مشاريع سدود جديدة... إثيوبيا وتجاهل مبدأ عدم "الإضرار الجسيم" بدول المصب

"صبر استراتيجي" ينفد

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
علم أثيوبيا أمام سد النهضة، في حفل افتتاح السد في منطقة جوبا 9 سبتمبر 2025

مشاريع سدود جديدة... إثيوبيا وتجاهل مبدأ عدم "الإضرار الجسيم" بدول المصب

في منتصف مارس/آذار 2021، زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قناة السويس ليشكر العاملين فيها على إعادة فتح هذا الممر البحري الحيوي. وكان جنوح سفينة حاويات عملاقة قبل أيام واحتجازها عرضيا في القناة قد أدى إلى إغلاقها، في حادث أربك شريانا يمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية سنويا.

وخلال الزيارة، سأل صحافي السيسي عن تشييد إثيوبيا السدود على نهر النيل، المصدر الرئيس للمياه العذبة في مصر، فجاء رده صارما وقاطعا: لا يستطيع أحد أن ينتزع قطرة واحدة من حصة مصر السنوية من مياه النهر.

وقال بثقة: "لا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا... واللي عايز يجرب يجرب"، موجها رسالة إلى إثيوبيا التي كانت آنذاك تواصل بناء سد النهضة الكبير، أكبر سد على النيل الأزرق، الرافد الرئيس لنهر النيل. وقبل ذلك بثوان، كان السيسي قد أكد تفضيل بلاده التفاوض للتوصل إلى اتفاق تعاقدي بشأن تشغيل سد النهضة وملء خزانه.

بعد نحو خمس سنوات، يبدو مثل هذا الاتفاق بعيد المنال، بل إن إثيوبيا تصعّد اليوم خطابا بشأن النهر المشترك يصفه المصريون بأنه "معرقل."

وفي منتصف أغسطس/آب، قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا جيلاتا إن بلاده باتت تسيطر بصورة كاملة على تدفق مياه النهر إلى دول المصب، وأكد كذلك خطط إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، كانت قد أعلنت عنها للمرة الأولى في مارس من هذا العام.

الغضب المصري

أثارت تصريحات الوزير الإثيوبي أسئلة تتصل بالمستقبل أكثر من الحاضر، وأعادت إنذار السيسي عام 2021 إلى الواجهة، واضعة إياه أمام اختبار فعلي.

وردت مصر بتصعيد مماثل. وقال وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن بلاده تحتفظ بحقها في الدفاع عن حقوقها في مياه النيل.

كما أعلن وزير الموارد المائية والري هاني سويلم رفض مصر بناء سدود إضافية على النيل، ووصف سد النهضة بأنه مشروع "غير شرعي."

يتسق هذا السيل من التصريحات مع موقف مصر الرسمي من سد النهضة خلال السنوات الماضية، ويعكس غضب القاهرة العميق إزاء مشروع يخشى المصريون أن يهدد مصدر الحياة لأكثر من 110 ملايين نسمة: نهر النيل.

(المستودع الرقمي لإعلام مصر الرسمي)
وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مقر قيادة الدولة الاستراتيجية، المعروف باسم "الأوكتاغون"، في العاصمة الإدارية الجديدة، في 4 يوليو 2026

غير أن هذا الغضب اقترن بقدر مما يسميه المصريون "الصبر الاستراتيجي"، أي الابتعاد المتعمد عن ردود الفعل الآنية. وربما استند هذا الصبر إلى قناعة لدى صناع القرار المصريين بأن كلفة أي عمل عنيف ضد سد النهضة قد تفوق كلفة الامتناع عنه.

ردّت مصر بتصعيد على التصريحات الإثيوبية أن أديس أبابا باتت تسيطر بصورة كاملة على تدفق مياه النهر إلى دول المصب، وأعلن وزير الخارجية المصري أن القاهرة تحتفظ بحقها في الدفاع عن حقوقها في مياه النيل

وظلت القاهرة، في الوقت نفسه، تراهن على أن تحقق الدبلوماسية هدفها في الحفاظ على حصتها التاريخية من مياه النيل من دون قتال. لكن ما يقرب من عقد من المفاوضات مع إثيوبيا لم يفض إلى نتيجة، ولم تسفر عشرات الاجتماعات في القاهرة وأديس أبابا والخرطوم عن اتفاق.

كما أخفقت محاولات الوساطة الأميركية والأفريقية في إقناع إثيوبيا بتوقيع وثيقة ملزمة قانونا تضمن استمرار حصول مصر على حصتها السنوية من مياه النيل، بما في ذلك خلال فترات الجفاف.

