الحرب الاقتصادية على إيران تنجح... ولا تنجحhttps://www.majalla.com/node/332295/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D9%88%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D9%86%D8%AC%D8%AD
صمدت إيران في مواجهة قوتين من أقوى القوى العسكرية في العالم، وتمسكت بموقفها من القضية النووية، وواصلت دعم وكيلها اللبناني. لكن إذا كان ذلك يمثل انتصارا، فهو انتصار باهظ الكلفة عند النظر إليه من منظور اقتصادي.
فقد تكبدت إيران خسائر هائلة في بنيتها التحتية العسكرية واقتصادها. وارتفع التضخم إلى مستويات قياسية، وانهار الريال الإيراني، وظلت البطالة مرتفعة، فيما يهدد حصار أميركي حركة التجارة من البلاد وإليها.
قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان مؤخرا: "أدرك العدو أنه لا يستطيع إجبار الشعب الإيراني على الاستسلام من خلال الضربات العسكرية. ويشكل الاقتصاد ومعيشة الناس أهم جبهة في مواجهة العدو". وقد يبدو هذا الكلام أقرب إلى التباهي، لكنه قد يفهم أيضا بوصفه تحذيرا. فقد أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في إجبار إيران على الاستسلام عسكريا، لكن السؤال لا يزال مطروحا بشأن الكيفية التي ستتعامل بها إيران مع خسائرها الاقتصادية المنهكة.
يأمل خصومها بوضوح أن يدفع الضغط الاقتصادي الحكومة الإيرانية إلى تقديم تنازلات كبيرة في المفاوضات، أو أن يؤدي حتى إلى انتفاضة تطيح بالنظام، غير أن استمرار الحرب قد يدفع الإيرانيين، بدلا من ذلك، إلى وضع متاعبهم الاقتصادية في مرتبة ثانوية، بما يعزز نفوذ المتشددين وسط اقتصاد منهك.
قدرت الحكومة الإيرانية الخسائر بنحو 270 مليار دولار في أبريل، وترجيحات بأن ما بين 10 و12 مليون وظيفة معرضة للخطر، أي نحو نصف القوة العاملة
تكبدت إيران خسائر بمئات المليارات من الدولارات منذ بدء الحرب، على الرغم من الخلاف بشأن حجم الأضرار. وقدرت الحكومة الإيرانية الخسائر في أبريل/نيسان بنحو 270 مليار دولار، بينما قدرتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ومقرها واشنطن، بنحو 144 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 50 مليارا و300 مليار دولار. وقال نائب وزير العمل الإيراني غلام حسين محمدي في أبريل/نيسان الماضي إن الحرب أدت إلى فقدان أكثر من مليون وظيفة، فيما رفع خبير اقتصادي إيراني العدد إلى ما بين 10 ملايين و12 مليون وظيفة معرضة للخطر، أي نحو نصف القوة العاملة في إيران. ومهما كان الحجم الدقيق للخسائر، تبدو الأرقام قاتمة.
يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعبارات أكثر قطعية، إذ يزعم أن القوات البحرية والجوية الإيرانية دُمرت بالكامل. وقال ترمب لشبكة "فوكس نيوز" في أواخر مايو/أيار: "دُمرت قواتهم البحرية بالكامل، بنسبة 100 في المئة، ودُمرت قواتهم الجوية بالكامل، بنسبة 100 في المئة". وأكد تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في يونيو/حزيران الماضي تضرر أكثر من 50 موقعا عسكريا في أنحاء إيران، بينها قواعد جوية ومنشآت ومعدات بحرية ومجمعات تابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني وقوات الباسيج شبه العسكرية، المكلفة بقمع المعارضة.
ولحق الضرر بنحو خُمس القاعدة الصناعية الإيرانية، وقد تستغرق إعادة بناء مراكز البتروكيماويات في ماهشهر وعسلوية أكثر من عقد. وأضعفت سنوات العقوبات الريال الإيراني، الذي هبط في أبريل/نيسان إلى مستوى قياسي بلغ 1.9 مليون ريال مقابل الدولار الأميركي، وبحلول يونيو/حزيران، ارتفعت أسعار المستهلك بأكثر من 88 في المئة، وفقا لبيانات نشرتها وكالة "فارس" الإيرانية للأنباء.
الصدمة الاقتصادية شديدة، لكن إيران ليست غريبة تماما عن مثل هذه الأزمات. فقد قال الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني عام 2020 إن العقوبات كلفت إيران 150 مليار دولار.
