الأسطول الإيراني في زمن الحرب... "ناقلات الظل" تصطدم بجغرافيا هرمز

العقوبات صنعت شبكة بحرية تجيد إخفاء النفط والملكية، لكن الحصار والضربات كشفا حدودها بعدما أصبحت الناقلة نفسها هدفا عسكريا

أ.ف.ب
أ.ف.ب
سفن تُبحرعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس، وسط حصار بحري أميركي، 5 سبتمبر/أيلول 2026

الأسطول الإيراني في زمن الحرب... "ناقلات الظل" تصطدم بجغرافيا هرمز

حين اندلعت الحرب على إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، كانت طهران تدخلها وفي حوزتها ما يشبه بوليصة تأمين اقتصادية. إذ كان لديها أسطول تجاري كبير، وشركة وطنية لنقل النفط، وشبكة واسعة من الناقلات الأجنبية الغامضة الملكية، وفوق ذلك خبرة راكمتها طوال سنوات في بيع الخام بعيدا من النظام المالي الغربي. كانت تراهن على أن تسمح هذه المنظومة باستمرار الصادرات، مهما اشتد ضغط الحرب والعقوبات.

بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، لم تسر الأمور على النحو المرجو. لم تختفِ السفن الإيرانية، ولم يُفكَّك ما يُعرَف بـ"أسطول الظل"، لكن الحرب وسعت الفجوة بين عدد السفن الواردة في السجلات وعدد السفن القادرة فعلا على دخول الموانئ الإيرانية وتحميل النفط أو البضائع ثم مغادرتها بسلام.

ثم دخلت الأزمة مرحلة أشد خطورة في سبتمبر/أيلول، حين أعلنت القيادة المركزية الأميركية تدمير أو تعطيل ثماني ناقلات نفط إيرانية في جولتين من الضربات، نُفِّذَت الأولى والثانية في الخامس والثامن من الشهر نفسه على التوالي، واستهدفت سفنا قرب جزيرة خارك وجاسك وفي خليج عُمان. في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف سفينتين أميركيتين وثماني ناقلات نفط، في هجمات لم تتحقق منها مصادر مستقلة بشكل كامل. ويُظهر هذا التصعيد أن الناقلات المرتبطة بشبكة النفط الإيرانية الخاضعة للعقوبات لم تعد مجرد أداة للالتفاف على العقوبات وتوليد الإيرادات، بل تحولت إلى أهداف مباشرة في المواجهة العسكرية.

أي أسطول نحصي؟

لا يمكن اختصار حجم الأسطول التجاري الإيراني في رقم واحد، إذ تقيس الأرقام المتداولة فئات مختلفة. وهي تشمل السفن المسجلة تحت العلم الإيراني، والسفن التي تملكها أو تديرها شركات إيرانية ولو رفعت أعلاما أخرى، والناقلات الأجنبية التي تحمل النفط الإيراني من ضمن "شبكة الظل".

وبحسب أرقام أعلنتها مجموعة خطوط الشحن التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية (IRISL) في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كانت أصول المجموعة تضم 144 سفينة، بإجمالي حمولة ساكنة تبلغ نحو خمسة ملايين طن (DWT)، إلى جانب قدرة استيعابية لنحو 160 ألف حاوية نمطية (TEU). أما شركة الناقلات الوطنية الإيرانية (NITC)، فتُظهر بيانات منصة "ماجيك بورت" (MagicPort) أنها تدير 53 سفينة، بإجمالي حمولة ساكنة تبلغ نحو 13 مليون طن.

