فرانشيسكا ألبانيزي لـ"المجلة": وضع الفلسطينيين سيزداد سوءا… وصمت العالم على الإبادة يخيفني

المقررة الخاصة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية: الإفراط في فهم العالم مؤلم بالنسبة إلي والدفاع عن قضيتي داخل الأمم المتحدة كان ينبغي أن يكون أقوى

أكسل رانجل غارسيا
أكسل رانجل غارسيا

فرانشيسكا ألبانيزي لـ"المجلة": وضع الفلسطينيين سيزداد سوءا… وصمت العالم على الإبادة يخيفني

جنيف- منذ تعيينها عام 2022 مقررةً خاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، تحولت المحامية والباحثة الإيطالية فرانشيسكا باولا ألبانيزي إلى أكثر الأصوات حضورا على الساحة الدولية دفاعا عن فلسطين والقانون الدولي. ألبانيزي، المتخصصة في القانون الدولي وحقوق الإنسان وقضايا اللاجئين والنزوح القسري. عملت في عدد من مؤسسات الأمم المتحدة، وقد كرّست موقعها الأممي للدفاع عن تطبيق قواعد القانون الدولي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مواجهة ما تعتبره تآكلاً متزايداً في منظومة المساءلة الدولية، ولاسيما مع "الإبادة الجماعية في غزة وتطبيع القتل والأعمال الوحشية".

أدى هذا المسار إلى منع إسرائيل دخولها الأراضي التي تسيطر عليها، ثم إلى فرض الولايات المتحدة عقوبات عليها في 2025، في سابقة طالت مقررة خاصة للأمم المتحدة بسبب مواقفها وأنشطتها. وقد صدر لها أخيرا كتاب بعنوان: "‫حين ينام العالم: قصص وكلمات وجراح فلسطين" (When the World Sleeps: Stories, Words, and Wounds of Palestine)، نيويورك، 2026.

في هذه المقابلة مع "المجلة"، تتحدث ألبانيزي عن تجربتها داخل الأمم المتحدة، وعن العقوبات الأميركية عليها وما تكشفه، في رأيها، عن طبيعة النظام الدولي الراهن. وهي ترى أن المنظمة الدولية تشهد "انهياراً وتدهوراً شديدين"، وأن المشكلة لا تكمن في غياب الأدوات اللازمة لمعالجة الأزمات، وإنما في عدم استخدام هذه الأدوات.

حديث ألبانيزي لا يقتصر على توصيف الحرب على غزة بل يتجاوزه إلى قراءة أوسع للنظام الذي أنتجها، فتصف فلسطين بأنها "نموذج أولي" للقمع والاضطهاد، وتحذر من انتقال آلياته إلى الديمقراطيات الغربية. كما تتحدث عن "اقتصاد للإبادة الجماعية" وعن "النيكرورأسمالية"، معتبرة أن العسكرة واستغلال الموارد والقطاع المالي والتكنولوجيا الكبرى باتت عناصر في منظومة تتزايد فيها قابلية التضحية بالحياة البشرية. وفي مواجهة ذلك، تراهن على تنظيم القوى الاجتماعية التي لا تستفيد من هذا النظام، وعلى "ثورة ثقافية" تعيد ربط القانون الدولي وحقوق الإنسان والمصلحة العامة بالفعل السياسي.