امرأة إيرانية تقوم بتعبئة الوقود، وسط تنامي أثر العقوبات على طهران، 13 ديسمبر/كانون الأول 2025
وتراكمت آثار انسحاب ترمب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، إلى جانب سنوات من سوء الإدارة الحكومية، لتفضي إلى احتجاجات واسعة في ديسمبر/كانون الأول، طالب خلالها الإيرانيون بتحسين مستويات المعيشة، وقُتل آلاف الأشخاص في حملة قمع حكومية أعقبت تلك الاحتجاجات.
اندلعت الحرب الأميركية-الإسرائيلية بعد هذه الانتفاضة، وتشير تصريحات ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن كليهما رأى في التدخل العسكري وسيلة لتشجيع الإيرانيين على العودة إلى الشوارع، وربما الإطاحة بالحكومة بدعم جوي أميركي وإسرائيلي. لكن ذلك لم يحدث. وحتى الذين عارضوا الحكومة، لم يؤيدوا قصف جامعاتهم، ولم يتقبلوا تهديد ترمب بالقضاء عليهم وعلى حضارتهم والسيطرة على الموارد النفطية لبلادهم. كما أدى قصف مدرسة للفتيات في بداية الحرب، خلصت تحقيقات أولية إلى مسؤولية واشنطن عنه، إلى تبديد أي احتمال لأن ينتفض الإيرانيون بطريقة قد تبدو داعمة للولايات المتحدة.
لحق الضرر بنحو خمس القاعدة الصناعية الإيرانية، وقد تستغرق إعادة بناء مراكز البتروكيماويات في ماهشهر وعسلوية أكثر من عقد
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، تعاود الولايات المتحدة وإسرائيل التساؤل عما إذا كانت هذه الأزمة قادرة على زعزعة الحكومة، وإن اختلفت الغايات النهائية لكل منهما.
ألسنة الدخان بعد ضربة على خزانات وقود شهران، في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في طهران، إيران، 8 مارس/آذار 2026
استعرض وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش مؤخرا كلفة الحرب على إيران، وقال إن الوضع الراهن هو الأفضل لإسرائيل... "يجب أن نتذكر أن الهدف النهائي لإسرائيل، وليس بالضرورة للولايات المتحدة، هو تقويض النظام في إيران وإضعافه إلى حد إسقاطه". وتشير تصريحات سموتريتش إلى اعتقاده بأن الانهيار الاقتصادي قد يسهم في نهاية المطاف في سقوط الحكومة الإيرانية، وهو هدف إسرائيلي رئيس لا يزال قائما.
لكن ترمب عدل أهدافه في مرحلة لاحقة من الحرب، فحصرها في منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، لا في تغيير النظام.
ونصت مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية على إعفاءات من العقوبات، واستئناف صادرات النفط الإيرانية، والوصول التدريجي إلى أصول مجمدة تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار للمساعدة في تخفيف المعاناة الاقتصادية الإيرانية. وعلى الرغم من إلغاء المذكرة بعد استئناف الاشتباكات، فقد عكست أن ترمب لا يعارض تعافي الاقتصاد الإيراني، شرط أن يحصل على ما يريده.
لكنه لا يتردد أيضا في إيقاع مزيد من المعاناة الاقتصادية، ويرى في ذلك وسيلة لتحقيق أهدافه. وأشار ترمب إلى أن إيران لن تستطيع تحمل الخسائر الاقتصادية، وستقبل عاجلا أم آجلا بالشروط الأميركية. وقال لموقع "أكسيوس" في أبريل/نيسان الماضي إن الحصار الأميركي لمضيق هرمز، الذي يهدف إلى خنق قدرة إيران على التصدير، كان "أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف".
يقر استراتيجيون إسرائيليون بأن الحكومة الإيرانية لم تضعف بالقدر الكافي رغم كل ما بذلوه من جهود، حيث لم يسقط الإيرانيون النظام
ومع ذلك، يعتقد معظم الخبراء أن إيران لن تتراجع عن برنامجها النووي أو تتخلى عن السيطرة على هرمز، وأن زيادة المعاناة الاقتصادية في خضم الحرب لن تفضي إلى تغيير سياسي مستدام، ولن تدفع المتشددين الإيرانيين إلى تبني مواقف أكثر ليونة، وتقف وراء ذلك أسباب عدة.
