قبل ربع قرن، وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، بدت العلاقات بين موسكو وواشنطن كأنها تتجه نحو شراكة استراتيجية غير مسبوقة. كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أول زعيم أجنبي يتصل بالرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يوم الهجمات، عارضاً تعاون موسكو الكامل في الحرب على الإرهاب. بل إن بوتين، رجل الاستخبارات الذي يعرف أفغانستان جيداً، كان قد اتصل ببوش بعد اغتيال القيادي الأفغاني أحمد شاه مسعود، قبل الهجمات بيومين، وقال له: "قُتل أحمد شاه مسعود، وأنا قلق للغاية".
بعد 25 عاماً على الهجمات الإرهابية، نعود مجدا إلى المحاضر السرية للقاءات والاتصالات بين بوش وبوتين، التي رُفع عنها الحظر أخيراً، وحصل عليها "أرشيف الأمن القومي" في جامعة جورج واشنطن. ونرصد كيف توطدت العلاقة بين الرئيسين على ركام الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، بفعل تشددهما المشترك تجاه الإرهابيين، وكيف ظهرت بين سطور الوثائق، منذ البداية، بذور الخلافات التي قادت لاحقاً إلى انهيار الشراكة.
اقرأ: بوتين لبوش بعد هجمات 11 سبتمبر: أنا تحت تصرفك
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود بوتين، كانت الآمال كبيرة إلى حد أن فكرة انضمام روسيا إلى "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) طُرحت في النقاشات، قبل تأسيس مجلس "الناتو–روسيا" عام 2002. وتعاون البلدان استخباراتياً وعسكرياً في أفغانستان، ومكافحة الإرهاب، ومنع الانتشار النووي، فيما توطدت العلاقة الشخصية بين سيدَي الكرملين والبيت الأبيض.
لم يقتصر التعاون الروسي على تبادل المعلومات. بعد الحرب الأميركية في أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001، دعمت موسكو "التحالف الشمالي" الأفغاني بالسلاح والمعدات، وقدمت معلومات استخباراتية عن "طالبان" و"القاعدة"، وسهّلت التعاون الأميركي مع دول آسيا الوسطى، ولم تعترض على استخدام واشنطن قواعد ومنشآت في المنطقة لتنفيذ عملياتها في أفغانستان.
لكن تلك الشراكة بدأت تتصدع تدريجياً بفعل الخلاف على توسع "الناتو"، وانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم "الثورات الملونة" في دول الاتحاد السوفياتي السابق. وجاء خطاب بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 ليعلن بوضوح انتهاء مرحلة الآمال الكبيرة، قبل حرب جورجيا عام 2008، وضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، وتدخلها العسكري في سوريا عام 2015.
أما نقطة التحول الأخيرة، فكانت الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان في أغسطس/آب 2021 وسقوط كابول في يد "طالبان". قرأ بوتين تخلي إدارة جو بايدن عن الحكومة الأفغانية وحلفائها بعد عشرين عاماً من الحرب مؤشراً إلى تراجع الإرادة الأميركية، واهتزاز ثقة حلفاء واشنطن بالتزاماتها. وبعد أربعة أشهر، قدمت موسكو إلى الولايات المتحدة و"الناتو" مشروعي اتفاق بشأن ما سمته "ضمانات أمنية"، قبل أن يغزو بوتين أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022.
بوش لبوتين: نادني جورج
قبل الوصول إلى هذه الشكوك هناك محطات من "الغرام"، نتوقف عند أهمها. إذ إنه بعد نحو ثلاثة أسابيع من لقائهما المباشر في سلوفينيا يوم 16 يونيو/حزيران 2001، اتصل بوتين ببوش لتهنئته بعيد ميلاده وباحتفال الولايات المتحدة بعيد الاستقلال. كانت المكالمة قصيرة جداً، لكنها اتسمت بالود وعبّرت عن تطلع الجانبين إلى التعاون.






