ربع قرن على 11 سبتمبر... من الحرب على الإرهاب إلى الأمن المتشابك

لم تعد القوة تقاس أساسا بالقدرة العسكرية

"المجلة"
"المجلة"

ربع قرن على 11 سبتمبر... من الحرب على الإرهاب إلى الأمن المتشابك

دشنت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 مرحلة جديدة في التفكير الأمني، تمحورت حول تحديد عدو بعينه والسعي إلى هزيمته: الإرهاب العابر للحدود. وبعد خمس وعشرين سنة، اتسع مفهوم الأمن ليشمل حماية منظومات مترابطة من طيف واسع من التهديدات والاضطرابات المتداخلة.

لقد غيّرت هجمات 11 سبتمبر مقاربة الأمن الدولي، بعدما جعلت الإرهاب العابر للحدود محور التفكير الأمني والتهديد الأبرز الذي انتظم حوله.

وقامت "الحرب على الإرهاب" التي أعقبتها على منطق استراتيجي واضح نسبيا: تحديد التنظيمات المعادية، وتعطيل شبكاتها، وحرمانها من السيطرة على الأراضي، واستخدام الأدوات العسكرية والاستخباراتية وأدوات إنفاذ القانون لهزيمتها. وشكّل هذا النموذج السياسة الخارجية الأميركية وجزءا كبيرا من التفكير الأمني الغربي على مدى عقدين، من أفغانستان والعراق إلى شراكات مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وأفريقيا.

رويترز
البرج المتبقي من مركز التجارة العالمي في نيويورك، البرج الثاني، ينهار في سحابة من الغبار والركام بعد نحو نصف ساعة من انهيار البرج التوأم الأول، في 11 سبتمبر 2001

وبعد خمسة وعشرين عاما على الهجمات، لم يختف الإرهاب، ولا يزال نموذج "الحرب على الإرهاب" يحتفظ بأهميته، كما أظهرت الهزيمة العسكرية لتنظيم "داعش" بفضل التحالف الدولي ضده. إلا أن هذا النموذج لم يعد الإطار الناظم الرئيس لفهم البيئة الأمنية الراهنة. فقد ظهرت تهديدات جديدة، وتغيرت طبيعة الأمن نفسه. وتبرز اليوم ثلاث قضايا أساسية في التفكير الأمني: صعود الحرب الهجينة. ومعنى المرونة والردع. والأمن باعتباره شبكة مترابطة.

صعود الحرب الهجينة وكيف غيّرت مفهوم الأمن القومي

أصبحت الحرب الهجينة أداة مألوفة في التنافس الجيوسياسي. وقبل 11 سبتمبر/أيلول، كان هناك تمييز أوضح بين "الحرب" وسائر التهديدات الأمنية. وخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تآكلت الحدود الفاصلة بين الحرب التقليدية بين الدول والحرب غير المتكافئة ضد الإرهابيين والمتمردين.

على الرغم من احتفاظ الولايات المتحدة بتفوقها في مجال الأمن الدولي، كشفت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر حدود الاستراتيجيات الأمنية التي تعتمد بصورة كبيرة على التدخل العسكري الأميركي المباشر

وتظهر حالتا روسيا وإيران كيف باتت الدول تستخدم بصورة اعتيادية أدوات الحرب غير المتكافئة، من الوكلاء والعمليات السيبرانية إلى التخريب وحرب المعلومات والعمل السري. وفي المقابل، باتت جهات غير حكومية تمتلك قدرات كانت ترتبط في السابق بالدول، من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة المتطورة إلى تقنيات المراقبة والحرب الإلكترونية.

ولم يعد في وسع السياسات الأمنية أن تركز أساسا على هزيمة عدو محدد يمكن التعرف إليه في ساحة معركة مادية. ومن هنا ينبغي النظر إلى الأمن نفسه من منظور هجين.

وينسحب هذا الطابع الهجين على مفهوم القوة أيضا. ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد القوة تقاس أساسا بالقدرة العسكرية، وإنما تعتمد كذلك على السيطرة على الأنظمة التكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية، وعلى قدرتها على الصمود. وكما أظهرت الحرب مع إيران بوضوح، بات الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية والطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية وتقنيات المراقبة المتقدمة عوامل متزايدة التأثير في قدرة الدول على المنافسة والدفاع عن نفسها.