في الآتي نص الحوار:

* في مقابلة مع "المجلة" قالت المرافعة في القانون الدولي، الفرنسية مونيك شوميلية جوندرو إن الأمم المتحدة ماتت، وذلك في تعليقها على عجزها في غزة، هل توافقينها الرأي؟

- إنه تصريح قوي جداً، وله وزن رمزي وعملي في آنٍ معا، وإن كنت أميل للقول إن وزنه رمزي أكثر. وأعتقد أنه يحيل إلى وظيفة الأمم المتحدة المتمثلة في الحفاظ على السلام في العالم. وبالطبع، أتفق على أن الأمم المتحدة، خصوصا خلال العقود الأخيرة، عجزت عن ضمان بقاء النقاشات المتعلقة بالحرب ضمن نطاق الدبلوماسية الدولية. وخلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، أصبح من المستحيل أن يبقى الخطاب التحريضي المرتبط بالحرب تحت إدارة الدبلوماسية الدولية. فهذا الخطاب أصبح يأتي مباشرة من الحكومات، وأحياناً من حسابات الرؤساء على وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الاضطراب هو السمة المهيمنة لعالم اليوم.

إن حقيقة أنني، بعد عام، ما زلت خاضعة للعقوبات، وأنه لم يعد أحد يتحدث عن الأمر حتى، تشكل دلالة على مستوى الحماية التي جرى توفيرها من جانب الأمم المتحدة

أما على المستوى العملي، فإذا كنت لا أرى موت الأمم المتحدة، فإنني أرى بالتأكيد انهيارا وتدهورا شديدين في ما يخص مسارها وآليات عملها. هناك بيروقراطية في الأمم المتحدة تنتمي إلى القرن العشرين، وتفكير متأخر، وعقلية تكشف أحياناً عن موقف ينتمي إلى القرن التاسع عشر، وفي المحصلة فهي غير قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. هذا هو الانطباع الذي لدي. لقد تأثر نظام حقوق الإنسان بشدة، وكذلك الإجراءات الخاصة، التي كانت وسيلة لا غنى عنها للتنديد بانتهاكات حقوق الإنسان، وهي تتعرض اليوم لهجوم شديد، كما ترون في حالتي.

*هل تعتقدين أن العقوبات الأميركية المفروضة عليك تستهدف، في الواقع، الأمم المتحدة نفسها؟ ولماذا؟

- أعتقد أنها تستهدف كل ما يعارض إملاءات نظام دولي معين يجد اليوم تعبيره الأقصى في سياسة إدارة دونالد ترمب، سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها. وكما ترون، فإن العقوبات تطاول ليس الأمم المتحدة فحسب، وإنما أيضاً المحكمة الجنائية الدولية والناشطين، ويجب أن لا ننسى كذلك الاتهامات بالإرهاب الموجهة إلى الذين ينتقدون إسرائيل. إنه نظام يسعى بالفعل إلى التخلص من المعارضين، لمصلحة القوى التي تستفيد من الإبادة الجماعية في فلسطين. فهذه الإبادة الجماعية في فلسطين أصبحت هي النموذج الأولي لإدارة السلطة.

* ماذا تقصدين بذلك؟

- في الواقع إن ما يحصل في فلسطين ليس جريمة معزولة، بل نموذج يكشف الطريقة التي تُمارس بها السلطة على مستوى العالم، أي إن فلسطين هي مختبر أو نموذج أولي للقمع والاضطهاد، يمكن أن تنتقل بعض آلياته إلى الديمقراطيات الغربية نفسها، خصوصا مع ديناميات العسكرة المتزايدة وتوسع المراقبة والتكنولوجيا وتركز الثروة والسلطة؛ هنا تصبح فلسطين نموذجا مكثفا لنظام تصبح فيه حياة الإنسان نفسها قابلة للتضحية من أجل استمرارية السلطة والمصالح الاقتصادية والسياسية.

أ.ف.ب
فرانشيسكا ألبانيزي في ختام مؤتمر صحفي حول وضع حقوق الإنسان في غزة، عُقد في جنيف 15 سبتمبر 2025

* هل تشعرين بدعم الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة؟ وهل تعمل الأمم المتحدة على تطوير آليات جديدة لضمان الدعم القانوني لممثليها، انطلاقاً من تجربتك باعتبارك أول شخص داخل الأمم المتحدة يتعرض لعقوبات أميركية؟

- من الصعب الإجابة، بمعنى أن الأمم المتحدة، وكما قال الأمين العام نفسه بشأن هذا الأمر، ليست كياناً متجانساً أو موحداً، وإنما تتكون من عدة كيانات وما إلى ذلك.

