تملك كلمة "هابط" قدرة غريبة على إنهاء الكلام لحظة نطقها، فيكفي أن يقولها أحدهم عن أغنية يسمعها العالم كله حتى ينطفئ النقاش وتتبدد الأسئلة عن معنى هذا الفن وسر التفاف الملايين حوله. كلمة واحدة تنزل منزلة الحكم، والحكم حين يصدر، يلغي الحاجة إلى الفهم. قبل التسليم بالحكم يحسن النظر في الفن المحكوم عليه، والذي امتد من أغاني "المهرجانات" في مصر إلى أغاني الملاهي الشامية، ومن مقاطع "تيك توك" إلى أفلام العيد التجارية، ويزداد انتشاره كلما اشتد الحكم عليه: تمنعه النقابات فيفتح آلاف القنوات على "يوتيوب"، وتهاجمه المنابر فيدخل الأعراس تحت أبصارها. في هذه المفارقة حقيقة منسية: جزء من قوة ما نحتقره يستمد من احتقارنا له.
يمسك تاريخ الذوق دفترا يعيد فتحه كل بضعة قرون ليصحح أحكامه القديمة، وفي صفحته المفتوحة اليوم أغنية ولدت في زقاق بهاتف رخيص، وفيلم يملأ الصالات وتتجمع حوله العائلة في موسم العيد، ومقطع راقص انتشر في أسبوع ثم نسي... صفقة واحدة تجمع هذا كله: أخذت كل ما تستحقه الليلة وتركت الخلود لمن يطلبه.
وفي الصفحة المقابلة أسماء حملت الإدانة نفسها قرونا قبل أن تنتقل إليها، فقد ازدرى نقاد العصر العباسي مجون أبي نواس ورأوا فيه إسفافا يدنس مقام القصيدة، وعد كبار الأدباء "ألف ليلة وليلة" خرافات عوام، وجلس الناس قرونا حول الحكواتي تحت نظرة متعالية.
ثم صارت قصائد الأول في أهم المختارات، وصارت الثانية ركنا من أركان الأدب العالمي، وصار الثالث كنزا يتنافس عليه الباحثون. وصل الاعتراف متأخرا في الحالات الثلاث، ومن قرأ هذا الدرس جيدا هو الفن الراقي، فكتب من أول سطر لمن سيقرؤه بعد قرن. أما "الهابط" فقرأ الدرس نفسه وقرر أن يخسر، إذ اختار الليلة على القرن وترك لنا صفحته كاملة.





