العراق... بنادق بلا دولة ومهاترات بلا نهاية

استبعاد خيار المواجهة المسلحة مع الفصائل

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عنصر من قوات الحدود العراقية يقف على مدرعة متمركزة بمحاذاة جدار خرساني على الحدود العراقية- السورية، في بلدة الباغوز بقضاء القائم غربي العراق، في 21 يناير 2026

العراق... بنادق بلا دولة ومهاترات بلا نهاية

بدأنا نتحدث عن أيام معدودات لنهاية الموعد الذي حددته حكومة علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة في نهاية شهر سبتمبر/أيلول الحالي، ورغم نبرة الهدوء والابتعاد عن التصعيد بالتصريحات في خطاب الزيدي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وتحول خطاب أطراف "الإطار التنسيقي" نحو تداول "تنظيم" السلاح بدلاً من حصره، إلا أن المهاترات السياسية والخطابات المتشنجة لا تزال حاضرة وبقوة وتتصاعد نبرتها من قبل فصائل مسلحة، وتتماهى معها أطراف سياسية داخل "الإطار التنسيقي".

إيران دخلت على الخط بزيارات متعاقبة لأبرز القيادات العسكرية والسياسية، بدأت بزيارة إسماعيل قاآني قائد "فيلق القدس"، وأعقبها زيارة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، وآخرها كانت زيارة محسن قمي مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وجميع التصريحات العلنية أو الرسائل التي تم تسريبها بعد هذه الزيارات تؤكد على أن إيران لا تقبل بتسليم السلاح، ولا أن تتماهى تماماً حكومة الزيدي مع "الاشتراطات" الأميركية بخصوص سلاح الفصائل المسلحة.

تختلف مشكلة السلاح الموازي للدولة في العراق عن التجارب المشابهة في الدول الهشة التي لا تحتكر فيها الدولة السلاح. سلاح الفصائل في العراق يريد التداخل أو مصادرة المجال السياسي الذي هو حكر على الدولة، والذي يقوم على خاصية جوهرية تحتكر "التمييز بين الصديق والعدو"، وهو تمييز يحدد شكلَ السياسة ومضمونها. وبذلك، يترتب على تحديد مَن هو "العدو"، إعلان الحرب أو استخدام كلّ مقدرات الدولة لمواجهة العدو، وهو قرار سيادي تحتكره الدولة.

رويترز
عناصر من جماعة "كتائب حزب الله" العراقية المسلحة يشاركون في تشييع رفاقهم الذين قُتلوا في غارة جوية استهدفت مقرا لـ"الحشد الشعبي" قرب قضاء القائم غربي البلاد على الحدود السورية، في بغداد، 2 مارس 2026

لذلك تتداخل ثنائية السلاح والسياسة في العراق بشكل معقد، ولا سيما عندما ترفع شعارات "المقاومة" أو الدفاع عن النظام السياسي أو حماية "الحاكمية الشيعية". ولكن في الحقيقة تختفي تحت هذه الشعارات مشكلة السلاح الذي يريد أن يكون هو من يحدد الصديق والعدو. والمشكلة الأكثر تعقيداً أن جماعات السلاح لا تعترف باحتكار الدولة توجيه البوصلة نحو تمييز من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء.

الحصر أم التنظيم؟

يعشق ساسة العراق الفذلكة الكلامية، ويهيمون في التلاعب بالتوصيفات والمفاهيم. فبعد تغيير نظام صدام حسين وجدوا صعوبة في الاعتراف الصريح بالمحاصصة الطائفية والقومية في توزيع مغانم السلطة، ومن ثم ذهبوا نحو توصيفها "بالحكومة الوطنية" أو "الشراكة الوطنية". وعندما يخسرون في الانتخابات، يذهبون نحو ترويج خطابات تتحدث عن "الأوزان السياسية" بدلاً من "الاستحقاقات الانتخابية".

وفي الأيام الماضية، بات يتكرر كثيراً خطاب سياسي وحكومي يميز بين الفصائل المسلحة و"الحشد الشعبي". بينما يختفي فجأة هذا التمايز عندما يتم استهداف مقرات "الحشد الشعبي"! ولذلك، كانت هذه الفذلكة السياسية سواء كانت من اختراع ساسة "الإطار التنسيقي" أو الحكومة، سبباً في تعقيد التمييز بين من هو "الحشد الشعبي" ومن هم الفصائل! بدلاً من تهمة التداخل بين السياسة والسلاح في العمل السياسي الشيعي.