منذ مطلع عام 2026، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية أكثر من 100 سفينة مرتبطة بـ"أسطول الظل" الإيراني على قوائم العقوبات

يشار إلى أن الشركتين تؤديان وظيفتين مختلفتين. فمجموعة خطوط الشحن الإيرانية تنقل الحاويات والبضائع العامة والسائبة، وتؤدي دورا في سلاسل الإمداد والتجارة البحرية الإيرانية، بينما تركز شركة الناقلات الوطنية الإيرانية على نقل النفط الخام، إلى جانب المنتجات النفطية. لذلك، فإن تعطل هذا الأسطول لا يهدد إيرادات صادرات النفط فحسب، بل يمكن أن ينعكس أيضا على حركة الواردات التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، بما فيها الغذاء والمعدات الصناعية والإلكترونيات وقطع الغيار.

"أسطول الظل" سوق لا شركة

توسّع "أسطول الظل" الإيراني وتطورت آليات عمله في ظل العقوبات التي منعت أو قيّدت وصول طهران إلى شركات الشحن والتأمين والمصارف التقليدية. وهو لا يعمل كأسطول وطني موحد، بل كشبكة من الناقلات والمالكين والوسطاء وشركات الإدارة والواجهة، التي تقبل مخاطر العقوبات مقابل عوائد أعلى.

وتُسجَّل بعض الناقلات باسم شركات مسجلة في ولايات قضائية مثل هونغ كونغ وجزر مارشال وجزر العذراء البريطانية، قبل أن ترفع أعلام دول أخرى. وقد تتغير ملكية السفينة أو إدارتها أو علمها أو اسمها في إطار محاولات إخفاء هويتها وصلتها بتجارة النفط الإيراني. وتستخدم بعض السفن كذلك أساليب مراوغة، من بينها تعطيل نظام التعرف الآلي (AIS) أو التلاعب ببيانات الموقع، فضلا عن إجراء عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في البحر لإخفاء مصدر الشحنة ومسارها قبل وصول النفط إلى المشتري.

رويترز
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، أثناء استهداف ناقلة نفط إيرانية في خليج عمان، 8 سبتمبر/أيلول 2026

اعتمدت المنظمة البحرية الدولية (IMO) في قرارها الصادر عام 2023 تعريفا لـ"أسطول الظل" أو "الأسطول المظلم"، يشمل السفن المنخرطة في عمليات غير قانونية للتحايل على العقوبات، أو تفادي التزام قواعد السلامة والبيئة، أو تجنب تكاليف التأمين، أو ممارسة أنشطة غير قانونية أخرى. مع ذلك، لا يوجد سجل تجاري أو إحصائي موحد لأسطول الظل، كما يختلف استخدام المصطلح بين الجهات التي ترصد هذه السفن والمعايير التي تعتمدها، ولذلك تتفاوت تقديرات حجم الشبكة.

منذ مطلع عام 2026، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية أكثر من 100 سفينة مرتبطة بـ"أسطول الظل" الإيراني على قوائم العقوبات. ويمثل هذا الرقم السفن التي رصدتها واشنطن وقررت معاقبتها خلال تلك الفترة، وليس تعدادا شاملا للشبكة التي يصعب تحديد حجمها بدقة. وتكشف قوائم العقوبات عن تعدد الأعلام والولايات القضائية المستخدمة في هذه الشبكة. فقد استهدفت واشنطن، في جولات مختلفة، ناقلات ترفع أعلام بربادوس وموزمبيق وفانواتو وجزر مارشال، بينما كان مالكوها أو مديروها مسجلين في دول ومناطق أخرى، من بينها الصين وهونغ كونغ وجزر مارشال وجزر العذراء البريطانية.

بحسب بيانات شركتي "ويندوارد" و"فورتكسا" المتخصصتين في تعقب حركة السفن والطاقة، انخفضت صادرات النفط الإيرانية 43 في المئة خلال أول شهرين من الحرب

هذه البنية هي سر قدرة الشبكة على البقاء. فإذا أُدرِجت ناقلة أو شركة على قائمة العقوبات، يمكن تغيير الاسم والعلم والمالك المسجل. لكنها في الوقت نفسه مصدر هشاشتها، لأن مشغلي الناقلات ليسوا في الضرورة حلفاء دائمين لطهران. فهم مستثمرون يحسبون أرباح الرحلة في مقابل احتمال مصادرة الحمولة أو فقد السفينة.