ومن هنا يمكن فهم التحول الراهن في الخطاب المصري تجاه إثيوبيا. ويرى محللون أن هذا التحول يعكس تراجع ثقة القاهرة في الدبلوماسية كأداة لتسوية النزاع.

واتهم وزير الري المصري الأسبق محمد نصر علام إثيوبيا بالسعي، من خلال إقامة السدود على النيل، إلى حرمان مصر من نهر ظل يجري إليها منذ أكثر من سبعة آلاف عام.

وقال لـ"المجلة": "وبالتالي ستستخدم مصر كل الوسائل لمنع حدوث ذلك."

وكان علام وزيرا في آخر حكومات الرئيس حسني مبارك، قبيل ثورة عام 2011 التي سبقت إطلاق مشروع سد النهضة بفترة وجيزة. وهو مقتنع بأن سد النهضة وغيره من السدود المخطط لبنائها على النيل الأزرق لا ترتبط باحتياجات إثيوبيا إلى المياه أو الكهرباء.

ويرى أن بعض القوى الإقليمية والدولية تستخدم إثيوبيا لإضعاف مصر من خلال تهديد شريان حياتها. وقال علام: "لهذا السبب باتت كل الخيارات مطروحة على الطاولة"، من دون أن يحدد ماهية تلك الخيارات.

أهمية سد النهضة لإثيوبيا

بلغت كلفة بناء سد النهضة نحو خمسة مليارات دولار، وتصل سعته التخزينية إلى 74 مليار متر مكعب، فيما تبلغ قدرته على إنتاج الكهرباء 5150 ميغاواط.

وتقول إثيوبيا إن السد سيساعد على انتشال عشرات الملايين من مواطنيها من الفقر، في بلد يعيش نحو 86 مليون شخص فيه، أي قرابة 72 في المئة من السكان، في فقر متعدد الأبعاد.كما يفتقر نحو 55 في المئة من الإثيوبيين إلى الكهرباء، فيما تعاني المناطق الريفية فقرا شبه كامل في الطاقة واعتمادا كبيرا على الكتلة الحيوية.

.أ.ف.ب
علم أثيوبيا أمام سد النهضة، في حفل افتتاح السد في منطقة جوبا 9 سبتمبر 2025

غير أن محللين إثيوبيين يرون أن أهمية السد تتجاوز توليد الكهرباء. ووصف المحلل السياسي الإثيوبي جمال علي بشير سد النهضة بأنه مشروع تنموي "استراتيجي"، وأضاف أن إثيوبيا، رغم وفرة مواردها المائية، عانت على الدوام من نقص الكهرباء، ولا سيما في المناطق الريفية.

وقال بشير لـ"المجلة": "إلى جانب توفير الكهرباء لسكان الريف الإثيوبي، سيمنح سد النهضة القطاع الصناعي مصدرا رخيصا للطاقة."

وأردف قائلا: "كما ستدر صادرات الكهرباء إلى الدول المجاورة إيرادات تحتاج إليها الخزانة الوطنية بشدة."

ويرى بشير– الذي نفى الاتهامات المصرية بأن بلاده تقيم السدود على النيل للإضرار بدول المصب–  أن المنطق الأساسي وراء سد النهضة والسدود الأخرى المزمع تنفيذها هو استغلال موارد إثيوبيا المائية التي ظلت غير مستثمرة على مدى قرون.

وقال: "على العكس تماما، تهدف هذه المشاريع إلى توليد الكهرباء. كما ستنظم تدفق مياه النهر إلى السودان، بما يحميه من الفيضانات ويتيح تشغيل سدوده على النيل بكفاءة أكبر."

تراهن إثيوبيا على السدود لانتشال مواطنيها من الفقر ويفتقر 55 في المئة من الإثيوبيين إلى الكهرباء، لكن السدود الثلاثة الجديدة بكلفة عشرة مليارات دولار تصطدم بالأزمة الاقتصادية الحادة والديون

وتأمل إثيوبيا أن تجني نحو مليار دولار سنويا من صادرات الكهرباء إلى الدول المجاورة بعد دخول سد النهضة مرحلة التشغيل الكامل. غير أن الحديث عن الأضرار المحتملة لهذه السدود على دول المصب يغيب عن الدفاع الإثيوبي عن تلك المشاريع.

