بوتين وأميركا في ربع قرن... من خندق 11 سبتمبر إلى جبهات أوكرانيا

المجلة
المجلة

بوتين وأميركا في ربع قرن... من خندق 11 سبتمبر إلى جبهات أوكرانيا

قبل ربع قرن، وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، بدت العلاقات بين موسكو وواشنطن كأنها تتجه نحو شراكة استراتيجية غير مسبوقة. كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أول زعيم أجنبي يتصل بالرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يوم الهجمات، عارضاً تعاون موسكو الكامل في الحرب على الإرهاب. بل إن بوتين، رجل الاستخبارات الذي يعرف أفغانستان جيداً، كان قد اتصل ببوش بعد اغتيال القيادي الأفغاني أحمد شاه مسعود، قبل الهجمات بيومين، وقال له: "قُتل أحمد شاه مسعود، وأنا قلق للغاية".

بعد 25 عاماً على الهجمات الإرهابية، نعود مجدا إلى المحاضر السرية للقاءات والاتصالات بين بوش وبوتين، التي رُفع عنها الحظر أخيراً، وحصل عليها "أرشيف الأمن القومي" في جامعة جورج واشنطن. ونرصد كيف توطدت العلاقة بين الرئيسين على ركام الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، بفعل تشددهما المشترك تجاه الإرهابيين، وكيف ظهرت بين سطور الوثائق، منذ البداية، بذور الخلافات التي قادت لاحقاً إلى انهيار الشراكة.

اقرأ: بوتين لبوش بعد هجمات 11 سبتمبر: أنا تحت تصرفك

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود بوتين، كانت الآمال كبيرة إلى حد أن فكرة انضمام روسيا إلى "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) طُرحت في النقاشات، قبل تأسيس مجلس "الناتو–روسيا" عام 2002. وتعاون البلدان استخباراتياً وعسكرياً في أفغانستان، ومكافحة الإرهاب، ومنع الانتشار النووي، فيما توطدت العلاقة الشخصية بين سيدَي الكرملين والبيت الأبيض.

لم يقتصر التعاون الروسي على تبادل المعلومات. بعد الحرب الأميركية في أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001، دعمت موسكو "التحالف الشمالي" الأفغاني بالسلاح والمعدات، وقدمت معلومات استخباراتية عن "طالبان" و"القاعدة"، وسهّلت التعاون الأميركي مع دول آسيا الوسطى، ولم تعترض على استخدام واشنطن قواعد ومنشآت في المنطقة لتنفيذ عملياتها في أفغانستان.

لكن تلك الشراكة بدأت تتصدع تدريجياً بفعل الخلاف على توسع "الناتو"، وانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم "الثورات الملونة" في دول الاتحاد السوفياتي السابق. وجاء خطاب بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 ليعلن بوضوح انتهاء مرحلة الآمال الكبيرة، قبل حرب جورجيا عام 2008، وضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، وتدخلها العسكري في سوريا عام 2015.

أما نقطة التحول الأخيرة، فكانت الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان في أغسطس/آب 2021 وسقوط كابول في يد "طالبان". قرأ بوتين تخلي إدارة جو بايدن عن الحكومة الأفغانية وحلفائها بعد عشرين عاماً من الحرب مؤشراً إلى تراجع الإرادة الأميركية، واهتزاز ثقة حلفاء واشنطن بالتزاماتها. وبعد أربعة أشهر، قدمت موسكو إلى الولايات المتحدة و"الناتو" مشروعي اتفاق بشأن ما سمته "ضمانات أمنية"، قبل أن يغزو بوتين أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022.

بوش لبوتين: نادني جورج

قبل الوصول إلى هذه الشكوك هناك محطات من "الغرام"، نتوقف عند أهمها. إذ إنه بعد نحو ثلاثة أسابيع من لقائهما المباشر في سلوفينيا يوم 16 يونيو/حزيران 2001، اتصل بوتين ببوش لتهنئته بعيد ميلاده وباحتفال الولايات المتحدة بعيد الاستقلال. كانت المكالمة قصيرة جداً، لكنها اتسمت بالود وعبّرت عن تطلع الجانبين إلى التعاون.

