في منتصف مارس/آذار 2021، زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قناة السويس ليشكر العاملين فيها على إعادة فتح هذا الممر البحري الحيوي. وكان جنوح سفينة حاويات عملاقة قبل أيام واحتجازها عرضيا في القناة قد أدى إلى إغلاقها، في حادث أربك شريانا يمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية سنويا.
وخلال الزيارة، سأل صحافي السيسي عن تشييد إثيوبيا السدود على نهر النيل، المصدر الرئيس للمياه العذبة في مصر، فجاء رده صارما وقاطعا: لا يستطيع أحد أن ينتزع قطرة واحدة من حصة مصر السنوية من مياه النهر.
وقال بثقة: "لا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا... واللي عايز يجرب يجرب"، موجها رسالة إلى إثيوبيا التي كانت آنذاك تواصل بناء سد النهضة الكبير، أكبر سد على النيل الأزرق، الرافد الرئيس لنهر النيل. وقبل ذلك بثوان، كان السيسي قد أكد تفضيل بلاده التفاوض للتوصل إلى اتفاق تعاقدي بشأن تشغيل سد النهضة وملء خزانه.
بعد نحو خمس سنوات، يبدو مثل هذا الاتفاق بعيد المنال، بل إن إثيوبيا تصعّد اليوم خطابا بشأن النهر المشترك يصفه المصريون بأنه "معرقل."
وفي منتصف أغسطس/آب، قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا جيلاتا إن بلاده باتت تسيطر بصورة كاملة على تدفق مياه النهر إلى دول المصب، وأكد كذلك خطط إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، كانت قد أعلنت عنها للمرة الأولى في مارس من هذا العام.
الغضب المصري
أثارت تصريحات الوزير الإثيوبي أسئلة تتصل بالمستقبل أكثر من الحاضر، وأعادت إنذار السيسي عام 2021 إلى الواجهة، واضعة إياه أمام اختبار فعلي.
وردت مصر بتصعيد مماثل. وقال وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن بلاده تحتفظ بحقها في الدفاع عن حقوقها في مياه النيل.
كما أعلن وزير الموارد المائية والري هاني سويلم رفض مصر بناء سدود إضافية على النيل، ووصف سد النهضة بأنه مشروع "غير شرعي."
يتسق هذا السيل من التصريحات مع موقف مصر الرسمي من سد النهضة خلال السنوات الماضية، ويعكس غضب القاهرة العميق إزاء مشروع يخشى المصريون أن يهدد مصدر الحياة لأكثر من 110 ملايين نسمة: نهر النيل.

غير أن هذا الغضب اقترن بقدر مما يسميه المصريون "الصبر الاستراتيجي"، أي الابتعاد المتعمد عن ردود الفعل الآنية. وربما استند هذا الصبر إلى قناعة لدى صناع القرار المصريين بأن كلفة أي عمل عنيف ضد سد النهضة قد تفوق كلفة الامتناع عنه.