اليوم تعود الأطراف السياسية الشيعية إلى التلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، من دون معرفة الغاية الرئيسة من استبدال مفردة "حصر السلاح" بـ "تنظيم السلاح". إذ ربما هو تراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة، بسبب ممانعة الفصائل المسلحة، ومن ثم لا تريد أن يكون هناك إحراج للحكومة عندما يحين موعد 30 سبتمبر/أيلول. أو هي مراوغة سياسية للإبقاء على السلاح بيد الفصائل واقعاً، ويتم الترويج على أنه أصبح يخضع للتنظيم من قبل الدولة، وسيكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة. وقد يكون هذا التراجع تحت ضغط المطالب الإيرانية التي ترفض أن يكون هناك أي حديث عن تسليم السلاح. أو ربما تكون الاحتمالات الثلاثة متداخلة مع بعضها البعض.

أ.ف.ب
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يزور قبر أبو مهدي المهندس، أحد قادة "الحشد الشعبي"، التحالف العراقي المسلح الذي يضم فصائل موالية لإيران، في مدينة النجف وسط العراق، في 21 أغسطس 2026

بيد أن حصر السلاح بيد الدولة، كان ضمن برنامج حكومة علي الزيدي، والذي صوّت عليه مجلس النواب مع منح الثقة للحكومة. وبعد ذلك، حصل على دعم "ائتلاف إدارة الدولة" الذي يضم كل الأطراف السياسية المشاركة في الحكومة، وبحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان. وخرجوا ببيان عن أن أي سلاح خارج عن سلاح الدولة، سيعامل معاملة "الإرهاب"! وهذا ما يتناقض تماماً مع الانتقال بالخطاب السياسي من حصر السلاح إلى تنظيمه.

ويدرك جيداً رئيس الوزراء علي الزيدي، وأطراف "الإطار التنسيقي" وحتى الفصائل المسلحة، أن المطالب الأميركية التي تتعلق بنزع السلاح أو حصره تتحدد بالطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى التي تملكها الفصائل المسلحة. ومن ثم، كيف سيتم تنظيم ذلك السلاح، هل يكون بمنحه إجازة حمل وحيازة! أم إدخاله في مخازن أسلحة "الحشد الشعبي"، حيث لم تتمكن الحكومة حتى الآن من فك الارتباط بينه وبين الفصائل المسلحة.

حصر خطابات المهاترات

يميل زعماؤنا السياسيون إلى المهاترات السياسية، على عكس السياسيين في المعمورة الذين يدرسون المشاكل لتفاديها بأقل السبل إثارة للشقاق.

أمّا الزعماء عندنا فيتسلون بالمشاكل والغوص فيها وبإدامة الأزمات، لا بل أدمنوا عليها. يصف أستاذنا الراحل عالم الاجتماع فالح عبد الجبار السياسيَّ عندنا عموماً، وصاحب القرار خصوصاً، بأنّه يتسلى بالغوص في المشاكل، بل بات إنتاج المشاكل بالجملة أو بالتتابع لديه فولكلوراً. هكذا هو طيف صدام حسين، من مجابهة إلى أخرى، من سعي لتدمير هذا إلى تدمير ذاك، ومن حرب إلى أخرى، لكأنَّ العنف بات نوعاً من الإدمان.

يمكن وصف المهاترات السياسية باعتبارها أنموذجاً لشعبوية خطاب الطبقة السياسية، فهذه الطبقة تسوق نفسها على أنها- وهي دون غيرها من بقية الجماهير- تملك الحنكة والخبرة والدراية في معرفة دهاليز السياسة، وما يخطط له الأعداء من مؤامرات

يمكن وصف المهاترات السياسية باعتبارها أنموذجاً لشعبوية خطاب الطبقة السياسية، فهذه الطبقة تسوق نفسها على أنها- وهي دون غيرها من بقية الجماهير- تملك الحنكة والخبرة والدراية في معرفة دهاليز السياسة، وما يخطط له الأعداء من مؤامرات. ولذلك تجدها تقاتل على أكثر من جبهة، تارة تجد السياسيين يهاجمون خصومهم من السياسيين، وأخرى تجدهم يهاجمون دولاً من الجوار الإقليمي أو دولاً كبرى، باعتبارها تملك مشروعاً يستهدف العراق وشعبه.

هادي العامري القيادي في "الإطار التنسيقي"، وهو عضو اللجنة التي شكلها "الإطار" لحصر السلاح بيد الدولة، أراد الإشادة بدور سلاح الفصائل المسلحة التي تعمل تحت راية "المقاومة"، لكنه بدلاً من ذلك يعترف بتوريط سلاحها باستهداف "احتجاجات تشرين" 2019 الذي قتل فيه عشرات من الشباب المحتجين. إذ وصف العامري "المقاومة" بأنها "وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي"!