الحرب تغير قواعد الرحلة

قبل الحرب، كان التحدي الأساس أمام "ناقلات الظل" هو إخفاء مصدر النفط والابتعاد من المصارف وشركات التأمين والسلطات التي تطبق العقوبات الأميركية. أما اليوم، فعليها أن تعبر منطقة قتال فعلية، وأن تتجاوز حصارا بحريا ومخاطر ألغام واعتراضات عسكرية وهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

بحسب بيانات شركتي "ويندوارد" (Windward) و"فورتكسا" (Vortexa) المتخصصتين في تعقب حركة السفن والطاقة، انخفضت صادرات النفط الإيرانية 43 في المئة خلال أول شهرين من الحرب. وبعد فرض الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية في الثالث عشر من أبريل/نيسان، أعادت القوات الأميركية توجيه 44 سفينة إيرانية أو مرتبطة بتجارة إيران في مطلع مايو/أيار.

أ.ف.ب
ناقلة "إم تي أرمان 114" (MT Arman 114) الإيرانية (يسار)، إلى جانب السفينة "م تي إس تينوس" (MT S Tinos) التي ترفع علم الكاميرون، أثناء قيامهما بعملية نقل شحنة يُشتبه بأنها غير قانونية داخل المياه التابعة لإندونيسيا، 7 يوليو/تموز 2023

لكن الصادرات لم تتوقف كليا طوال مراحل التصعيد. فبعد التوصل إلى تفاهم مؤقت في يونيو/حزيران، عادت عشرات الناقلات إلى الحركة عبر ممر بحري قريب من الساحل الإيراني، مما أتاح خروج كميات كبيرة من الخام والمنتجات النفطية. غير أن هذا الانفراج لم يدم طويلا، إذ أدى انهيار التفاهم واستئناف الحصار الأميركي في منتصف يوليو/تموز إلى تبديد معظم التحسن الذي طرأ على حركة الصادرات.

وبحلول مطلع أغسطس/آب، خمد النشاط في جزيرة خرج. وأظهرت بيانات الأقمار الصناعية أن أرصفة التحميل بقيت شاغرة منذ نهاية يوليو/تموز، فيما لم تُرصَد مغادرات جديدة من الجزيرة بعد 31 يوليو/تموز. وفي التاسع من سبتمبر/أيلول، لم تعبر مضيق هرمز سوى ست سفن تنقل سلعا، في مقابل نحو 125 إلى 138 سفينة تجارية يوميا قبل الحرب.

لا حسم ثابتا للخام الإيراني، إذ يتغير بحسب نوع الخام والكمية والمشتري ومدى تشدد العقوبات وشروط التسليم

هنا يظهر الفارق بين الأسطول الموجود والأسطول القادر على العمل. تستطيع إيران امتلاك عشرات الناقلات أو استئجارها، لكن فاعليتها تتراجع إذا بقيت فارغة خارج الخليج العربي أو تجمعت أمام الموانئ. وقد يكون تجمع الناقلات قرب الساحل الإيراني علامة على الاختناق وتكوّن مخزون عائم، لا دليلا على انتعاش الصادرات.

خرج نقطة الضعف الكبرى

يمر نحو 90 في المئة من صادرات الخام الإيراني عبر جزيرة خرج. قبل الحرب، سرعت طهران التحميل من الجزيرة وأخرجت كميات كبيرة من النفط لتقليل المخزون المعرض إلى الخطر. تشير بيانات "ويندوارد" إلى أن وتيرة التحميل بلغت نحو 2.2 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط، ثم تراجعت إلى 1.25 مليون برميل في أبريل/نيسان وإلى نحو 600 ألف برميل يوميا بعد فرض الحصار.