أما أنا، فأشعر بدعم قوي جداً من كل من يتبنى حقوق الإنسان، ومن بينهم جزء من الأمم المتحدة، بما في ذلك مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، وعدد من المسؤولين والموظفين. أما على مستوى المنظمة ككل، فأعتقد أن الدفاع عن قضيتي كان ينبغي أن يكون أكثر حزماً وأكثر قوة، بما يتجاوز الإدانات التي صدرت عن الدول وعن جهات أخرى.

إن حقيقة أنني، بعد عام، ما زلت خاضعة للعقوبات، وأنه لم يعد أحد يتحدث عن الأمر حتى، تشكل دلالة على مستوى الحماية التي جرى توفيرها من جانب الأمم المتحدة.

* ما التحولات التي تحدث اليوم داخل هياكل الأمم المتحدة وأدواتها، في ضوء عجزها عن التحرك في غزة؟ وهل أصبح أشخاص مثلكِ مضطرين الآن إلى حمل قضايا القانون الدولي بدلاً من المنظمة ككل؟

- أعتقد، للأسف، أن الإجابة هي نعم. لكن هذا لا يعني أن الأمر ينبغي أن يستمر على هذا النحو. فأنا لا أعتقد أن ثقل الأمم المتحدة أو قيمها ينبغي أن يحملها أفراد في مواجهة تراجعها وانهيارها. أرى بالأحرى أن كل فرد ينتمي إلى الأمم المتحدة، سواء كان موظفاً بيروقراطياً أو دبلوماسيا أو موظفاً إدارياً، يجب أن يدرك أنه جزء من منظومة قيم قبل أن يكون ممثلاً لدولة أو منظمة أو وكالة.

خلصتُ إلى أن الجرائم المرتكبة في غزة تشكل جريمة جماعية بعد عام من التحقيق في أشكال التواطؤ داخل القطاع الخاص الذي يستفيد، في الواقع، من الإبادة الجماعية

وتتمثل هذه المنظومة في حقوق الإنسان والسلام والتنمية المستدامة، وكل ما يرتبط بهذه القيم. وأعتقد أن العاملين في الأمم المتحدة لا يحملون هذه القيم بالقدر الكافي، وكذلك الدبلوماسيون الذين يشكلون جزءاً من هذه المنظمة الدولية. وهذه هي المشكلة اليوم، فجميع الأدوات التي نحتاج إليها لحل الأزمات ومنعها موجودة، لكننا لا نستخدمها. المشكلة ليست في نظام الأمم المتحدة، وإنما في الرجال والنساء الذين يعملون داخله.

* تقولين إن الأمم المتحدة لا تستطيع تغيير أي شيء إذا لم تغيّر القوى الكبرى التي تدعم إسرائيل سياساتها. هل تعتقدين أن تغير موازين القوى على المستوى العالمي، سيعيد للقانون الدولي مكانته؟

- نحن دخلنا بالفعل مرحلة من النظام الدولي الجديد، حتى لو كانت هذه المرحلة مطبوعة بالفوضى. وأعتقد أننا دخلنا مرحلة شديدة الخطورة والقسوة، مع الإبادة الجماعية في غزة، ومع تطبيع القتل والأعمال الوحشية، واستخدام التجويع وكل هذه الوسائل من أجل الحفاظ على السيطرة والسلطة. هذا أمر كان من المستحيل تصوره قبل عشرين أو ثلاثين عاماً، لكنه أصبح اليوم مقبولاً. وما يخيفني اليوم ليس الإبادة الجماعية وحدها، وإنما الصمت المحيط بها أيضاً. إنها عملية تطبيع للإبادة الجماعية، وإذا لم نواجه هذا الأمر ونقاومه، فسيصبح هو الوضع الطبيعي الجديد.

