما تسبب عمليا بإغلاق هذا الممر المائي الذي كان ينقل نحو خمس الطاقة العالمية قبل اندلاع الصراع. وعلى الرغم من عبور بعض ناقلات النفط المضيق خلال الأسابيع الأخيرة، فإن أحجام الشحن لا تزال منخفضة جدا. ويوم الأحد، أدرجت إيران 45 ناقلة على القائمة السوداء، قائلة إنها لم تلتزم القواعد التي تريد فرضها على حركة الملاحة عبر هرمز.

وأدت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة على ناقلات تحاول مغادرة الخليج إلى ارتفاع أسعار النفط مرارا خلال الأشهر الستة من الصراع. وفي الوقت نفسه، فرض حلفاء طهران الحوثيون قيودا على حركة الملاحة في البحر الأحمر عبر الهجمات والتهديدات بفرض حصار على جميع السفن السعودية التي تنقل النفط الخام إلى آسيا عبر مضيق باب المندب، مرورا بالمنطقة التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن.

وفي البداية، تسببت الهجمات بمنع بعض السفن فقط من المرور، إذ واصلت أكثر من نصف السفن عبور الممر في منتصف أغسطس/آب. لكن الوضع أصبح أكثر صعوبة أمام شركات الشحن، مع بدء شركات شحن صينية إعادة توجيه سفنها بعيدا من باب المندب، وفقا لمصادر في القطاع. وهددت إيران بالرد على أي دول مجاورة تشارك في الجهود الأميركية لخنق اقتصادها، باستخدام ما وصفته بـ"قوة زلزالية". وقد سبق واستهدفت إيران دول الخليج والأردن مرارا خلال الحرب، وتركزت هجماتها في الغالب على القواعد الأميركية، لكنها طالت أيضا منشآت للطاقة وأهدافا أخرى.

أ.ف.ب.
الرئيس الصيني شي جينغ بينغ يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال حضوره قمة شنغهاي، في مدينة تيانجين، الصين 15 يوليو 2025

وقد تؤدي زيادة الهجمات التي تستهدف منشآت إنتاج النفط والغاز إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة، بما يلحق ضررا سياسيا بإدارة الرئيس ترمب، وقد تكون آثارها أصعب على الاحتواء مقارنة بالهجمات على حركة الشحن. كما أن استهداف منشآت الكهرباء ومحطات تحلية المياه في هذه المنطقة الحارة والجافة سيشكل خطرا كبيرا على الملكيات الخليجية المتحالفة مع الولايات المتحدة، والتي تمثل مراكز مالية مهمة للاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من أن الدول الغربية تقع خارج نطاق الأسلحة الرئيسة التي تمتلكها إيران، فإن الحرس الثوري أظهر تاريخيا استعدادا لاستخدام وسائل بديلة لتنفيذ الهجمات. وقالت بريطانيا يوم الاثنين إن قراصنة مرتبطين بإيران تسببوا في تعطيل محطة كهرباء صغيرة، فيما قال مسؤولون أميركيون إن طهران تقف على الأرجح وراء هجمات إلكترونية استهدفت منشآت للمياه في ولاية مينيسوتا. ولم تعلق إيران على هذه الاتهامات. كما اتهمت أجهزة أمن غربية إيران بتجنيد أشخاص محليين لتنفيذ هجمات أو محاولات اغتيال في دول غربية، وهو ما نفته إيران.

موقف الصين واجتماع ترمب -شي

رأت الصين أن العقوبات والضغوط الإضافية "لن تساعد في حل المشكلة". وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، خلال إفادة صحافية يومية في بكين، إن هذه الإجراءات "لن تؤدي إلا إلى تفاقم التوترات وتصعيد الوضع، وهو أمر لا يصب في مصلحة أحد". وأضاف أن الصين تدعو جميع الأطراف إلى تجنب اتخاذ إجراءات "يمكن أن تزيد الخلافات والصراعات حدة، وتعطل التنمية الاقتصادية العالمية والاستقرار المالي".

وحسب ما نقلته "رويترز"، يقول خبراء إن واشنطن تتوجس من رد انتقامي صيني على أي عقوبات تستهدف بنوكها. وتكتسب أي قيود على صادرات الصين من المعادن الحيوية حساسية خاصة.