وفي سبتمبر/أيلول، امتدت الضربات إلى الناقلات نفسها. في الخامس من الشهر، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها عطلت الناقلة "داوني" (Downy) قبالة خرج، والناقلة "ستارك 1" (Stark 1) قرب جاسك، ودمرت الناقلة الفارغة "كايلو" (Kylo)، المعروفة أيضا باسم "نوكسن" (Noxen)، في خليج عُمان. وفي الثامن منه، أفادت بأنها دمرت خمس ناقلات أخرى، هي "كافيز" (Kaviz) و"شارمينار" (Charminar) و"هورايزن 1" (Horizon 1) و"ريسكو" (Riesco) في خليج عُمان، و"ديريا" (Derya) قرب جزيرة خرج. وبحسب القيادة الأميركية، طُلِب من أطقم السفن مغادرتها قبل استهدافها.

رويترز
جزيرة خرج الإيراني التي تحتوي على مخزون نفطي، 25 فبراير/شباط 2026

ولا تعني خسارة ناقلة فقدان حمولتها المحتملة فحسب، فالسفن الكبيرة أصول رأسمالية يتطلب بناؤها سنوات، ويصعب على إيران تعويضها في ظل القيود المفروضة على التمويل والمحركات والمعدات البحرية والتصنيف والتأمين. ويردع استهدافها الناقلات الأجنبية التي كانت مستعدة لتحمل خطر العقوبات، لكنها لم تدخل هذه التجارة بالضرورة لتتحمل خطر ضربة عسكرية.

أجرة الشحن تلتهم الحسم

وفرت تجارة النفط الخاضع للعقوبات أرباحا مرتفعة لمشغلي "ناقلات الظل". وتبيع إيران خامها عادة بخصم سعري لتعويض المشترين عن مخاطر العقوبات، فيما يمكن لمشغلي الناقلات تحقيق عوائد مرتفعة مقابل تحمل مخاطر النقل والتأمين. وكانت المعادلة مجدية ما دامت الشحنة تصل إلى وجهتها، لكن الحرب رفعت مخاطر الرحلة وتكاليفها إلى مستويات تهدد اقتصاديتها.

لا حسم ثابتا للخام الإيراني، إذ يتغير بحسب نوع الخام والكمية والمشتري ومدى تشدد العقوبات وشروط التسليم. لذلك لا يمكن جمع أجرة النقل والحسم المفترض وطرحهما آلياً من السعر العالمي، لأن الطرف الذي يتحمل تكلفة الشحن يتغير بحسب شروط العقد. لكن قفزة أجور الناقلات تضغط في الحالتين على العائد الإيراني: إما أن تتحملها طهران في العقود التي تشمل التسليم، وإما أن يستخدمها المشتري للمطالبة بسعر أقل في العقود الأخرى.

في 11 سبتمبر/أيلول، بلغت تكلفة استئجار ناقلة عملاقة من خليج عُمان إلى الصين مستوى يعادل نحو 11.50 دولارا للبرميل، وهو أعلى سعر يسجله مؤشر هذا المسار منذ استحداثه في وقت سابق من عام 2026

وللمقاربة، وصلت الحسوم على النفط الإيراني والروسي الخاضع للعقوبات خلال 2025 إلى نحو 10–15 دولارا للبرميل في ذروة الخصومات، وفق المجلس الأطلسي. وفي 2026 تغير الوضع بشدة؛ ففي يونيو/حزيران كان الخام الإيراني الخفيف يُعرض بحسم 0.5–1 دولار فقط عن برنت، وفي أغسطس/آب وصلت بعض العروض إلى نحو 3 دولارات، بينما كان خام إيراني ثقيل يُباع بخصم يقارب 8 دولارات.