بوش لبوتين: "أتطلع إلى فرصة العمل معاً بروح جديدة، وأن نظهر للعالم أن محبي الحرية، أمثالك وأمثالي، يستطيعون الاتحاد ضد هؤلاء الجبناء"

وأشار بوتين إلى مجموعة العمل الأميركية–الروسية المعنية بالاستقرار الاستراتيجي، وإلى زيارتين مرتقبتين لوزيرَي التجارة والخزانة الأميركيين بهدف إطلاق التعاون الاقتصادي. وقال بوش إنه أبلغ وزيريه بأن "عليهما العمل بجد للبناء على مستوى الاحترام الذي بدأه" مع بوتين في سلوفينيا. وقال أيضاً إنه "يتشرف" بتلقي مكالمته، وأن على بوتين أن يناديه "جورج". وشدد على أن بوتين كان أول زعيم أجنبي يتصل به لتهنئته بعيد ميلاده. وأعرب بوش عن أسفه لغياب التقدم في ملف العراق، وعن أمله في التوصل إلى حل يسمح باستمرار العقوبات المفروضة على نظام صدام حسين بعد غزو الكويت عام 1990، مع ضمان "عدم الإضرار بالمصالح التجارية الروسية". وفي نهاية المحادثة، أثنى بوش على تحسن اللغة الإنجليزية لدى بوتين.

طرح البرنامج النووي الإيراني في لقائهما في سلوفينيا، وقال بوتين مخاطبًا بوش: "الخبراء الإيرانيون يطرحون الكثير من الأسئلة حول قضايا حساسة على خبرائنا. لا شك في أنهم يريدون امتلاك سلاح نووي. وقد أبلغتُ أفرادنا بعدم تزويدهم بمثل هذه المعلومات".

المجلة

وتُعد هذه العبارة أكثر تقييم موثّق وصريح مسجّل عن نظرة زعيم الكرملين إلى نوايا إيران النووية في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة وحرصهما على منع طهران من امتلاك القنبلة.

بوتين لبوش: أعلام روسيا ستنكّس حداداً

لا تتضمن الوثائق المنشورة محضراً لاتصال 9 سبتمبر/أيلول 2011 الذي حذّر فيه بوتين بوش بعد اغتيال أحمد شاه مسعود في أفغانستان، لكنها تتضمن نص المكالمة الهاتفية التي جرت في 12 سبتمبر/أيلول. ومثّلت هذه المكالمة، التي استمرت خمس دقائق في اليوم التالي لهجمات 11 سبتمبر، بداية ما وصفه بوش لاحقاً بأنه "تحالفه" مع روسيا ضد الإرهاب. وشكر بوش بوتين لكونه "أول زعيم اتصل" به. وأضاف: "أتطلع إلى فرصة العمل معاً بروح جديدة، وأن نظهر للعالم أن محبي الحرية، أمثالك وأمثالي، يستطيعون الاتحاد ضد هؤلاء الجبناء". من جهته، قال بوتين إن الأعلام الروسية ستنكّس حداداً، وقال لبوش: "أنا معك تماماً".

بعد ذلك، تكررت اللقاءات والاتصالات للتنسيق في مكافحة الإرهاب. وخلال اجتماع مباشر عقد في شنغهاي في أكتوبر/تشرين الأول 2001، بدأ بوتين بتوجيه ثناء عاطفي إلى بوش على طريقة تعامله مع هجمات 11 سبتمبر وحديثه عن الإرهاب. وقال إن أحداً لا يفهم مشاعره أفضل منه، وذكّر بوش بتفجيرات المباني السكنية في موسكو، مساوياً بين الحرب الروسية في القوقاز وحرب بوش العالمية على الإرهاب.