رويترز
فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دُمرت خلال الحرب، في مدينة غزة، 15 أغسطس 2026

* باتت هناك، الآن، علاقة وثيقة بصورة متزايدة بين فرانشيسكا ألبانيزي والقضية الفلسطينية. كيف تتعاملين مع هذه المعادلة؟ وهل تشعرين بأن الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي معك أصبحت نوعاً من المقياس للطريقة التي يتعامل بها مع الفلسطينيين؟

- نعم ولا، بمعنى أنه نعم، فالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما الأكثر تطرفاً، وعندما أتحدث عن هذه البلدان، فإنني أتحدث عن الحكومات، بالطبع، لأن المجتمع المدني شيء آخر. لكن لنقل إن الحكومات الإسرائيلية والأميركية وحلفاءهما، ولا سيما في أوروبا، استهدفوني باعتباري محامية عن الشعب الفلسطيني، وهو ما لست عليه. لأن الشعب الفلسطيني يدافع عن نفسه بشكل جيد جداً، ولديه ممثلوه، حسناً، ليس جميع ممثليه، وليس بالقدر الكافي، لكنّ لديه، مع ذلك، أصواتا قوية جداً في الأوساط الفكرية وفي أوساط المجتمع المدني.

أنا أوروبية أؤمن بشدة بالقيم التي يحملها الغرب أيضاً، رغم كل محدوديته وكل أخطائه. وأعتقد أن هناك غرب التنوير، وغرب العقل، وغرب حقوق الإنسان، وأنا أنتمي إلى هذا الغرب.

وهو غرب يدرك جيداً الاستعمار، ويدرك جيداً جرائم الماضي والحاضر، ويريد بالتأكيد أن لا تكون هناك تداعيات لذلك في المستقبل. ومن هنا، لا. أعتقد أنه من المبالغة وصفـي بأنني جزء من القضية الفلسطينية. أنا منخرطة اليوم بصورة كبيرة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني ضحية، ضحية بلا سند، للتمييز العنصري الإسرائيلي، وللإمبريالية الأميركية، ولتواطؤ عدد من الدول في الجنوب العالمي، بما في ذلك في العالم العربي. فهناك، وهم أقلية، حلفاء أقوياء جداً لإسرائيل في العالم العربي وفي الجنوب العالمي، وفي ذلك الجزء من حركة عدم الانحياز التي كانت قوية جداً في ضمان إنهاء الاستعمار.

لكنكم تعلمون، الإمبريالية ليست مسألة جغرافية، فهي مسألة قوة وسلطة، ولديها نزعة إلى التوسع، من خلال البحث كل يوم عن مبعوثين أو وكلاء جدد. وهذا، بالطبع، توسّع أيضاً في ما كان يُسمى الجنوب العالمي. لكن اليوم، أعتقد أن التمييز نفسه بين الجنوب العالمي والشمال العالمي لم يعد يتمتع بالقيمة نفسها التي كان يتمتع بها في السابق، لأن هناك جيوبا مهمة جدا من واقع الجنوب العالمي داخل الغرب، والعكس صحيح.

* تتحدثين عن اقتصاد الإبادة الجماعية وعن جريمة جماعية في غزة. هل يمكنك أن توضحي لنا ما الذي يعنيه ذلك؟