وفي الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بلغت تكلفة شحن النفط على متن ناقلة عملاقة (VLCC) من خليج عُمان إلى الصين نحو 11.50 دولارا للبرميل، وفق بيانات بورصة البلطيق، وهو أعلى مستوى منذ إطلاق مؤشر هذا المسار في وقت سابق من عام 2026. ومع ارتفاع تكاليف الشحن بالتزامن مع الخصومات التي يفرضها المشترون على الخام الإيراني، تتقلص العوائد الصافية التي يمكن طهران تحقيقها من كل شحنة.

لو قفزت أيضا تكاليف التأمين، قال بول برادشو، المدير في "شركة بترول الإمارات الوطنية" (ENOC)، خلال مؤتمر آسيا والمحيط الهادئ للبترول (APPEC) في سنغافورة، إن تكلفة تأمين الحمولة قد تبلغ ستة في المئة من قيمتها، فيما وصلت علاوة خطر الحرب في بعض الحالات إلى 10 في المئة. وبحسب تقديره، ارتفعت التكلفة الإجمالية لعبور السفينة إلى ما بين 10 ملايين و20 مليون دولار.

أ.ف.ب
مدمرة بحرية أميركية تحاصر ناقلة نفط أثناء توجهها إلى الموانئ الإيرانية، في عرض البحر 8 مايو/أيلول 2026

دفع ذلك بعض المتعاملين إلى الإبحار من دون غطاء تأميني كافٍ. وبهذه الظروف، قد تمر الرحلة بسلام، لكن وقوع حادث أو تسرب، يترك الدول الساحلية أمام فاتورة ثقيلة، ومن دون مالك واضح يمكن مطالبته بالتعويض. وتزداد الخطورة لأن كثيرا من "ناقلات الظل" قديم، وبعضها تجاوز عمره 20 أو 25 سنة ولا يخضع إلى الصيانة والرقابة المتاحتين للسفن التي تؤمنها نوادي الحماية والتعويض الدولية.

الصين وماليزيا في النصف الآخر من الرحلة

تستقبل الصين غالبية صادرات النفط الإيرانية، ولا سيما عبر المصافي ذات الملكيات الخاصة التي تستفيد من الخام المخفض السعر. لكن الشحنة لا تصل دائما مباشرة من إيران إلى ميناء صيني. كثيرا ما تنقل الناقلة الأولى النفط إلى سفينة ثانية قرب ماليزيا أو الحدود الخارجية لميناء سنغافورة، قبل تغيير أوراق المنشأ واستكمال الرحلة.

وخلال فترة الانفراج الصيفية، رصدت منظمة "متحدون ضد إيران نووية" (United Against Nuclear Iran)، وهي جهة مؤيدة لتشديد الضغط على طهران، ناقلات إيرانية العلم متجمعة قبالة سواحل ولاية جوهور الماليزية وقد أطفأت أجهزة التعرف، في انتظار عمليات نقل بين السفن.

يجد الأسطول الإيراني نفسه في معادلة قاسية. تستطيع طهران تعطيل هرمز ورفع تكلفة التجارة والطاقة على العالم، لكنها تدفع ثمنا مباشرا لأن صادراتها ووارداتها تمر عبر الممر نفسه

لقد أصبح جنوب شرق آسيا بذلك النصف الآخر من سلسلة التصدير الإيرانية. تُحمَّل الشحنة في خرج، وتعبر هرمز، ثم يعاد تمويهها قرب ماليزيا قبل وصولها إلى الصين. يمنح هذا المسار إيران عمقا لوجستياً، لكنه يجعلها أكثر اعتمادا على تساهل الدول صاحبة الأعلام المرفوعة والموانئ وشركات الخدمات والمصافي الصينية.