بدأ التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان في 7 أكتوبر 2001، عندما أطلقت واشنطن عملية "الحرية الدائمة" ضد تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان"، بعد أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر

كان لكل من الرجلين عدوه في قلب الحرب على الإرهاب. رأت واشنطن في أسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة" التهديد الأكبر، بينما كانت موسكو تنظر إلى القائد الشيشاني شامل باساييف وشبكات المقاتلين في شمال القوقاز امتداداً للتهديد نفسه. ومن هذا التقاطع، حاول بوتين إقناع بوش بأن حرب روسيا في الشيشان وحرب أميركا على "القاعدة" والهجوم على أفغانستان جبهة واحدة. وساوى بوتين بين المقاتلين الشيشانيين وتنظيم "القاعدة"، قائلاً: "إنهم تلاميذ بن لادن. لقد دربهم بن لادن. وكنت ستعرف ذلك لو رأيت الصور. إنهم يشبهونه حتى في مظهرهم". وقال بوتين إن رجال "القاعدة" سئموا "قتل الروس"، وأصبحوا يعتزمون الآن "قتل الأميركيين البدناء. سنعمل في أفغانستان ثم نعود إلى الشيشان".

وقدم الرئيس الروسي إلى بوش عرضاً عن الإرهاب الدولي. وتحدث عن التعاون الاستخباراتي، قائلاً: "تعاونت أجهزة استخبارات بلدينا بصورة كبيرة. لقد قدمنا إليكم معلومات كثيرة. وأصدرت تعليماتي: سحق (طالبان) يصب في مصلحتنا، ولذلك أعطوهم كل ما لدينا". واشتكى من أن تبادل المعلومات الاستخباراتية لم يكن متكافئاً من الجانب الأميركي. وشكره بوش على التعاون في مكافحة الإرهاب، قائلاً: "لا أستطيع أن أشكرك بما يكفي"، ووعد بالنظر في مسألة تبادل المعلومات الاستخباراتية الأميركية.

تعاون استخباراتي روسي... وإغلاق مركز تجسس

أراد بوتين إظهار تعاونه مع الولايات المتحدة، لكنه أراد أيضاً توضيح ما يأمل الحصول عليه في المقابل، وكان إلغاء تعديل "جاكسون–فانيك"، الذي قيد العلاقات التجارية مع روسيا، أحد أبرز أهدافه.

وأخبر بوش بأنه قرر إغلاق قاعدة الاستخبارات الإلكترونية الروسية في لورديس بكوبا: "فعلت ذلك لأسباب كثيرة، وكان يمكن أن تبقى مدة طويلة. لا أريد المساومة التجارية أو الجدال على التفاصيل الصغيرة أو بشأن من يحصل على ماذا. لذلك، اسمح لي بإثارة مسألة تعديل جاكسون–فانيك".

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في مقر الرئاسة في نوفو أوغاريفو، خارج موسكو، في 8 مايو 2005

وكان جورج بوش الأب قد حاول عام 1990 إقناع ميخائيل غورباتشوف بإغلاق قاعدة جمع المعلومات الاستخباراتية في كوبا، ووقف الدعم السوفياتي لها، لكنه أخفق. أما بوتين فكان مستعداً للمضي في ذلك.

استجاب بوش بحماسة لمقترحات بوتين، لكنه كان يضع أولوياته الخاصة في اعتباره، وقال: "يمكننا التوصل إلى اتفاق كبير يشمل أموراً كثيرة: (جاكسون–فانيك)، والمساعدة في إعادة هيكلة الديون، ومنظمة التجارة العالمية، ومواصلة حوارنا الاقتصادي". ووعد بالتحرك لدى الكونغرس في شأن "جاكسون–فانيك".

وكان بوش يريد موافقة بوتين على انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية، وعلى التعاون في أفغانستان والعراق وإيران ضمن إطار الحرب العالمية على الإرهاب. كما أراد توقيع معاهدة جديدة للأسلحة الهجومية الاستراتيجية بدلاً من استكمال ما تركه سلفه بيل كلينتون وبوريس يلتسين بشأن مفاوضات "ستارت-3". أراد بوش معاهدته الخاصة، وقال: "معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية كانت معاهدة نيكسون وبريجنيف، وأنا أريد اتفاق بوش–بوتين".

لكن بوتين لم يتراجع في شأن المعاهدة، وقال إنها كافية وأنه سيعلن أن الطرفين لم يتوصلا إلى تفاهم بشأنها. وكان مستعداً لإعطاء بوش معايير لاتفاق محتمل، أملاً في بقاء الأميركيين داخل المعاهدة. لكنه أكد له: "إذا كنت تفضل الانسحاب، فلن نثير مشكلات، ولن نؤجج هستيريا معادية لأميركا".