وقد أدى عدم مشاركة إثيوبيا المعلومات التشغيلية الخاصة بسد النهضة مع دول المصب إلى مشكلات خلال الأشهر الماضية، كان السودان الأكثر تأثرا بها. فقد تسبب التصريف غير المنسق لكميات ضخمة من المياه عبر مفيضات السد خلال موسم الأمطار في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي في فيضانات بالسودان، لتضاف إلى أزمات بلد أنهكته الحرب.

ويرى متخصصون أن غياب التنسيق مع دول المصب خلال فترات الجفاف أو انخفاض هطول الأمطار قد يفضي كذلك إلى كوارث مماثلة.

سلسلة سدود بقيمة 10.5 مليار دولار

لا تتوفر معلومات كثيرة عن كيفية تمويل إثيوبيا بناء سدودها الثلاثة الجديدة على النيل الأزرق.

وتبلغ القدرة الإجمالية المتوقعة للسدود الثلاثة، كارادوبي وماندايا وبيكو آبو، نحو 5700 ميغاواط، أي أكثر من قدرة سد النهضة، فيما تقدر كلفة بنائها بنحو عشرة مليارات دولار. وتأمل أديس أبابا في إنجاز المشاريع الثلاثة خلال سبع سنوات من بدء أعمال البناء.

وتسعى إثيوبيا، من خلال هذه المشاريع، إلى تكرار تجربة سد النهضة وتحويلها إلى نموذج وطني لتنمية قطاع الطاقة.

ويرى معهد الشؤون الخارجية، وهو مركز أبحاث إثيوبي، أن بناء السدود الثلاثة سيعزز منظومة الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا، ويوسع قدراتها في توليد الكهرباء، وقد يقوي دورها في أسواق الطاقة الإقليمية.

رويترز
نهر النيل الأزرق بعد ملء خزان سد النهضة الإثيوبي الكبير بالقرب من الحدود الإثيوبية السودانية، في 6 نوفمبر 2020

وكتب المعهد في ورقة بحثية حديثة: "أظهر سد النهضة قدرة إثيوبيا على إنجاز مشروع ذي أهمية على مستوى القارة."

وأضاف: "أما سلسلة السدود فستظهر شيئا مختلفا: الاستمرارية المؤسسية."

وأشار إلى أن تنفيذ مشاريع كبرى متعددة يتطلب خبرات هندسية مستدامة، وقدرة على إدارة المشاريع، وتمويلا، واستثمارات في شبكات نقل الكهرباء، وتنسيقا تنظيميا. وأضاف: "إذا استطاعت إثيوبيا إعادة إنتاج هذه القدرات في عدد من المشاريع، فستتحول الطاقة الكهرومائية من إنجاز بارز في البنية التحتية إلى ركيزة دائمة في الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية."

لكن فرص تمويل المشاريع الجديدة تبدو محدودة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة وأزمة الديون اللتين تعانيهما إثيوبيا بعد سنوات من الصراع والصدمات الخارجية.

لا تبالغ مصر حين تصف السدود بأنها "تهديد وجودي"، فحصتها التاريخية البالغة 55.5 مليار متر مكعب هي مصدرها الرئيس للمياه العذبة، بينما تعاني عجزا مائيا سنويا يبلغ نحو 33 مليار متر مكعب

وقد تلجأ الدولة الواقعة في القرن الأفريقي إلى الموارد المحلية والاعتماد على الذات، على غرار نموذج تمويل سد النهضة.

ويتوقع بشير أن تكرر الحكومة هذا النموذج في بناء السدود الثلاثة الجديدة.

وقال: "جاء تمويل بناء سد النهضة من المواطنين الإثيوبيين، بمن فيهم أفراد من الجاليات الإثيوبية في الخارج". وأضاف: "كما ساهمت فيه الحكومة الإثيوبية ودول صديقة ووكالات تنمية دولية."

مسألة وجودية

حين تصف مصر إقامة السدود على النيل من دون مراعاة لمصالح دول المصب بأنها تهديد وجودي، يصعب القول إنها تبالغ.

وتعكس هذه النظرة تعقيد ملف السدود الإثيوبية، والمكانة المصيرية التي يحتلها النيل في ضمان استمرار الحياة في مصر.

تحصل مصر سنويا على نحو 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، وهي حصة تاريخية نص عليها اتفاق لتقاسم المياه بين مصر والسودان يعود إلى عام 1959.

وتشكل هذه الحصة المصدر الرئيس للمياه العذبة في مصر، وهي دولة مكتظة بالسكان، يغلب عليها الطابع الصحراوي ولا تتلقى إلا كميات محدودة من الأمطار.