أولا، قد لا تضاهي رغبة واشنطن في مواصلة الضغط قدرة المتشددين في إيران على الاستمرار في القتال. كما سيكون من السذاجة توقع أن يقف "الحرس الثوري" مكتوف اليدين مع تصاعد القصف وانهيار الاقتصاد الإيراني. فقد تهاجم إيران مزيدا من سفن الشحن، ما قد يؤدي إلى مقتل بحارة وإثارة الذعر في قطاع الملاحة البحرية، ثم إحداث تداعيات متسلسلة على الاقتصاد العالمي. وقد تزرع مزيدا من الألغام في قاع البحر، وتضرب القواعد الأميركية بوتيرة أكبر، وتقتل مزيدا من الجنود الأميركيين، بما يختبر مدى إصرار ترمب على مواصلة الحرب.
وقد حركت إيران بالفعل حلفاءها الحوثيين في اليمن، المتأهبين للسيطرة على باب المندب، وهو الممر البحري الضيق الرئيس الآخر في المنطقة. وفي الأسبوع الماضي، استعرضت إيران قوتها وقدمت لمحة عن الكيفية التي قد تتسع بها الحرب، حين أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة على منشآت نفطية سعودية على البحر الأحمر.
علاوة على ذلك، تتعامل إيران مع العقوبات الغربية منذ سنوات، وقد توصلت إلى وسائل للالتفاف عليها، فهي تستخدم مئات السفن التابعة لأسطول ظل يصعب تعقبه عندما توقف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، كما تلتف إيران على العقوبات من خلال نقل النفط في عرض البحر من سفينة إلى أخرى.
وتشير بعض الروايات إلى أن الشعب الإيراني عانى بشدة، لكن ذلك زاد أيضا قدرته على تحمل المعاناة. وعلى الرغم من أن ارتفاع التكاليف وتراجع النشاط التجاري وتسريح العمال استنزف موارد الإيرانيين، فإن الحرب تشغلهم حاليا أكثر من متاعبهم الاقتصادية.
وقال لي إيراني مقيم في المملكة المتحدة: "يستمر هذا المسار التضخمي منذ عقود. يصاب الناس بالصدمة فترة، ثم يتابعون حياتهم". وأضاف أن الانطباع الذي تكون لديه بعد التحدث إلى أفراد عائلته في طهران هو أن الناس يجدون الاحتجاج "أصعب" في زمن الحرب.
ولم يقدم ترمب أو نتنياهو تصورا مقنعا لليوم التالي أو للشروط الكثيرة التي ينبغي توفرها لتحقيق أهداف كل منهما.
صورة لـ"المرشد الأعلى" الراحل علي خامنئي، الذي قُتل في 28 فبراير/شباط في ضربات جوية إسرائيلية وأميركية، معروضة في مصلى الإمام الخميني الكبير خلال مراسم وداع شعبية له، في طهران، إيران، 4 يوليو/تموز 2026
يقر استراتيجيون إسرائيليون بأن الحكومة الإيرانية لم تضعف بالقدر الكافي على الرغم من كل ما بذلوه من جهود. وقال يعقوب عميدرور، مستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو: "ضعفت الدولة، لكن ليس بما يكفي، وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بإضعاف الدولة لمجرد إضعافها، بل بدفع الإيرانيين إلى إسقاط النظام، وهذا لم يحدث بعد".
لا توجد طريقة مضمونة لإسقاط الحكومة الإيرانية، وبالتأكيد لا توجد طريقة سريعة، ولا يملك أي طرف خارجي سوى عدد محدود من الخيارات، لكن هذه الحقيقة معروفة منذ مدة، وكان ثمة سبب دفع الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى اعتماد استراتيجية مختلفة. فقد تصور مع الاتفاق النووي لعام 2015 أن تحسن المنافع الاقتصادية مستويات معيشة الإيرانيين بمرور الوقت، وتعزز نفوذ المعتدلين، وتخلق ظروفا تسمح بحدوث تغيير سياسي من الداخل.
أما ترمب، فقد اعتمد بدلا من ذلك سياسة "الضغط الأقصى" ضد إيران، ثم أتبعها بحرب وحصار، وقد تهيئ هذه السياسة ظروفا تفضي إلى غضب شعبي واسع ضد الحكومة وانتفاضات مفاجئة، لكن لا يوجد ما يضمن أن تطيح هذه الانتفاضات بالحكومة في ظل غياب معارضة سياسية منظمة.
في الوقت الراهن، يعزز ترمب نفوذ المتشددين في إيران، الذين سيبقون بلا شك بعد انتهاء ولايته، وتمنحهم الهجمات والحصار سببا للبقاء في حالة تعبئة حربية، بينما يرجح أن تقع آثار انهيار الاقتصاد على الناس بدرجة أكبر مما تقع على الحكومة وأتباعها الثوريين.