وفي ختام اجتماعهما، أصدر بوش وبوتين إعلاناً مشتركاً لمكافحة الإرهاب، تعهدا فيه بتعاون أميركي–روسي قوي، واتفقا على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدمير الشبكات الإرهابية، ومكافحة تهديدات أسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية والبيولوجية، ودعم استقرار أفغانستان.

أسلحة روسية وتسهيلات لأفغانستان

بدأ التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001، عندما أطلقت واشنطن عملية "الحرية الدائمة" ضد تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان"، بعد أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر.

كانت مفارقة التحالف أن الأسلحة الروسية والمعلومات الأميركية اجتمعتا في معركة واحدة. فواشنطن كانت تريد إسقاط "طالبان" وتدمير "القاعدة"، بينما أرادت موسكو منع انتقال الجماعات المتشددة من أفغانستان وآسيا الوسطى إلى الشيشان وشمال القوقاز

وقدمت روسيا دعماً عملياً إلى الحملة. فقد زودت الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية عن أفغانستان، وواصلت تسليح "التحالف الشمالي" الذي كانت تعرف قياداته ومواقعه منذ سنوات، وأرسلت إليه دبابات ومروحيات وأسلحة وذخائر. كما استخدم بوتين نفوذ موسكو لدى جمهوريات آسيا الوسطى لتسهيل التعاون مع واشنطن، وقبل بالوجود العسكري الأميركي المؤقت في المنطقة.

كانت مفارقة التحالف أن الأسلحة الروسية والمعلومات الأميركية اجتمعتا في معركة واحدة. فواشنطن كانت تريد إسقاط نظام "طالبان" وتدمير "القاعدة"، بينما أرادت موسكو منع انتقال الجماعات المتشددة من أفغانستان وآسيا الوسطى إلى الشيشان وشمال القوقاز.

أحذية مريحة لبوتين

اتصل بوتين ببوش لاستعراض القضايا المقرر مناقشتها خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن ومزرعة بوش في كروفورد بولاية تكساس في نوفمبر/تشرين الثاني 2001. ومثّل الاجتماع في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، الذي سبق رحلة بوتين إلى مزرعة بوش يومي 14 و15 نوفمبر/تشرين الثاني، اللحظة التي أعلن فيها بوش "تحالفه الجديد مع روسيا" على "المديين القصير والطويل". وعقد الاجتماع أمام حضور كبير بقيت هويات بعض أفراده محجوبة في الوثائق المنشورة، وضم نحو 12 مسؤولاً أميركياً و16 روسياً في قاعة مجلس الوزراء بالبيت الأبيض، في ما وصف بأنه "على الأرجح المرة الأولى التي يجتمع فيها رئيس أميركي ورئيس روسي" في تلك القاعة.

وتركز النقاش الأساسي بين الرئيسين على معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية. وطرح بوش خيارين: إما أن توافق روسيا على أن الولايات المتحدة "تستطيع إجراء الاختبارات بحرية ومن دون أي قيود، على أن نتبادل المعلومات معكم"، وفي هذه الحالة تبقى الولايات المتحدة في المعاهدة مدة من الزمن؛ وإما- إذا لم توافق روسيا على اختبارات غير محدودة- فلن يكون أمام بوش خيار سوى الانسحاب منها.

رويترز
الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يتحدث هاتفياً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كامب ديفيد، 22 سبتمبر 2001

لكن بوش قال لبوتين: "أعدك بأنني لن أحرجك، ولن أضعك في موقف صعب إذا لم نتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن الاختبارات". وطلب بوش من نظيره إحضار ملابس غير رسمية وأحذية مريحة، كي تكون الزيارة بعيدة عن الرسميات ويتمكنا من القيام بنزهات طويلة في مزرعته في كروفورد.

وتتضمن الوثيقة بعضاً من أبرز الاقتباسات المباشرة في جميع محادثات الرئيسين. وقال بوش: "كان الرئيس بوتين قوياً جداً في تمثيل مصالح بلاده. وأخبرته أنني وزوجتي لا نتفق دائماً بنسبة مئة في المئة، لكننا ما زلنا نحب بعضنا بعضاً. ويقول الرئيس بوتين إنه وزوجته يتفقان طوال الوقت. زواجه غير اعتيادي؛ فهو يفعل كل ما تطلبه منه".