وعندما سُئل بيسنت يوم الاثنين عن البنوك الصينية، قال: "نريد أن نوضح هنا اليوم أن لا أحد فوق متناول العقوبات الأميركية". ويأتي هذا الإعلان على وقع التحضير للقاء مرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن أواخر سبتمبر/أيلول. بالتالي، فإن فرض عقوبات جديدة على البنوك الصينية قد يعرقل فرص تمديد اتفاق أُبرم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي للحفاظ على تدفق المعادن الأرضية النادرة الصينية، ووضع سقف للرسوم الجمركية الأميركية.

تتوجس واشنطن من رد انتقامي صيني على أي عقوبات تستهدف بنوكها. وتكتسب أي قيود على صادرات الصين من المعادن الحيوية حساسية خاصة.

ومما لا شك فيه، يمكن أن تؤثر العقوبات الأميركية الجديدة على إيران في هذا اللقاء، لا من حيث عقده، وإنما من حيث أجندته وحساباته التفاوضية. فتشديد العقوبات الثانوية الأميركية على الجهات التي تتعامل مع طهران يضع بكين أمام اختبار مباشر، خصوصاً إذا انتقلت واشنطن إلى استهداف المصارف والشركات الصينية أو مشتريات النفط الإيراني.

وحتى الآن، تجنبت الإدارة الأميركية استهداف كبار المشترين الصينيين للنفط الإيراني، ما يشير إلى أن واشنطن قد تكون حريصة على إبقاء هذه الورقة ضمن حساباتها في العلاقة مع بكين. وبذلك، قد يتحول ملف إيران إلى ورقة تفاوضية في القمة، حيث يريد ترمب من شي المساعدة في خنق مصادر تمويل طهران، بينما تستطيع بكين استخدام تعاونها في هذا الملف للمساومة على قضايا أخرى، مثل التجارة والرسوم الجمركية والتكنولوجيا.

تواتر العقوبات الأميركية خلال نحو 5 عقود

تفرض الولايات المتحدة عقوبات على إيران بصورة شبه متواصلة منذ 1979. فشكّل تجميد الأصول الإيرانية، الذي بلغ نحو 10 مليارات دولار وفق وزارة الخزانة الأميركية، إحدى أهم أوراق الضغط المالي التي استخدمتها واشنطن خلال أزمة الرهائن 1979–1981.

وفي 6 مايو/أيار 1995 أصدر الرئيس بيل كلينتون الأمر التنفيذي 12959، الذي فرض حظراً شاملاً تقريباً على التجارة والاستثمار الأميركيين مع إيران. وشمل حظر استيراد السلع والخدمات الإيرانية، وتصدير السلع والتكنولوجيا والخدمات الأميركية إلى إيران، كما حظر الاستثمارات الجديدة للأشخاص الأميركيين في إيران. وفي 5 أغسطس/آب 1996 أقر الكونغرس قانون عقوبات إيران وليبيا (ILSA)، الذي استهدف أيضاً الشركات الأجنبية، وليس الأميركية فقط، إذا استثمرت مبالغ كبيرة في تطوير قطاع النفط والغاز الإيراني. وكان هذا القانون من أوائل وأبرز أشكال العقوبات خارج الإقليم (Extraterritorial sanctions) الأميركية ضد إيران.

رويترز
إيراني يعد الدولارات الأميركية وسط انهيار العملة المحلية، طهران، 2 مايو/أيار 2026

ومرت العقوبات بموجات رئيسية كان أبرزها تشديد 2010 –2012، حينما فرضت الولايات المتحدة عقوبات مالية ونفطية شديدة على إيران. ففي 1 يوليو/تموز 2010 وقّع الرئيس باراك أوباما قانون العقوبات والمساءلة وسحب الاستثمارات الشامل تجاه إيران (CISADA). ومن أبرز أحكامه تقييد أو قطع وصول المؤسسات المالية الأجنبية إلى النظام المالي الأميركي إذا تعاملت بصورة كبيرة مع البنوك الإيرانية المستهدفة. ووصفت وزارة الخزانة القانون بأنه وضع سابقة جديدة في الضغط على البنوك الأجنبية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011 صنّفت الخزانة الأميركية النظام المالي الإيراني، بما فيه البنك المركزي الإيراني، باعتباره "مصدر قلق رئيسي لغسل الأموال"، مستهدفةً دوره في تحويل عائدات النفط إلى البنوك الإيرانية الخاضعة للعقوبات. وبُعيد ذلك، في ديسمبر/كانون الأول 2011 أقر الكونغرس أحكاماً ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2012، هددت المؤسسات المالية الأجنبية بعقوبات إذا أجرت معاملات كبيرة مع البنك المركزي الإيراني، مع تركيز خاص على معاملات النفط. ثم طبقت الخزانة هذه الأحكام في فبراير/شباط 2012.