وظلت الحصة على حالها طوال عقود، رغم أن عدد سكان مصر زاد بأكثر من أربعة أضعاف منذ عام 1959.

وتعاني مصر حاليا عجزا مائيا سنويا يبلغ نحو 33 مليار متر مكعب، بحسب الحكومة.

وقد جعل هذا العجز مصر من بين أفقر دول العالم من حيث نصيب الفرد من المياه، بعدما انخفض إلى أقل من 490 مترا مكعبا سنويا، أي إلى أقل من نصف عتبة الفقر المائي التي تحددها الأمم المتحدة بألف متر مكعب.

ومن المتوقع أن يتسع هذا العجز مع استمرار نمو السكان، في وقت تسابق فيه الحكومات المتعاقبة لتأمين احتياجاتهم الغذائية.

ويقول خبراء إن انخفاض كميات المياه المتدفقة من سد النهضة إلى مصر من شأنه أن يفاقم ندرة المياه، ويهدد قدرة البلاد على توفير الغذاء لسكانها، ويلحق أضرارا جسيمة بأراضيها الزراعية.

شترستوك
نهر النيل في القاهرة

وقال الخبير الاقتصادي الزراعي نادر نور الدين إن مصر والسودان استفادتا من تزامن معظم مراحل ملء خزان سد النهضة الخمس، بين عامي 2020 و2024، مع مواسم الأمطار.

ولهذا، لم تتأثر الدولتان بصورة كبيرة بمراحل الملء.

لكن نور الدين قال إن آثار السد بدأت تظهر بوضوح على دولتي المصب بعد بدء تشغيله في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، فقد أدى تصريف المياه عقب تشغيل التوربينات إلى انخفاض كمية المياه المخزنة في خزان السد.

وعندما حل موسم الأمطار في مارس من هذا العام، أعطت إثيوبيا الأولوية لإعادة ملء الخزان على حساب إطلاق المياه إلى دول المصب.

وقال نور الدين لـ"المجلة": "أثر ذلك سلبا على السودان، حيث توقفت سدوده على النيل عن العمل."

وأضاف أن انخفاض هطول الأمطار في الموسم نفسه زاد الوضع سوءا، منتقدا الحكومة الإثيوبية لأنها لم تتقاسم مع السودان ومصر تبعات هذا الانخفاض.

وقال إن إثيوبيا فضلت بدلا من ذلك حجز كميات كبيرة من المياه، تاركة دولتي المصب تتحملان كامل عبء شح الأمطار. وأضاف نور الدين: "إن تصريف كميات أقل من المياه من السد الإثيوبي يؤدي تلقائيا إلى انخفاض كمية المياه المخزنة وراء السد العالي في مصر."

وتابع: "ومع مرور الوقت، سيظهر أثر هذا الانخفاض في مصر، وستتراجع قدرتها على تلبية احتياجاتها المائية."

ماذا بعد؟

تقول مصر إنها لا تعارض التنمية في إثيوبيا، لكنها تريد من أديس أبابا مراعاة مصالحها المائية.

ولهذا تطالب القاهرة باتفاق تعاقدي يضمن استمرار تدفق مياه النيل، بما في ذلك أثناء فترات الجفاف أو انخفاض هطول الأمطار.

غير أن الخطة الإثيوبية الجديدة لبناء سدود إضافية على النيل الأزرق تزيد صعوبة تحقيق هذا المسعى.

ويرى المصريون في هذه الخطة دليلا على أن هدف إثيوبيا يتجاوز توليد الكهرباء إلى توظيف النيل أداة لتعزيز نفوذها السياسي في مساعيها للهيمنة على القرن الأفريقي وحوض النيل.

وقد يفسر ذلك حدة الخطاب المصري في المرحلة الراهنة. أما ما إذا كان هذا التصعيد يمثل خروجا عن النهج المصري التقليدي في التعامل مع السدود الإثيوبية، فهو أمر لم يتضح بعد.

انتقلت مصر إلى "سياسة تطويق" عزّزت حضورها حول إثيوبيا، عبر نشر قوات في الصومال، واتفاقات دفاع مشترك في إريتريا وأوغندا، وبنت مشاريع مائية في دولٍ لحوض النيل، لتؤكد تبنيها الاستخدام المنصف والرشيد لمياه النهر

وغاب السودان إلى حد كبير عن النزاع بشأن سدود النيل منذ اندلاع الحرب الأهلية فيه عام 2023.