أما الأكثر أهمية بالنسبة إلى الرئيس الأميركي، فكان التزام بوتين الحرب العالمية على الإرهاب. وقال بوش: "كان الرئيس بوتين متعاوناً إلى أقصى حد في الحرب على الإرهاب... وكان عمله بشأن أفغانستان مع طاجيكستان وأوزبكستان لا يقدر بثمن".

وفي النقاش المفصل بشأن الحرب الجارية في أفغانستان وفرار "طالبان" من كابول بعد انتصار "التحالف الشمالي" المدعوم أميركياً، حذّر بوتين قائلاً: "من الصعب تقديم المشورة. وليس إغلاق الحدود مع باكستان صعباً فحسب، بل مستحيل. علينا القضاء عليهم مثل الجرذان، أو شراؤهم". وتظهر الوثيقة مراراً تنافس الرئيسين في تصعيد خطابهما المناهض للإرهاب. ومن ذلك قول بوش: "شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً، سننال منهم، أحياء أو أمواتاً".

مثلت مكالمة مارس/آذار 2003 ذروة سلسلة من الاتصالات حاول فيها بوتين إقناع بوش بعدم غزو العراق، لكنه في الوقت نفسه لم يقم بالكثير الملموس لمنع الحرب

وتحدث بوش عن تحفظاته حيال بعض حلفائه في أوروبا، ثم طمأن بوتين قائلاً: "لا، أنا لست قلقاً منك. أنت من نوع الرجال الذين أحب أن يكونوا معي في الخندق". وعرض بوتين أيضاً خدمات فرقة روسية كاملة تضم 12,500 جندي في طاجيكستان، للمساعدة في تحقيق الأهداف المشتركة.

وبذل بوش جهداً خاصاً لمعالجة معارضة روسيا توسع "الناتو"، قائلاً: "فيما يتعلق بـ(الناتو)، أستطيع القول إن من مصلحة بلادي والعالم أن تُمنح روسيا دوراً فريداً مع الحلف، يكون الرئيس بوتين ونحن مرتاحين إليه".

معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية

اتصل الرئيس الروسي بشريكه الأميركي قبيل اجتماعاتهما المقررة في موسكو وسان بطرسبرغ، بينما كان يستضيف رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني في موسكو. وأخبر بوتين بوش بأنه ودّع برلسكوني قبل دقيقة فقط، وأنه يريد أن يسمع بوش مقترحهما.

وخلال زيارة بوش إلى موسكو، وقّع الرئيسان في 24 مايو/أيار 2002 معاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، المعروفة باسم "معاهدة موسكو" أو "معاهدة بوش–بوتين". وطلب بوتين من بوش البقاء يوماً إضافياً في أوروبا والتوجه إلى روما، حيث يمكنهما إطلاق مجلس "الناتو–روسيا"، أو "مجلس العشرين"، قبل قمة الحلف في براغ المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، التي كان "الناتو" سيتخذ خلالها قراراً بشأن مزيد من التوسع، بما يشمل دول البلطيق.

وكان تعبير "مجلس العشرين" يشير إلى تعامل أعضاء الحلف التسعة عشر آنذاك مع روسيا على أساس المساواة بوصفها شريكاً.

لم يقل بوتين شيئاً سلبياً عن توسع "الناتو"، بل عدّد الأسباب السياسية الداخلية، في روسيا وإيطاليا معاً، التي يمكن معالجتها إذا حضر بوش إلى روما لإطلاق آلية "الناتو–روسيا". ويبدو من كلام بوتين أن توسع "الناتو" لم يكن يومها سوى مشكلة سياسية داخلية، بخلاف المظالم الاستراتيجية التي عبّر عنها لاحقاً.

وقال إن زيارة بوش لروما "ستخفف التوتر والضغط في بلادي، ولذلك سيكون من الجيد جداً القيام بها قبل قمة براغ".