رويترز
جنود من الكتيبة الثانية، الفوج المدرّع السبعين، في الجيش الأميركي ينظّفون معداتهم خلال عاصفة رملية أثناء توقف للتزود بالوقود في الصحراء جنوبي مدينة كربلاء في العراق، في 25 مارس 2003

وبالمثل، باتت مواطن الضعف الوطنية تنبع بصورة متزايدة من الاعتماد التكنولوجي. فإلى جانب القدرات العسكرية والسياسات الداخلية والخارجية، يعتمد الأمن القومي على الحوسبة السحابية والبنية التحتية للاتصالات والمنصات الرقمية، فضلا عن البنى المادية مثل الكابلات البحرية.

المرونة الاقتصادية ودورها في تعزيز الأمن القومي

توضح الحرب مع إيران كذلك المكانة المركزية للمرونة الاقتصادية في مفهوم الأمن. فسلاسل الإمداد، التي كان ينظر إليها في السابق أساسا من زاوية الكفاءة، باتت تخضع اليوم لمعيار القدرة على الصمود.

وكما حاولت إيران ووكلاؤها استخدام التعطيل الاقتصادي أداة في الحرب الهجينة، عبر السعي إلى إغلاق مضيق هرمز واستهداف الملاحة في البحر الأحمر، تستخدم الولايات المتحدة الإكراه الاقتصادي لمواجهة سياسات إيران المزعزعة للاستقرار. ويكشف ذلك عن تداخل متزايد بين السياسة الاقتصادية والسياسة الأمنية.

وفي مثل هذه الظروف، بات الأمن يعني على نحو متزايد الحفاظ على عمل المنظومات الحيوية. وهذا ما يفسر استثمار دول الخليج العربية في بدائل تكفل أمن إمدادات الغذاء والطاقة وتحافظ على انسياب تجارتها مع العالم.

ولا تقتصر أهمية المرونة في الأمن على الاقتصاد. فالتصور التقليدي للأمن القومي يقوم في جوهره على حماية الأرض والحدود والسكان والسيادة من الهجمات الخارجية. ولا تزال هذه المسؤوليات قائمة، غير أن الأنظمة التي تعتمد عليها المجتمعات أصبحت بدورها جبهات أمنية جديدة تحتاج إلى قدر كبير من القدرة على الصمود.

فبإمكان جهة معادية أن تحدث اضطرابا وطنيا خطيرا من خلال هجمات سيبرانية، من دون أن تعبر حدودا أو تطلق رصاصة واحدة. كما يمكن لتهديد بيولوجي أن يعطل الاقتصادات والمؤسسات والحدود والمجتمعات. ويمكن للتدمير البيئي المتعمد أن تكون له بدوره تداعيات أمنية، عبر تهديد الأمن الغذائي عندما تصبح الأراضي غير صالحة للزراعة، أو تتعطل إمدادات المياه أو تتلوث، أو تُفتعل كوارث بيئية تؤدي إلى نزوح السكان.

ويقف الردع على الجانب الآخر من معادلة المرونة. فخلال الحرب الباردة، تمحور مفهوم الردع إلى حد بعيد حول إقناع الخصم بأن أي عدوان سيستدعي ردا عسكريا بكلفة لا يستطيع تحملها. أما في مواجهة الأنشطة العدائية الهجينة، فقد صار تطبيق هذا المنطق أكثر تعقيدا.

وتؤكد الحرب مع إيران أن الردع الحديث يتطلب ما يتجاوز التهديد بالقوة العسكرية. فإلى جانب الردع العسكري، يمكن لشبكات الكهرباء القادرة على الصمود، وسلاسل الإمداد المتنوعة، والمؤسسات العامة المتينة، والأمن السيبراني، والبيئات المعلوماتية الموثوقة أن تؤدي أدوارا ردعية. وقد تجلى ذلك بوضوح في تعامل دول الخليج العربية مع الأنماط المختلفة من الهجمات الهجينة التي تعرضت لها من إيران.