- أولاً، خلصتُ إلى أن الجرائم المرتكبة في غزة تشكل جريمة جماعية بعد عام من التحقيق في أشكال التواطؤ داخل القطاع الخاص الذي يستفيد، في الواقع، من الإبادة الجماعية. هناك بالفعل اقتصاد للإبادة الجماعية، كما كشفت في يوليو/تموز 2025، وبعد بضعة أشهر، أصدرت تقريراً آخر يتحدث عن الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة باعتبارها جريمة جماعية. وفي الواقع، يتضح أنه، رغم أن القانون الدولي يُلزم الدول الأعضاء بعدم المساعدة أو تقديم العون إلى دولة ترتكب أفعالاً غير قانونية، فإن إسرائيل لا تزال تستفيد من دعم جزء كبير من الدول، التي تقدم لها دعماً اقتصادياً. خذوا، على سبيل المثال، بيع سندات الدين من خلال المصارف وفي أسواقنا. هناك الآن لوكسمبورغ وأيرلندا اللتان أغلقتا الأبواب أمام ذلك، لكن هناك دولاً أخرى لا تزال تسمح به. وكذلك التحويلات الاقتصادية التي لا تزال بعض الدول تقدمها إلى إسرائيل بصورة غير مشروطة. ثم هناك الدعم العسكري، إذ إن إسرائيل هي الشريك العسكري الأكبر للولايات المتحدة، كما أنها تحظى بدعم عسكري مباشر وغير مباشر من عدة دول أوروبية ودول أخرى غير غربية.

علينا أن نفهم العلاقة بين استغلال الموارد، والعسكرة، والثورة التكنولوجية التي تؤدي، في بعض جوانبها، إلى تعميق الفجوة الرقمية، وإلى اتساع الفوارق في الوصول إلى المعلومات

وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي، حظيت إسرائيل بالحماية من جانب مؤسسات دولية، ومن جانب بعض القادة والحكومات الذين واصلوا الدفاع عنها باسم حقها في الدفاع عن النفس، واتهموا الفلسطينيين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأنهم سبب ما حدث في غزة، من دون النظر إلى السياق الذي أبقت فيه إسرائيل على احتلال الفلسطينيين وقمعهم على مدى عقود. ولهذا السبب أرى أن جميع الدول، بطريقة أو بأخرى، سواء بصورة نشطة أو سلبية، وبأشكال مختلفة، تساهم في الإبقاء على الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية، وهو وضع لا يمكن للفلسطينيين تحمّله.

* تقولين إن إسرائيل لا تعارض وجود دولة فلسطينية فحسب، وإنما لا تريد أيضاً وجود الشعب الفلسطيني نفسه. ونحن نقترب من الانتخابات الإسرائيلية، هل تعتقدين أن شيئاً يمكن أن يتغير في هذه المعادلة؟

- هذا ليس كلامي أنا، وإنما تقوله استطلاعات الرأي. انظروا إلى ما تقوله استطلاعات الرأي في إسرائيل. تحدثوا مع إسرائيليين ناشطين في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان، إنهم يشعرون باليأس مما يحدث في بلدهم، ومن الانحدار السلطوي الذي تشهده البلاد. وأعتقد أن قمع الفلسطينيين يُنظر إليه، للأسف، على أنه ورقة رابحة في السباق نحو الفوز الانتخابي في إسرائيل. ولذلك، فإن وضع الفلسطينيين لن يزداد إلا سوءاً خلال الأشهر المقبلة.

أ.ف.ب
فلسطينية نازحة تبلغ من العمر 15 عامًا، تحمل لوحة رسمتها للمقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي، خارج خيمتها في مدينة غزة، 30 ديسمبر 2025

* هل تعتقدين أن المقاومة المسلحة ضد إسرائيل تؤدي الغرض منها، أم إن مواجهة الاحتلال ينبغي أن تمر عبر أشكال أخرى من الضغط؟

- أعتقد أنه لا توجد استراتيجية واحدة للتحرر من القمع. القانون الدولي يصوغ حماية المقاومة ويضمنها أيضاً، ويعترف بالمقاومة كحق للشعوب الواقعة تحت القمع، ويشمل ذلك المقاومة المسلحة، ضمن حدود القانون الدولي. لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى أعمال إرهابية تستهدف المدنيين، وإذا أصبح الأمر كذلك، فيجب إخضاعه للعدالة.