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بداية مؤتمرهما الصحفي المشترك عقب اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في 21 أكتوبر 2001 في شنغهاي، الصين

وكان بوتين قلقاً أيضاً بشأن المشكلات السياسية التي يواجهها برلسكوني، وقال: "من الجيد تحويل التوتر السياسي الداخلي إلى قضايا أخرى وإظهار أهمية إيطاليا على الساحة الدولية".

ووافق بوش على اقتراحه، وتوجه إلى روما بعد زيارة روسيا، ليشارك في إطلاق مجلس "الناتو–روسيا" في 28 مايو/أيار 2002. ونص إعلان المجلس على أن روسيا ودول "الناتو" ستتعامل بوصفها "شركاء متساوين".

الشيشان وجورجيا

تركز اللقاء بين الرئيسين على هامش قمة مجموعة الثماني في كاناناسكيس بمقاطعة ألبرتا الكندية في 26 يونيو/حزيران 2002، على البرنامج النووي الإيراني، والأسلحة البيولوجية، والرد الروسي المحتمل على عجز جورجيا عن التعامل مع الإرهابيين الشيشانيين وغيرهم ممن كانوا يختبئون في محيط وادي بانكيسي على الحدود مع روسيا.

وأظهر بوتين تفهماً وتعاوناً بشأن البرنامج النووي الإيراني، واقترح إنشاء مجموعة خاصة للأسلحة البيولوجية. وسأل بوش عن برنامج الأسلحة البيولوجية السوفياتي، لكن الرئيس الروسي حوّل مسار المحادثة إلى إيران، قائلاً إنه لا يشعر بالقلق حيال المواد بقدر قلقه من العلماء، في إشارة محتملة إلى خطر انتشار الخبرات.

وكان بوتين قد التقى حديثاً الرئيس الإيراني محمد خاتمي، وقال إنه خرج من الاجتماع "بانطباع شديد القسوة". ووافقه بوش الرأي قائلاً: "أنت تفهم طبيعتهم".

وفي نهاية المحادثة، أثار بوتين واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إليه، وهي وجود إرهابيين شيشانيين وإسلاميين مختبئين في وادي بانكيسي في جورجيا.

وأبدى بوش تفهماً للخطط الروسية لتنفيذ ضربات دقيقة أو عمليات للقوات الخاصة في بانكيسي إذا عجزت حكومة إدوارد شيفرنادزه الجورجية عن حل المشكلة. كما وافق على تعريف بوتين للمتمردين بأنهم إرهابيون إسلاميون، قائلاً: "نريدهم موتى".

اتصال قبل غزو العراق عام 2003

مثلت مكالمة مارس/آذار 2003 ذروة سلسلة من الاتصالات حاول فيها بوتين إقناع بوش بعدم غزو العراق، لكنه في الوقت نفسه لم يقم بالكثير الملموس لمنع الحرب. وكان حريصاً على مواصلة علاقته الوثيقة ببوش، وعلى أن لا يسمح للخلاف بشأن الحرب بتقويض الشراكة الجديدة.

المفارقة أن موسكو، التي ساعدت واشنطن عام 2001 في الحرب على "طالبان"، لم تقطع قنواتها مع الحركة بعد عودتها إلى الحكم

وفي 6 مارس/آذار 2003، اتصل الرئيس الأميركي ببوتين وطلب منه أن لا يستخدم حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق. لكن بوتين أبلغ بوش بأنه لا يستطيع تجاوز هذا الخط، وأن روسيا ستستخدم "الفيتو" ضد مثل هذا القرار. ولم تطرح الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا مشروع القرار للتصويت بعدما تبين لها أنها لا تملك الأصوات اللازمة لإقراره.

وعلى الرغم من إخفاق بوش في إقناع بوتين بتأييد الموقف الأميركي المتعلق بالعراق، فإنه أراد الحفاظ على إيجابية العلاقة. واتصل ببوتين في 18 مارس/آذار، قبل بدء العمليات العسكرية، وقال له: "ينبغي أن لا نعرّض علاقتنا للخطر". وشكر بوتين على عدم "تأجيج المشاعر المعادية لأميركا"، وقال إنه يقدّر موقفه: "لقد كنت حازماً في رأيك، لكنك احترمت علاقتنا، وأريد أن أشكرك على ذلك".