وقبل الحرب، تأرجح موقف الخرطوم بين التأييد والرفض. وكان مسؤولون سودانيون قد نظروا في البداية إلى سد النهضة باعتباره مشروعا مفيدا، على أمل أن تعوض الكهرباء الواردة منه جزءا من النقص المحلي.

أما نهج مصر تجاه السد فقد شهد تحولات عدة منذ إطلاق المشروع عام 2011.

في البداية، اعتمدت القاهرة الدبلوماسية في التعامل مع المشروع الإثيوبي العملاق، ثم تخلت عنها بعدما اتهمت إثيوبيا باستخدام مفاوضات سد النهضة لكسب الوقت إلى أن يصبح السد أمرا واقعا.

وانتقلت مصر لاحقا إلى سياسة تطويق عززت من خلالها حضورها في الجوار المباشر لإثيوبيا، سواء عبر نشر قوات كما في الصومال، أو من خلال توقيع اتفاقات للدفاع المشترك والتعاون العسكري، كما في إريتريا وأوغندا.

كما بنت مصر سدودا ونفذت مشاريع مائية في عدد من دول حوض النيل، في رسالة تؤكد تبنيها الاستخدام المنصف والرشيد لمياه النهر.

وفي القاهرة، يتوقع بعض المحللين أن تواجه مصر التصعيد الإثيوبي الجديد بالأدوات القديمة نفسها، ولكن بصورة أكثر حزما.

وقال المتخصص في الشؤون الأفريقية أشرف أبو السعود إن إثيوبيا تسعى إلى فرض ما وصفه بـ"عقيدة الهيمنة المائية" في حوض النيل.

وأضاف أن بناء ثلاثة سدود إضافية يهدف إلى إحكام سيطرة إثيوبيا على كميات المياه ومواعيد تدفقها إلى السودان ومصر.

أ.ف.ب
سكان يخوضون في المياه لإنقاذ ممتلكاتهم جراء فيضان نهر النيل في قرية ود رملي شمال الخرطوم، السودان، 1 أكتوبر 2025

وقال أبو السعود لـ"المجلة": "تريد إثيوبيا استخدام هذه السدود كورقة ضغط تشغيلية مرتبطة بسد النهضة، قبل إطلاق مياه النيل الأزرق منه إلى دول المصب."

ويتوقع أبو السعود أن لا يقتصر النهج الجيوسياسي المصري الجديد على الأمن المائي، وقال: "من المرجح أن تسعى القاهرة إلى خلق ديناميكية إقليمية جديدة تربط أمن إثيوبيا الجغرافي بالأمن المائي لمصر."

وأضاف أن القاهرة ستعمل على ذلك من خلال تعزيز تعاونها مع الدول المجاورة لإثيوبيا خلال الفترة المقبلة.

في المقابل، يرى محللون آخرون أن الخيارات الأكثر جذرية تبدو صعبة التطبيق في الوقت الراهن.

فمصر لا تستطيع قصف سد النهضة، إذ قد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى دمار واسع في السودان ومصر، لا سيما بعدما تحول السد، بما يختزنه من كميات هائلة من المياه، إلى ما يشبه قنبلة مائية.

كما أن الخيار العسكري قد يرتب على القاهرة كلفة سياسية ودبلوماسية باهظة.

ويبقى السؤال حول مدى قدرة تشديد استراتيجية التطويق المصرية على حماية حقوق القاهرة في مياه النيل من دون إجابة حاسمة. غير أن الطريقة التي ستتعامل بها مصر مع التصعيد الإثيوبي قد تعيد رسم قواعد النفوذ في القرن الأفريقي وحوض النيل لعقود مقبلة.

ولا يمكن فصل هذا الصراع عن سعي إثيوبيا إلى الحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر، ومعارضة مصر الشديدة لهذا المسعى.

وتواصل القاهرة حشد الدول المطلة على البحر الأحمر ضد الطموح الإثيوبي، إذ ترى أنه قد يمهد الطريق أمام إثيوبيا للسيطرة على شريان حياة آخر بالنسبة إليها: البحر الأحمر.

ويأتي تصعيد إثيوبيا خطابها بشأن مياه النيل في وقت تشدد فيه مصر موقفها الرافض للمسعى الإثيوبي على البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، يظل منطقيا احتمال أن تكون التصريحات الأخيرة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي ورقة مساومة جديدة تهدف إلى انتزاع تنازلات من مصر بشأن سعي أديس أبابا إلى موطئ قدم على البحر الأحمر.

font change

مقالات ذات صلة