لكنني لا أعتقد، بصراحة، أن المقاومة المسلحة هي التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء القمع، وإلى وضع حد لعملية تحويل الفلسطينيين وشعوب المنطقة العربية إلى ضحايا للعنف والوحشية.

الأمر يحتاج إلى ثورة ثقافية تجعل ما يحدث الآن معروفاً ومفهوماً. علينا أن نفهم العلاقة بين استغلال الموارد، والعسكرة، والثورة التكنولوجية التي تؤدي، في بعض جوانبها، إلى تعميق الفجوة الرقمية، وإلى اتساع الفوارق في الوصول إلى المعلومات أو إلى الرفاه، بين الشعوب، وكذلك إلى تركّز رأس المال. هناك بُعد اقتصادي خطير في هذه المعادلة، وهو يتفاقم على المستوى العالمي. نحن علينا أن نقاوم ثقافياً واستراتيجياً، وعلى أساس مبدئي، جميعاً معاً، وإلا فإننا سندفع جميعاً الثمن.

* سبق أن قلتِ إنك تثقين بالنظام القضائي الأميركي. ما الإجراءات التي تُتخذ حالياً لرفع العقوبات؟ على المستوى الشخصي، بماذا تشعر فرانشيسكا ألبانيزي إزاء العقوبات الأميركية المفروضة عليها؟

- للإجابة على الشق الأول من السؤال، هناك مساران واحد سياسي والآخر قضائي، فيما يخص المسار الأول فهو في أيدي الأمم المتحدة، والأمين العام، والدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والمتمثل في وضع حد لهذا الإجراء القمعي الذي تتخذه الولايات المتحدة، وإحالتها إلى القضاء أمام محكمة العدل الدولية، بسبب انتهاك ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بامتيازات وحصانات الموظفين الأمميين.

وبما أن هذا المسار يبدو غير قابل للسلوك، اضطرت عائلتي إلى اللجوء إلى المسار الوحيد المتبقي، وهو القضاء. وأنا أؤمن بنظام العدالة في الولايات المتحدة، وبطبيعة الحال ليس لدي خيار آخر، يجب أن أتحرر من العقوبات، يجب أن نكافح الظلم بكل وسيلة ممكنة.

النضال الفلسطيني، أو بالأحرى القضية الفلسطينية، هو قضية وجودية. إنها قضية حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقضية حق الشعوب في أن لا تُمحى من أرضها

كان بإمكاني، ربما، أن أختار طريقاً أسهل، من خلال التخلي عن مهمتي، لكنني لست الشخص الذي يستطيع قبول تسويات بشأن ما يتعلق بالعدالة.

وبالنسبة للشق الثاني، أنا أشعر بأنني شخص يعاني من الإفراط في فهم العالم، لقد تغيرت حياتي بالكامل مقارنة بما كانت عليه من قبل. لم أكن ساذجة، وكنت أعرف أننا نعيش في نظام غير متكافئ، حيث يهيمن الربح على المشهد العالمي وعلى السياسة العالمية. لكنني لم أكن أدرك إلى أي حد يمكن أن يصل تقاعس الدول أمام الإبادة الجماعية في فلسطين، وكذلك تواطؤ الدول، بما في ذلك الأوروبية، إزاء ما تفعله إسرائيل، هذا أمر حطم بصورة كاملة الوهم الذي كان لدي عن وجود نظام ديمقراطي وضامن للحقوق في الغرب، وأنا متأكدة من أنني لست الوحيدة التي ترى ذلك.

والآن أنا أرى أن هناك عدواً مشتركا للبشرية جمعاء، ويتمثل في نظام تتركز فيه العسكرة، والقدرة على استغلال الموارد، والقطاع المصرفي والمالي، والتكنولوجيا الكبرى (Big Tech)، في أيدي أولئك الذين يسيطرون على ثروة العالم؛ ولم تعد الثروة تُستخدم لشراء السلع، وإنما للسيطرة، وللاستحواذ على السلطة. واليوم، وكما يكشف عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي، فإن حقيقة أن أغنى 50 ألف شخص في العالم يسيطرون على ثلاثة أضعاف الثروة المتاحة للنصف الأفقر من العالم، تُظهر لنا أين نحن.