بدائل محدودة للموانئ الجنوبية

يمثل ميناء الشهيد رجائي قرب بندر عباس العقدة الأساس للتجارة غير النفطية، إذ يتعامل مع نحو 80 إلى 85 في المئة من حاويات البلاد. لذلك يصل أثر الحرب إلى واردات الغذاء والمعدات الصناعية وقطع الغيار، ولا يتوقف عند إيرادات الخام. لدى إيران موانئ خارج مضيق هرمز، أبرزها تشابهار المطل على بحر العرب، إضافة إلى ميناء جاسك النفطي. لكن طاقة أرصفتها وأنابيبها وطرقها وسككها الحديد لا تسمح لها بإحلالها سريعا محل خرج وبندر عباس. وأظهر اعتراض القوات الأميركية في أبريل/نيسان على سفينة الحاويات الإيرانية "توسكا" (Touska) في بحر العرب قبالة ساحل تشابهار، وهي في طريقها إلى بندر عباس، أن وجود الميناء خارج المضيق لا يوفر حماية كاملة من الحصار والاعتراض.

أما بحر قزوين، فيوفر لإيران ممرا مكملا نحو روسيا وآسيا الوسطى. وبعدما أعلنت منظمة الموانئ والملاحة الإيرانية أن الأسطول التجاري الإيراني في البحر بلغ 87 سفينة في نهاية عام 2024، أظهرت بيانات منشورة في مارس/آذار 2025 ارتفاع عدد السفن التي ترفع العلم الإيراني إلى 94 سفينة. ومع ذلك، يظل هذا الأسطول ذا طابع إقليمي وقدرات محدودة، ولا يمكن موانئ بحر قزوين وشبكات النقل المرتبطة بها أن تستوعب تدفقات تقترب من حجم صادرات النفط الإيرانية المنقولة عبر الخليج. ويمكن هذا المسار أن يدعم جزءا من تجارة الحبوب والبضائع العامة مع روسيا وآسيا الوسطى، لكنه لا يشكل بديلا من طريق هرمز.

شبكة باقية بشروط الحرب

لن تختفي "ناقلات الظل" قريبا. ترفع العقوبات الأرباح المتاحة لمن يقبل المجازفة، ويمكن بيع السفن وإعادة تسجيلها بأسماء جديدة ورفع أعلام جديدة عليها. وستظل الشبكة مطلوبة ما دامت العقوبات النفطية قائمة والمصافي الصينية مستعدة لشراء الخام الإيراني. غير أن الحرب كشفت حدودها. فقد بنت إيران منظومة تجيد إخفاء ملكية السفينة ومصدر الشحنة عن المصارف وشركات التأمين، لكن هذه الأدوات لا تفتح مضيقا محفوفا بالألغام، ولا تحمي ناقلة راسية أمام ميناء يخضع إلى المراقبة والضرب.

رويترز
صورة جوية تظهر ميناء تشابهار، 9 يوليو/تموز 2026

في الثاني عشر من سبتمبر/أيلول، أفادت طهران بأن تفاهمها الأولي مع عُمان لا يتضمن إعادة فتح هرمز فورا، بل يمهد لمناقشة ترتيبات مستقبلية مشروطة باستجابة الولايات المتحدة لمطالب إيرانية. وفي الوقت نفسه، حصرت واشنطن الحماية الجوية للناقلات في نافذتين زمنيتين يوميا، في إشارة إلى أن تأمين الملاحة لم يعد إجراء طارئا، بل عملية عسكرية طويلة ومكلفة.

وهكذا يجد الأسطول الإيراني نفسه في معادلة قاسية. تستطيع طهران تعطيل هرمز ورفع تكلفة التجارة والطاقة على العالم، لكنها تدفع ثمنا مباشرا لأن صادراتها ووارداتها تمر عبر الممر نفسه. أما "ناقلات الظل" التي وفرت لها متنفسا طوال سنوات، فلا تزال قادرة على الحركة كلما فُتِحت نافذة في الحصار. لكن المخاطرة لم تعد مجرد احتمال إدراج اسم السفينة على قائمة عقوبات. لقد أصبحت احتمال ألا تعود من رحلتها.

font change

مقالات ذات صلة