أفول الفجر الكاذب لأسواق الطاقة

انهيار الصفقة الأميركية - الإيرانية يشعل فتيل القتال مجددا... وسط مخاوف من تداعيات قاسية على أسعار النفط.

خاص ("المجلة")
خاص ("المجلة")

أفول الفجر الكاذب لأسواق الطاقة

تحولت الهدنة التي أنهت حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران، ومعها مذكرة التفاهم التي أرستها بين البلدين، إلى مجرد حبر على ورق، إثر انفجار التصعيد العسكري في منطقة الخليج وتزامنه مع هجوم اقتصادي شنته واشنطن.

ويبقى السؤال البديهي: ماذا بعد؟ أما الإجابة، فلا أحد يملكها.

فالدافع الأول وراء توقيع إدارة ترمب مذكرة التفاهم مع إيران كان إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، ووقف الغارات التي عجزت عن تغيير حسابات طهران الاستراتيجية، لكن بعد ثلاثة أسابيع فقط، تبدو الهدنة وقد "انتهت"، على حد تعبير ترمب، بعدما انهارت ركائز أساسية في المذكرة، وعاودت أسعار النفط الارتفاع، وظهر النظام الإيراني بموقف أكثر تشددا مما كان عليه من قبل.

وقالت إيلي جيرانمايه، زميلة السياسات الأولى ونائبة رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "كان الجميع يتوقع أن تخضع مذكرة التفاهم للاختبار في مرحلة ما، أعتقد أن تلك اللحظة جاءت أسرع مما كان متوقعا".

(رويترز)
المدمرة الأميركية "توماس هدنر" تطلق صاروخ توماهوك في عملية "الغضب الملحمي" ضد إيران، موقع غير معلن، 1 مارس 2026

بدأ الاشتعال كله عندما هاجمت إيران في وقت سابق من هذا الأسبوع عددا من السفن التي كانت تعبر مضيق هرمز، لأنها سلكت مسارا يلتف بمحاذاة الساحل العماني، بعيدا عن نطاق سيطرتها، وجاء رد ترمب سريعا يوم الثلاثاء، عبر ضربات جوية استهدفت منشآت رادار ومواقع دفاع جوي إيرانية، قبل أن يلمح يوم الأربعاء إلى احتمال شن جولات أخرى، وهو ما لا ينسجم مع نص مذكرة التفاهم أو روحها، إذ تستهل ببند يتعهد فيه البلدان بالامتناع عن الأعمال العدائية.

 

إعادة فرض الحصار الأميركي على إيران ستنسف ما تبقى من اتفاق السلام الهش

قال ترمب عن الهدنة مع إيران، خلال حديثه في قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا يوم الأربعاء: "أعتقد أنها انتهت، لا أريد التعامل معهم بعد الآن، إنهم مختلون، يقودهم أشخاص مختلون، وهم أناس شرسون وعنيفون، ولو امتلكوا سلاحا نوويا، لاستخدموه، بالنسبة إلي، انتهى الأمر".

(تسنيم/وانا /رويترز)
السفينة "إبامينونداس" أثناء احتجازها من "الحرس الثوري" الإيراني في مضيق هرمز، إيران. 24 أبريل 2026

لكن ما لم ينته، رغم الفجر الكاذب الذي خيم على الأسابيع الثلاثة الماضية، هو دراما قطاع النفط والاقتصاد العالمي الأوسع، فبينما كانت الولايات المتحدة تشن ضرباتها الجوية، كانت تطلق في الوقت نفسه هجوما اقتصاديا ضد إيران، بعدما ألغت الإعفاءات المؤقتة من العقوبات التي منحها ترمب لصادراتها النفط بموجب مذكرة التفاهم.

وقد لا يغير هذا الإجراء الكثير على أرض الواقع، فمعظم المشترين ظلوا يتجنبون النفط الإيراني تماما، بينما ستواصل الصين شراء النفط الإيراني سواء حصلت على ضوء أخضر من واشنطن أم لم تحصل، أما الخصومات التي قد تضطر طهران إلى تقديمها نتيجة العودة إلى المبيعات غير القانونية، فسيعوضها صعود أسعار النفط عالميا، إذ قفز خام برنت يوم الأربعاء إلى نحو 80 دولارا للبرميل، بعد أسابيع ظل خلالها مستقرا في نطاق أواخر الستينات.

 

جنت إيران ثمار رفع الحصار الأميركي وصدرت نحو 60 مليون برميل بعائدات بلغت 4 مليارات دولار

وقد جنت إيران ثمار رفع الحصار الأميركي، فاستأنفت شحن نفطها إلى مشترين في الأسواق الآسيوية، ورغم تباين التقديرات، يبدو أن طهران نجحت، خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم، في تصدير نحو 60 مليون برميل من النفط، بعائدات بلغت 4 مليارات دولار، وذلك قبل الإفراج المرتقب عن أرصدتها المحتجزة، وهو بند أساسي نصت عليه المذكرة.