وحاول بوتين مرة أخرى وقف الغزو، متحدثاً عن النتائج الإيجابية التي تحققت بفضل الدبلوماسية والتعاون الأميركي–الروسي في الشرق الأوسط. وشدد على أنه مهما بلغ حجم الخلاف بينهما، فإن "الأهمية الأساسية لعلاقاتنا بين الدولتين أكبر".

بدأ الغزو الأميركي للعراق ليل 19–20 مارس/آذار 2003، من دون تفويض جديد وصريح من مجلس الأمن. ورأى بوتين في الحرب دليلاً على أن الشراكة مع واشنطن لم تجعل الولايات المتحدة تأخذ مصالح روسيا واعتراضاتها في الاعتبار عندما تتخذ قراراتها الكبرى.

ميونيخ 2007... إعلان نهاية الشراكة

بعد أقل من ست سنوات على وقوف بوتين إلى جانب بوش في الحرب على الإرهاب، صعد الرئيس الروسي إلى منصة مؤتمر ميونيخ للأمن في 10 فبراير/شباط 2007 وألقى خطاباً بدا لاحقاً إعلاناً مبكراً عن نهاية مرحلة ما بعد الحرب الباردة. هاجم النظام العالمي أحادي القطب، وقال إن هذا النموذج "ليس غير مقبول فحسب، بل مستحيل أيضاً". وانتقد استخدام القوة خارج إطار الأمم المتحدة، ورأى أن توسع "الناتو" "استفزاز خطير يقلل مستوى الثقة المتبادلة"، متسائلاً: "ضد من هذا التوسع؟".

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يسيران معًا في مقر الإقامة الصيفية الرئاسية بوتشاروف روتشي على البحر الأسود في سوتشي، 6 أبريل 2008

لكن المفارقة أن بوتين، حتى في ذلك الخطاب الحاد، لم يغلق الباب تماماً أمام شراكته الشخصية مع بوش. فقد قال إنه، على الرغم من الخلافات، يعد الرئيس الأميركي "صديقاً" و"رجلاً محترماً يمكن الحديث معه والتوصل إلى اتفاقات"، وأضاف أن بوش أخبره بأن روسيا والولايات المتحدة "لن تعودا خصمين وعدوين أبداً"، وأنه يتفق معه.

كانت كلمات ميونيخ تجمع بين عالمين: عالم 2001 الذي رأى فيه بوتين إمكان بناء شراكة مع الغرب، وعالم جديد بات يعتقد فيه أن تلك الشراكة قامت على اختلال في موازين القوة وعلى تجاهل المصالح الروسية. وبعد عام واحد من مؤتمر ميونيخ جاءت حرب جورجيا عام 2008، ثم ضم القرم عام 2014، والتدخل الروسي في سوريا عام 2015، لتتحول الاعتراضات التي أعلنها في ميونيخ إلى سياسة عسكرية.

أفغانستان مجدداً... وورقة "الضمانات الأمنية"

بعد عشرين عاماً على التعاون الأميركي–الروسي لإسقاط حكم "طالبان"، عادت الحركة إلى كابول في 15 أغسطس/آب 2021، فيما كانت القوات الأميركية تنسحب من البلاد في مشاهد أحدثت صدمة لدى حلفاء واشنطن.

رأى بوتين في الانسحاب دليلاً على حدود القوة الأميركية، وعلى استعداد إدارة جو بايدن للتخلي عن حكومة وحلفاء محليين دعمتهم واشنطن طوال عقدين.

كانت المفارقة أن موسكو، التي ساعدت واشنطن عام 2001 في الحرب على "طالبان"، لم تقطع قنواتها مع الحركة بعد عودتها إلى الحكم. أبقت روسيا سفارتها في كابول مفتوحة، وواصلت التواصل مع سلطات الأمر الواقع، ثم رفعت في أبريل/نيسان 2025 تعليق الحظر المفروض على أنشطة "طالبان"، وفي يوليو/تموز من العام نفسه أصبحت أول دولة تعترف رسمياً بحكومتها.