وفي 6 فبراير/شباط 2012 أصدر أوباما الأمر التنفيذي 13599 الذي جمّد أصول الحكومة الإيرانية والبنك المركزي وجميع المؤسسات المالية الإيرانية الخاضعة للولاية الأميركية، وشدد بذلك القيود المالية القائمة. وفي 2013 دخلت أحكام إضافية حيز التنفيذ لتقييد قدرة إيران على استخدام عائدات النفط الموجودة في حسابات خارجية ومنع إعادة هذه الأموال إلى إيران بسهولة.

من ثم جاءت حملة "الضغط الأقصى" بعد 2018. فبعد انسحاب الرئيس ترمب من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018، أعادت واشنطن فرض العقوبات تدريجيا، واستهدفت النفط والبنوك والشحن والبتروكيماويات والمعادن.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018 أعادت وزارة الخزانة فرض العقوبات النووية المتبقية، في أكبر إجراء منفرد لها ضد إيران آنذاك، شمل أكثر من 700 فرد وكيان وسفينة وطائرة، ليرتفع عدد الأهداف الإيرانية التي عاقبتها إدارة ترمب خلال أقل من عامين إلى أكثر من 900. واستمرت العقوبات خلال 2021–2025 مع توسيع استهداف شبكات الشحن والوسطاء والمصارف والالتفاف على العقوبات، لكن إيران تمكنت تدريجيا من استعادة جزء من صادراتها، خصوصا عبر السوق الصينية. وتمنع العقوبات الكيانات المدرجة على قوائمها من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، لكن إيران نجحت في إنشاء شركات واجهة وكيانات جديدة وتسجيل سفن بأسماء جديدة بسرعة للتحايل على العقوبات.

ما كان أثر العقوبات الأميركية على إيران؟

كانت موجة العقوبات التي أعقبت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، ضمن سياسة "الضغط الأقصى"، الأشد تأثيرا على الاقتصاد الإيراني في العقود الأخيرة من حيث اتساع نطاقها واستمرارها. فقد انكمش الاقتصاد 4.7 في المئة في 2018/2019 ثم 8.2 في المئة في 2019/2020. وكان النفط نقطة الضربة الأساس، ففي الأشهر التسعة الأولى من 2019/2020، انكمش قطاع النفط والغاز 37 في المئة، وكان ذلك العامل الرئيس وراء انكماش الناتج 7.6 في المئة خلال الفترة نفسها.

ومع ذلك، تسببت عقوبات 2012–2013 بصدمة حادة أيضا، إذ انكمش الناتج المحلي الحقيقي الإيراني بنحو 5.8 في المئة في 2012/2013، بينما تراجعت صادرات النفط والمكثفات بنحو 39 في المئة في 2012، من نحو 2.5 مليون برميل يوميا إلى 1.5 مليون برميل يوميا.

وبالمقارنة، شكلت عقوبات 2012–2013 صدمة نفطية ومالية هائلة، لكن 2018–2020 كانت أوسع وأطول وأشد على الاقتصاد ككل. السبب أن واشنطن بعد 2018 لم تكتفِ بخفض صادرات النفط، بل أعادت بناء منظومة ضغط شاملة طالت النفط والبنوك والشحن والبتروكيماويات والمعادن، ثم استهدفت شبكات الالتفاف. وكان الهدف خفض قدرة إيران على الوصول إلى العملة الصعبة وتعطيل قنواتها المالية والتجارية.

تمكنت طهران من الصمود أمام عقود من العقوبات الأميركية، لكن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة ألحق أضراراً اقتصادية بالغة بالبلاد

لكن هناك عامل يجب ألا نغفله وهو جائحة كوفيد-19 وانهيار أسعار النفط في 2020 تزامنا مع ذروة آثار العقوبات، لذلك لا يمكن إسناد كامل انكماش الاقتصاد في 2019/2020 إلى العقوبات وحدها. وفرضت وزارة الخزانة أخيرا عقوبات على مصافي "تي بوت" الصينية المستقلة لشرائها النفط الإيراني، كما وسعت العقوبات المفروضة على "أسطول الظل" من ناقلات النفط التي تنقل الخام الإيراني.