لكن ما سيحدث فارقا حقيقيا هو إعادة فرض الحصار الأميركي على إيران، وهي الفكرة التي لوح بها ترمب يوم الأربعاء خلال مؤتمر صحافي في تركيا، ورغم أن خطوة كهذه ستنسف ما تبقى من اتفاق السلام الهش، فقد تكون الورقة الوحيدة المتاحة لواشنطن كي تستعيد اليد العليا في معركة خسرتها قبل أسابيع.

(رويترز)
"الجنرال دان كين" رئيس هيئة الأركان الأميركية بجوار خريطة تظهر خط حصار مضيق هرمز، البنتاغون، واشنطن. 16 أبريل 2026

وعلقت جيرانمايه قائلة: "كان من المفترض أن يكون مضيق هرمز الإنجاز الحقيقي لترمب، لكنه لم يعد كذلك، وإذا أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها، فسنعود إلى هدنة شبيهة بتلك التي استمرت من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران".

تمثل عودة القتال إلى المنطقة، بعد أسابيع قليلة من الهدوء النسبي، صفعة قوية لمنتجي النفط الذين يحاولون تفريغ الشحنات المخزنة على ناقلات كانت عالقة في السابق، ويقدرون الوقت اللازم لإنعاش الإنتاج في الحقول التي شلتها الحرب، وفي ظل هذه الأجواء، قد يجد المراهنون على انخفاض أسعار النفط أنفسهم مضطرين إلى سبات طويل هذا الصيف.

غير أن انهيار الهدنة يكشف عن سوء فهم أعمق بين واشنطن وطهران بشأن القضية التي باتت الأكبر في الوقت الراهن، حتى إنها طغت على الملف النووي نفسه: ما مستقبل مضيق هرمز؟ فبموجب مذكرة التفاهم التي وقعها ترمب شخصيا، منحت إيران صلاحية تنظيم الملاحة في المضيق طوال فترة المحادثات الثنائية، على أن يكون لها لاحقا رأي في تأسيس نظام ملاحي جديد، قد يشمل فرض رسوم أو أجور عبور مقابل السماح للسفن بمغادرة الخليج.

(رويترز)
قاطرات ترافق ناقلة النفط "أوديسا" المحملة بخام إماراتي في ميناء دايسان بكوريا الجنوبية، بعد عبورها مضيق هرمز. 8 مايو 2026

 

عودة القتال صفعة قوية لمنتجي النفط الذين يحاولون إنعاش الإنتاج في الحقول التي شلتها الحرب

 

تصر إيران على التمسك بورقة الضغط التي تملكها في هذا الممر الملاحي الحيوي، فقد صرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم الأربعاء بأن الولايات المتحدة خرقت مذكرة التفاهم حين رفضت الانصياع لقواعد طهران الملاحية.

وفي هذا السياق، قالت جيرانمايه: "من وجهة نظر طهران، بات مضيق هرمز اليوم يوازي في أهميته حق التخصيب النووي، فهم يدركون تماما أن السياسة الأميركية يمكن أن تتغير في أي وقت، لكن الجغرافيا ثابتة لا تتغير".

أما الولايات المتحدة، فرغم موافقتها على السيطرة الإيرانية على المضيق، لا تنظر إلى الأمر من الزاوية نفسها، فقد واصلت تسيير السفن عبر مسارات بديلة، وأحيانا تحت حماية بحريتها، وهو ما ساعد على إنعاش حركة الملاحة في هرمز مؤخرا، لترتفع من نقطة الصفر إلى أكثر من ثلث مستويات ما قبل الحرب، ولم يشل تجدد القتال حركة المرور بعد، لكنه قد يفعل ذلك في وقت لا تزال فيه مخزونات النفط العالمية ترزح تحت ضغوط شديدة.

(رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحطة نفطية في جزيرة خرج بإيران. 25 فبراير 2026

لكن إذا كان القتال الذي اندلع أواخر فبراير/شباط وتوقف في يونيو/حزيران لم ينته حقا، فأين يترك ذلك خطط إدارة ترمب لمواجهة إيران وبرنامجها النووي، ودعمها لوكلائها الإرهابيين، وورقة الضغط الجديدة التي تملكها في مضيق هرمز؟ وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ونائب الرئيس جيه دي فانس قد تعهدا سابقا بأن حرب ترمب مع إيران لن تكون "حربا أبدية"، غير أن الواقع بدأ يرسمها على هذا النحو تماما.

وقد شبه ريتشارد نيفيو، خبير العقوبات في جامعة كولومبيا والمسؤول الأميركي السابق، ترامب بـ"الفأر العالق في مصيدة"، وأضاف: "لا يستطيع أي طرف أن يحسم هذا القتال لمصلحته، ومع ذلك يعتقد كل منهما أنه المنتصر، نحن أمام قصة ما زلنا نعيش فصلها الأول".

font change

مقالات ذات صلة