وقبل العامري، خرج مسؤول استخبارات حزام بغداد في "الحشد الشعبي"، والقيادي في "حركة النجباء"، بعد اعتقاله من قبل جهاز مكافحة الإرهاب، وتحدث عن ملابسات قضية اعتقاله واتهم توم باراك مبعوث الرئيس الأميركي الخاص للعراق وسوريا، بأنه "هو من خطط لكل هذه الأزمات، وبات مسيطرا على القرار السيادي... وجرنا إلى الاقتتال الداخلي"! وتوعد بإقامة دعوى قانونية ضد جهاز المخابرات، الذي وصفه بـ"الوطني العراقي"، بسبب "التهم الكيدية بحقه".

رويترز
قيس الخزعلي، زعيم جماعة "عصائب أهل الحق"، يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي خلال جلسة برلمانية للتصويت على حكومة برئاسة علي الزيدي في مقر البرلمان ببغداد، 14 مايو 2026

هذا الخطاب يؤكد التداخل بين "الحشد" والفصائل التي ترفض تسليم سلاحها، ومهاترات الخطاب الذي يتجاوز حدود الوظيفة الأمنية، وأيضاً الانفصال التام بين مؤسسات الدولة الأمنية، ومن يريد أن يرسل رسالة بأن سلاحه يمنحه السلطة على مؤسسات الدولة الأمنية الأخرى.

حسابات الربح والخسارة

عندما يتفق رئيس الوزراء علي الزيدي، ونوري المالكي وهادي العامري القياديون في "الإطار التنسيقي" وأعضاء اللجنة الثلاثية لحصر السلاح، على استبعاد خيار الصدام المسلح بين الدولة والفصائل المسلحة، ذلك يعني أن الحكومة وقوى "الإطار" والفصائل المسلحة تدرك تماماً حسابات الربح والخسارة في حالة اللجوء إلى استخدام القوة لحصر السلاح بيد الدولة.

يدرك الفاعلون السياسيون الشيعة خطورة الوصول إلى المواجهة المسلحة بين جماعات السلاح والحكومة

استبعاد خيار المواجهة المسلحة مع الفصائل، يرتبط بتوازنات المنظومة السياسية الحاكمة والحفاظ على مكاسبها في الحكم، أكثر من ارتباطه برفض وجود سلاح موازٍ للدولة يصادر قرار الحرب والسلام؛ لأن المنظومة الحاكمة، وتحديدا الشيعية، تختلف في التوجهات والرؤى وحتى في المواقف السياسية، ولكنها تتفق على شيء واحد، ألا وهو أولوية الحفاظ على مكاسبها التي يوفرها وجودها في دائرة السلطة والنفوذ.

وقد تقبل بصعود طرف على حساب طرف آخر، ولكن ترفض أي تهديد تكون خسارتها فيه كلية وليس جزئية، فقد تكون خارج معادلة الحضور والسطوة السياسية.

ولو حصل صدام مسلح بين الحكومة والفصائل المسلحة، نكون أمام معادلة رابح-خاسر. وهذا ما لا تريده قوى "الإطار التنسيقي". إذ لو ربحت الحكومة المعركة ونجحت في إنهاء وجود الفصائل وأنهت أي سلاح موازٍ لسلاح الدولة، فسيكون إنجاز سياسي يحسب لحكومة علي الزيدي، ويجعله في موقف أقوى.

رويترز
رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي يتحدث خلال جلسة برلمانية للتصويت على حكومة جديدة يرأسها في مقر البرلمان ببغداد، العراق، 14 مايو 2026

ومن ثم، قد يستثمره في سحب البساط من تحت أقدام القوى التقليدية المتنفذة، بعد أن يتزايد الدعم الشعبي لحكومته. ويكسب ثقة القوى الدولية والإقليمية.

أما لو ربحت الفصائل المسلحة جولة الصدام مع خطة الحكومة بحصر سلاحها، فستكون الحكومة في أضعف حالاتها. إذ ستخسر ثقة الشارع والمجتمع الدولي بعد أن وعدتهم بأن معركتها الأهم هي حصر السلاح بيد الدولة. وسينعكس ذلك على قوى "الإطار التنسيقي" التي ستجد نفسها الطرف السياسي الشيعي الأضعف في معادلة النفوذ أمام الفصائل المسلحة.

لذلك، يدرك الفاعلون السياسيون الشيعة خطورة الوصول إلى المواجهة المسلحة بين جماعات السلاح والحكومة، لأن الموضوع مرتبط بحسابات الربح والخسارة. ومن ثم، الإبقاء على ثنائية السلاح والسياسية حتى وإن كان ثمنه تقزيم الدولة، هو الأفضل من أن يكسب جولة الصدام المسلح أي طرف من الأطراف. وبالأخير البقاء على فوضى النظام في حساباتهم أفضل من خسارة طرف وربح طرف آخر.

font change

مقالات ذات صلة