بدأنا نتحدث عن أيام معدودات لنهاية الموعد الذي حددته حكومة علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة في نهاية شهر سبتمبر/أيلول الحالي، ورغم نبرة الهدوء والابتعاد عن التصعيد بالتصريحات في خطاب الزيدي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وتحول خطاب أطراف "الإطار التنسيقي" نحو تداول "تنظيم" السلاح بدلاً من حصره، إلا أن المهاترات السياسية والخطابات المتشنجة لا تزال حاضرة وبقوة وتتصاعد نبرتها من قبل فصائل مسلحة، وتتماهى معها أطراف سياسية داخل "الإطار التنسيقي".
إيران دخلت على الخط بزيارات متعاقبة لأبرز القيادات العسكرية والسياسية، بدأت بزيارة إسماعيل قاآني قائد "فيلق القدس"، وأعقبها زيارة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، وآخرها كانت زيارة محسن قمي مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وجميع التصريحات العلنية أو الرسائل التي تم تسريبها بعد هذه الزيارات تؤكد على أن إيران لا تقبل بتسليم السلاح، ولا أن تتماهى تماماً حكومة الزيدي مع "الاشتراطات" الأميركية بخصوص سلاح الفصائل المسلحة.
تختلف مشكلة السلاح الموازي للدولة في العراق عن التجارب المشابهة في الدول الهشة التي لا تحتكر فيها الدولة السلاح. سلاح الفصائل في العراق يريد التداخل أو مصادرة المجال السياسي الذي هو حكر على الدولة، والذي يقوم على خاصية جوهرية تحتكر "التمييز بين الصديق والعدو"، وهو تمييز يحدد شكلَ السياسة ومضمونها. وبذلك، يترتب على تحديد مَن هو "العدو"، إعلان الحرب أو استخدام كلّ مقدرات الدولة لمواجهة العدو، وهو قرار سيادي تحتكره الدولة.

لذلك تتداخل ثنائية السلاح والسياسة في العراق بشكل معقد، ولا سيما عندما ترفع شعارات "المقاومة" أو الدفاع عن النظام السياسي أو حماية "الحاكمية الشيعية". ولكن في الحقيقة تختفي تحت هذه الشعارات مشكلة السلاح الذي يريد أن يكون هو من يحدد الصديق والعدو. والمشكلة الأكثر تعقيداً أن جماعات السلاح لا تعترف باحتكار الدولة توجيه البوصلة نحو تمييز من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء.
الحصر أم التنظيم؟
يعشق ساسة العراق الفذلكة الكلامية، ويهيمون في التلاعب بالتوصيفات والمفاهيم. فبعد تغيير نظام صدام حسين وجدوا صعوبة في الاعتراف الصريح بالمحاصصة الطائفية والقومية في توزيع مغانم السلطة، ومن ثم ذهبوا نحو توصيفها "بالحكومة الوطنية" أو "الشراكة الوطنية". وعندما يخسرون في الانتخابات، يذهبون نحو ترويج خطابات تتحدث عن "الأوزان السياسية" بدلاً من "الاستحقاقات الانتخابية".
وفي الأيام الماضية، بات يتكرر كثيراً خطاب سياسي وحكومي يميز بين الفصائل المسلحة و"الحشد الشعبي". بينما يختفي فجأة هذا التمايز عندما يتم استهداف مقرات "الحشد الشعبي"! ولذلك، كانت هذه الفذلكة السياسية سواء كانت من اختراع ساسة "الإطار التنسيقي" أو الحكومة، سبباً في تعقيد التمييز بين من هو "الحشد الشعبي" ومن هم الفصائل! بدلاً من تهمة التداخل بين السياسة والسلاح في العمل السياسي الشيعي.
اليوم تعود الأطراف السياسية الشيعية إلى التلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، من دون معرفة الغاية الرئيسة من استبدال مفردة "حصر السلاح" بـ "تنظيم السلاح". إذ ربما هو تراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة، بسبب ممانعة الفصائل المسلحة، ومن ثم لا تريد أن يكون هناك إحراج للحكومة عندما يحين موعد 30 سبتمبر/أيلول. أو هي مراوغة سياسية للإبقاء على السلاح بيد الفصائل واقعاً، ويتم الترويج على أنه أصبح يخضع للتنظيم من قبل الدولة، وسيكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة. وقد يكون هذا التراجع تحت ضغط المطالب الإيرانية التي ترفض أن يكون هناك أي حديث عن تسليم السلاح. أو ربما تكون الاحتمالات الثلاثة متداخلة مع بعضها البعض.

بيد أن حصر السلاح بيد الدولة، كان ضمن برنامج حكومة علي الزيدي، والذي صوّت عليه مجلس النواب مع منح الثقة للحكومة. وبعد ذلك، حصل على دعم "ائتلاف إدارة الدولة" الذي يضم كل الأطراف السياسية المشاركة في الحكومة، وبحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان. وخرجوا ببيان عن أن أي سلاح خارج عن سلاح الدولة، سيعامل معاملة "الإرهاب"! وهذا ما يتناقض تماماً مع الانتقال بالخطاب السياسي من حصر السلاح إلى تنظيمه.
ويدرك جيداً رئيس الوزراء علي الزيدي، وأطراف "الإطار التنسيقي" وحتى الفصائل المسلحة، أن المطالب الأميركية التي تتعلق بنزع السلاح أو حصره تتحدد بالطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى التي تملكها الفصائل المسلحة. ومن ثم، كيف سيتم تنظيم ذلك السلاح، هل يكون بمنحه إجازة حمل وحيازة! أم إدخاله في مخازن أسلحة "الحشد الشعبي"، حيث لم تتمكن الحكومة حتى الآن من فك الارتباط بينه وبين الفصائل المسلحة.
حصر خطابات المهاترات
يميل زعماؤنا السياسيون إلى المهاترات السياسية، على عكس السياسيين في المعمورة الذين يدرسون المشاكل لتفاديها بأقل السبل إثارة للشقاق.
أمّا الزعماء عندنا فيتسلون بالمشاكل والغوص فيها وبإدامة الأزمات، لا بل أدمنوا عليها. يصف أستاذنا الراحل عالم الاجتماع فالح عبد الجبار السياسيَّ عندنا عموماً، وصاحب القرار خصوصاً، بأنّه يتسلى بالغوص في المشاكل، بل بات إنتاج المشاكل بالجملة أو بالتتابع لديه فولكلوراً. هكذا هو طيف صدام حسين، من مجابهة إلى أخرى، من سعي لتدمير هذا إلى تدمير ذاك، ومن حرب إلى أخرى، لكأنَّ العنف بات نوعاً من الإدمان.