وقد تمكنت طهران من الصمود أمام عقود من العقوبات الأميركية، لكن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة ألحق أضرارا اقتصادية بالغة بالبلاد. وكان ذلك قد أدى بالفعل إلى الحد من عروض الشركات الصينية لشراء الخام الإيراني، وفق ما أوردته "رويترز" يوم الجمعة، وهو ما قد يقلل تأثير العقوبات الثانوية على الصين. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن الولايات المتحدة يمكنها إبقاء الحصار البحري إلى أجل غير مسمى، وهو ما قد يبقي أسعار النفط مرتفعة، وربما يزيد غضب الناخبين الأميركيين قبيل انتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وتُظهر بيانات وزارة الخزانة أن الولايات المتحدة فرضت، منذ بدء ترمب ولايته الرئاسية الثانية في 2025، عقوبات مرتبطة بإيران على أكثر من 1,000 شخص وسفينة وطائرة. واستهدفت الإجراءات الأخيرة شركات التأمين على الشحن، وشبكة شراء الأسلحة، ومنصات تداول الأصول الرقمية، وجمدت ما يُقدّر بنحو 500 مليار دولار من العملات المشفرة المرتبطة بإيران.

وخص بيسنت بالذكر بنك ملي الإيراني، الذي لا يزال يدير فروعا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وقال: "يجب إغلاق كل فرع من فروع بنك ملي وإطفاء أنواره". وقبل ساعات من إعلان بيسنت، سجلت العملة الإيرانية أدنى مستوى لها على الإطلاق. وهبط الريال إلى 2.02 مليون ريال مقابل الدولار الأميركي مع بدء التداول في أسواق العملات. وبلغ سعر الصرف الرسمي الذي يحدده البنك المركزي الإيراني نحو 1.5 مليون ريال للدولار، لكن سعر السوق هو السعر الذي يدفعه معظم الإيرانيين.

رويترز
شاشة في متجر صرافة تعرض أسعار الريال الإيراني مقابل عملات أجنبية، وسط طهران، 2 مايو/أيار 2026

ونشر بيسنت على حسابه على "إكس": واصلت العملة الإيرانية هبوطها الحاد، إذ تجاوزت اليوم حاجز مليوني ريال مقابل الدولار الأميركي. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إن التراجع المتزامن في عائدات النفط والإيرادات الضريبية ومساهمات الضمان الاجتماعي في إيران أثر في جميع جوانب الاقتصاد الإيراني. ثلاثة ملايين، ها نحن قادمون!"

وكانت العملة الإيرانية تعاني ضغوطا بالفعل قبل الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط، في ظل تضخم من خانتين وانكماش اقتصادي. ومنذ بدء الحرب قبل نحو ستة أشهر، واصل الريال تسجيل مستويات قياسية منخفضة. وأصبحت السلع الأساس أكثر كلفة على الإيرانيين، إذ ارتفعت أسعار الأرز بنحو 60 في المئة منذ بدء الحرب، فيما زادت أسعار لحوم البقر بأكثر من 150 في المئة. ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 5 في المئة.

ماذا عن الحلول الديبلوماسية؟

على الرغم من تراجع حدة القتال، توقفت الجهود الديبلوماسية لإنهاء الحرب، كما تراجع معدل تأييد ترمب إلى مستوى منخفض، إذ أظهر أحدث استطلاع لـ"رويترز/إبسوس" أن 33 في المئة فقط من الأميركيين يؤيدون أداءه. ويقول ترمب إن التكاليف الاقتصادية ضرورية لضمان عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا. وبرز تصريح القوات المسلحة الباكستانية، في بيان يوم الثلاثاء، الذي أشار إلى أن الوسيط الباكستاني أحرز "تقدما كبيرا" في أحدث محادثاته مع طهران، التي ركزت على إجراءات من بينها منع مزيد من تصعيد الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز، وتسريع إنهاء الحرب، إلى جانب بحث سبل التوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع وتحقيق السلام الإقليمي.

وعلى رغم من أن الحرب أضعفت جزءا كبيرا من القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية، وألحقت أضرارا اقتصادية بها، وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، احتفظت إيران بقدرات كافية في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة لمهاجمة دول الخليج وتهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز. ولا تزال الحالة الدقيقة للبرنامج النووي الإيراني، الذي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تدميره، غير معروفة. وبعد إعلان الاثنين، تراجعت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل، على الرغم من أن المستثمرين كانوا يستعدون لاحتمال حدوث مزيد من اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط.

font change

مقالات ذات صلة