اليوم، مع عودة قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو، يعود السؤال: هل تستطيع المصالح المشتركة إعادة بناء قدر من الشراكة، أم إن الخنادق التي حفرتها حرب أوكرانيا أصبحت أعمق من أن تردمها علاقة بوتين بـ"صديقه" دونالد ترمب؟

وهكذا تحولت أفغانستان من ساحة جمعت بوتين وبوش عام 2001 إلى شاهد على انسحاب أميركا وصعود المقاربة الروسية البرغماتية بعد عشرين عاماً.

بعد سقوط كابول بأربعة أشهر، وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2021، نشرت موسكو مشروعين: معاهدة مقترحة مع الولايات المتحدة بشأن "الضمانات الأمنية"، واتفاقاً موازياً مع دول "الناتو".

طالبت روسيا بوقف أي توسع إضافي للحلف، وخصوصاً استبعاد انضمام أوكرانيا، ووقف نشاطاته العسكرية في أوكرانيا وأوروبا الشرقية وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى. كما طلبت عدم نشر قوات وأسلحة إضافية في الدول التي انضمت إلى "الناتو" بعد مايو/أيار 1997، ومنع نشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى في مواقع تتيح لها إصابة أراضي الطرف الآخر.

وتضمّن المشروع الموجّه إلى واشنطن مطالب بعدم إنشاء قواعد عسكرية أميركية في دول الاتحاد السوفياتي السابق غير الأعضاء في "الناتو"، وعدم استخدام بنيتها التحتية لأي نشاط عسكري، وإعادة الأسلحة النووية المنشورة خارج أراضي الدول المالكة لها.

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لدى بدء اجتماعهما الثنائي في شنغهاي في 21 أكتوبر 2001

وصفت موسكو هذه المطالب بأنها ضمانات قانونية ضرورية لأمنها. لكن الولايات المتحدة و"الناتو" رفضا مطلب إغلاق باب العضوية أمام أوكرانيا وإعادة ترتيب البنية العسكرية للحلف وفق حدود عام 1997، مع إبداء الاستعداد لمناقشة الحد من التسلح والشفافية العسكرية وخفض المخاطر.

وفي 24 فبراير/شباط 2022، بعد نحو شهر من تسلم الردود الأميركية والأطلسية، أطلق بوتين الغزو الشامل لأوكرانيا. انتقلت العلاقة بذلك من خلافات داخل شراكة مضطربة إلى مواجهة عسكرية غير مباشرة بين روسيا والغرب، تدعم فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها أوكرانيا بالسلاح والمعلومات والمال، فيما تصف موسكو الحرب بأنها صراع مع "الناتو" نفسه.

من خندق واحد إلى خنادق متقابلة

تكشف هذه المحاضر مقدار المسافة التي قطعتها العلاقات بين موسكو وواشنطن خلال ربع قرن. بعد هجمات سبتمبر/أيلول في 2001، كان بوش يقول لبوتين إنه من الرجال الذين يريدهم معه "في الخندق"، وكانت الأسلحة الروسية والمعلومات الأميركية تتجه إلى جبهة واحدة في أفغانستان. وبعد عقدين، أصبح الجيش الروسي يخوض أكبر حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فيما تقود الولايات المتحدة عملية تسليح خصمه الأوكراني.

أما أفغانستان، فاختصرت القوس التاريخي كله: فيها التقت مصالح موسكو وواشنطن عام 2001، ومنها استخلص بوتين عام 2021 أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لدفع كلفة الالتزامات المفتوحة، وبعدها بأشهر قدم شروطه الأمنية إلى الغرب، ثم غزا أوكرانيا.

واليوم، مع عودة قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو، وزيارة مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية جون راتكليف روسيا ولقائه مسؤولين في أجهزتها، وتحركات مبعوثَي الرئيس دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بحثاً عن تسوية للحرب، يعود السؤال الذي رافق العلاقة منذ محاضر بوش وبوتين الأولى: هل تستطيع المصالح المشتركة إعادة بناء قدر من الشراكة، أم إن الخنادق التي حفرتها حرب أوكرانيا أصبحت أعمق من أن تردمها علاقة بوتين بـ"صديقه" دونالد ترمب؟

font change

مقالات ذات صلة