هذا الإفراط في فهم العالم مؤلم بالنسبة إلي، لأنني أرى كما قلت لكم في البداية أن فلسطين هي نموذج أولي للقمع والاضطهاد، وقد أصبح بصورة متزايدة نموذجا أيضا للديمقراطيات الغربية، حيث هناك حق في التصويت للأشخاص، لكن صوت الأغلبية لا ينعكس في الخيارات السياسية لهذه الديمقراطيات.

* هل أنت متفائلة بشأن إمكانية رفع العقوبات المفروضة عليك؟

- التفاؤل ليس هو الكلمة المناسبة، لكنني آمل أن ينجح الأمر.

* هل أنت متفائلة بإمكانية حدوث تغيير في العالم؟

- أنا متأكدة من أنه إذا نظّم الناس الذين ليس لديهم ما يكسبونه من النظام الرأسمالي بصيغته الأكثر تطرفا، أنفسهم وتحركوا، فأنا متأكدة من أننا سنغيّر الأمور. المشكلة هي أن أحد أكبر نجاحات النيكرورأسمالية (نمط من الرأسمالية يصبح فيه إنتاج الموت جزءا من آليات تراكم الثروة والسلطة) اليوم- لأننا دخلنا على الأرجح مرحلة جديدة من الرأسمالية التي بدأت تدمر حتى مصادر الثروة الطبيعية، وهذا نظام مستعد للتضحية بكل مورد، بما في ذلك الحياة البشرية- هو التواطؤ المجتمعي.

وفي النهاية، يمكن هزيمة هذا النظام، لكن هذا النوع من الأنظمة يعيش على التواطؤ، وهناك غالبية من الناس، بطبيعة الحال، ليست مستعدة للدفاع عن الصالح العام. اليوم، نرى ذلك في غزة، وغداً سيكون عندنا في الغرب.

رويترز
متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين يشاركون في تظاهرة "انتفضوا من أجل غزة" في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، 8 أغسطس 2025

* شهدنا مظاهرات في المدن الغربية الكبرى، وكذلك وعياً جديداً لدى جزء واسع من الشباب الغربي تجاه القضية الفلسطينية. هل تشكل هذه المظاهرات وهذا الوعي مؤشراً على التغيير الذي تتحدثين عنه؟ وهل تعتقدين أن النضال الفلسطيني أصبح نضالاً عالمياً؟

- أعتقد أن النضال الفلسطيني، كما تسمّونه، أو بالأحرى القضية الفلسطينية، هو قضية وجودية. إنها قضية حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقضية حق الشعوب في أن لا تُمحى من أرضها. ولهذا الأمر انعكاسات في أجزاء عدة من العالم، وليس فقط لدى الشعوب التي لا تزال تعيش تحت شكل من أشكال السيطرة ما بعد الاستعمارية، حيث حلّت الشركات محل ما كان في السابق استغلالاً تديره الدول بصورة مباشرة.

لكن هذا يظهر أيضاً في أجزاء أخرى من العالم، أي في الغرب، حيث توجد فجوة عميقة بين المجتمع المدني، ولا سيما الشباب، وبين السياسة، وكذلك تنامٍ في حالة الاستياء، فضلاً عن الفقر والضيق الاجتماعي، وهذا يعود إلى أن دولة الرفاه الاجتماعي التي وُجدت لفترة طويلة، والتي بُنيت بتضحيات كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، آخذة في الانهيار. وبهذا المعنى أعتقد أن قضية الشعب الفلسطيني هي قضية عالمية.

font change

مقالات ذات صلة