كيف تغير مفهوم الأمن القومي الأميركي بعد 11 سبتمبر؟

على الرغم من احتفاظ الولايات المتحدة بتفوقها في مجال الأمن الدولي، كشفت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول حدود الاستراتيجيات الأمنية التي تعتمد بصورة كبيرة على التدخل العسكري الأميركي المباشر. والعراق مثال واضح على ذلك، إذ لا يزال البلد يواجه تداعيات الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.

رويترز
الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يخاطب الأمة من المكتب البيضاوي في البيت الأبيض بعد اصطدام ثلاث طائرات اختطفها مجهولون بمبنى البنتاغون ومركز التجارة العالمي في نيويورك، في 11 سبتمبر 2001

وتكشف الصورة الأوسع أن الولايات المتحدة نفسها باتت تتعامل مع الأمن الدولي على أنه شبكة مترابطة أكثر منه مجالا تستطيع إدارته بمفردها. فالأمن السيبراني والأمن البحري ومكافحة الإرهاب وأمن سلاسل الإمداد كلها تتطلب تعاونا استخباراتيا وعملياتيا واستراتيجيا بين الدول.

قبل خمسة وعشرين عاما، تمحورت أبرز هواجس الأمن القومي حول هزيمة الجهات التي تشكل تهديدا. واليوم، وسعت الحرب الهجينة أفق التفكير في المرونة والردع والأمن

ويكتسب ذلك أهمية أكبر لأن الاضطراب في منطقة جغرافية واحدة قد تمتد تداعياته إلى مناطق بعيدة. فكما يظهر في مضيق هرمز، يمكن لانعدام الأمن البحري في الشرق الأوسط أن يؤثر في حركة الشحن العالمية وأسواق الطاقة. وكما تبين الأوضاع في شرق أفريقيا وغربها، يمكن لعدم الاستقرار أن يعزز شبكات الإرهاب، ويفاقم ضغوط الهجرة، ويتسبب باضطرابات اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة.

ولهذا أصبحت الشراكات الإقليمية ذات أهمية بنيوية للأمن القومي الأميركي. وهذا يعني أن أمن الولايات المتحدة بات يعتمد بصورة متزايدة على قدرة الأنظمة الإقليمية نفسها على الصمود. وهذا يفسر الدعم الأميركي القوي لتعزيز الدولة السورية في مرحلة ما بعد الأسد، كما يفسر نظرة واشنطن إلى دول الخليج العربية باعتبارها شركاء أمنيين موثوقين.

ولا تعني هذه الدينامية أن شركاء الولايات المتحدة الأمنيين في المنطقة مجرد مكونات تابعة للاستراتيجية الأميركية. فخلافا للمرحلة التي أعقبت 11 سبتمبر، حين رأى كثيرون أن الهيمنة الأميركية كانت في صعود، أصبح شركاء واشنطن الإقليميون اليوم أطرافا تتمتع بهامش أكبر من الاستقلالية.

أ.ف.ب
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزير الدولة في وزارة الخارجية الإماراتية خليفة بن شاهين المرر، خلال اجتماع لوزراء خارجية دول إسلامية بشأن غزة، في إسطنبول، في 3 نوفمبر 2025

فدول مثل السعودية والإمارات وتركيا تحافظ على علاقات قوية مع واشنطن، في الوقت الذي تنخرط فيه مع الصين وروسيا وغيرهما. ومن مصلحة الولايات المتحدة بناء شبكات تعاون بين شركائها الذين باتوا أكثر استقلالية، والعمل على ترسيخ هذه الشبكات واستدامتها.

قبل خمسة وعشرين عاما، تمحورت أبرز هواجس الأمن القومي حول هزيمة الجهات التي تشكل تهديدا. واليوم، وسعت الحرب الهجينة أفق التفكير في المرونة والردع والأمن. ولا تزال القوة العسكرية التقليدية ومكافحة الإرهاب تحتفظان بأهميتهما، كما تؤكد حرب روسيا على أوكرانيا، واستمرار التهديدات الإرهابية في أفريقيا، والصراعات في الشرق الأوسط. أما التحول الأبرز منذ 11 سبتمبر/أيلول، فهو أن الأمن العسكري أصبح مكونا واحدا داخل منظومة أمنية أوسع بكثير.

font change

مقالات ذات صلة