الأرجنتيني خوليو لو بارك فنان الضوء واللون والحركة

الجمهور جزءا من التجربة الفنية

 RICHARD A. BROOKS / AFP
RICHARD A. BROOKS / AFP
موظف يتأمل عمل "ضوء مهتز – تول" خلال معاينة معرض "خوليو لو بارك: الضوء. اللون. الحركة" في متحف "تيت مودرن" بلندن، 9 يونيو 2026

الأرجنتيني خوليو لو بارك فنان الضوء واللون والحركة

غالبا ما يلجأ فنانو الفنون المعاصرة ونقادهم إلى استعمال مصطلح "الفن التفاعلي" وهو مصطلح يلتبس على الكثيرين، ذلك لأن التفاعل هو أساس المشاهدة حتى لو كانت الأعمال تنتمي إلى عصر الباروك كرسوم رامبرامنت وفرمير وفيلاسيكز وزوربران مثلا، فهل هناك ما يتطلب النظر إليه من أجل التعامل مع ذلك المصطلح باعتباره اختراعا معاصرا؟

في المعرض الاستعادي الذي يقيمه متحف "تيت مودرن" لأعمال الفنان الأرجنتيني خوليو لو بارك الذي توفى في 30 مايو/ أيار 2026 عن 97 عاما، ينفتح جواب ذلك السؤال على آفاق شاسعة، موادها الضوء واللون والحركة. وهي المواد اللينة والهلامية وغير الملموسة التي شيد لي بارك بها ومن خلالها عمارته الوهمية الساحرة. صحيح أن الفنان استعمل رقائق معدنية ومرايا، غير أن تلك المواد لم تخف حقيقة أن ما نراه إنما هو نوع من الإيهام البصري الذي يستجيب لوقائع افتراضية.

وضعت بعض الأعمال في غرف مستقلة بسبب ضخامتها، لذلك يضطر المتلقي إلى الدخول إليها من أجل أن يراها، وهي لعبة اخترعها الفنان ليدفع متلقي أعماله إلى أن يكون جزءا منها. ليست هناك متعة أكبر من أن ذلك الإحساس الجسدي بالخفة. تلك أعمال لا ترى بطريقة تقليدية حين يعفى المشاهد من القيام بدوره المعتاد منتقلا إلى التفاعل مع حدس، لن يكون مخيبا في مختلف أحواله. فلذة التعايش مع حركة العناصر من خلال الضوء واللون تنحرف بكل أسئلة الحيرة والارتباك وعدم الفهم والصدمة عن مسارها لتهب المشاهد أوقاتا سعيدة، لا يرغب فيها في البحث عن حكاية أو معنى أو توضيح لتفسير خفته الجسدية واستعداده للانسجام الروحي مع تلك الأعمال. وفي ذلك يكمن معنى التواصل التفاعلي كما أدرج في معجم الفنون المعاصرة.

وإذا كانت مقالات الرثاء التي كتبت عن الفنان الذي أعد معرضه الاستعادي بنفسه ولم يحضر افتتاحه، ركزت على دوره رائدا في الفن الحركي والبصري سعيا وراء خلق عالم افتراضي، فإن ما يجب الاعتراف به أن ذلك الرائد عمل وحده وفي مكان بعيد عن مركزية الفنون المعاصرة في أوروبا وأميركا من غير أن يدرك أن له عائلة ستنظر إلى أعماله بفخر مصحوب بالدهشة.

في وداع اليقين

قبل تعميم مصطلح "التفاعلية" كونه صفة لفن مستقل، وقبل أن تغري المتاحف والمعارض الموسمية زوارها والمستثمرين في الانتقال من صيغة التلقي البارد إلى العيش داخل العمل الفني كما تجلى في تجارب الربع الأول من الألفية الثالثة، كان خوليو لو بارك منهمكا في تفكيك أسئلة لم يعن بها الفن البصري الذي كان المجري الفرنسي فازريلي رائده، وهو الفن التجريدي الذي انطلق منه الفنان. في هذا المعرض هناك قاعة خصصت لأعمال أنجزها لو بارك يوم كان معنيا بصنع لوحة تقليدية على غرار ما فعله رواد الفن البصري.

يتغير المشهد برمته كلما قدم زائر جديد كأن الغرفة التي تحوي العمل الفني استشعرت وجوده فقررت أن تتفاعل معه

كيف تحول المشاهد إلى مشارك في خلق العمل الفني بحيث يراه وحده، يرى نسخته الشخصية، وحين يتخلى عن مكانه لمشاهد آخر فإن ذلك المشاهد سيرى في المكان نفسه عملا جديدا، يواجه نسخته الشخصية هو الآخر؟

كان ذلك السؤال هو جوهر التجربة الفنية لدى لو بارك، إذ خطط لئلا يكون هناك شكل نهائي لعمله. وهو ما يعني الانفصال الكلي عن حالة اليقين التي تنتهي إليها الأعمال الفنية في شكلها النهائي. ما من شكل نهائي.

يضربك الضوء فتراه ثم يختفي ليظهر في مكان آخر. تتحرك الظلال وتقف فجأة ثم تتحرك. تظهر انعكاسات في غير مواضعها وليست متوقعة. تبدو الأشياء متحركة ثم تتوقف ثم تتحرك مجددا في مكان قريب. يتغير المشهد برمته كلما قدم زائر جديد، كأن الغرفة التي تحوي العمل الفني استشعرت وجوده فقررت أن تتفاعل معه.

 RICHARD A. BROOKS / AFP
زوار يتأملون عمل "وجه قابل للتحول" ضمن منطقة "غرفة الألعاب" في معرض خوليو لو بارك في متحف "تيت مودرن" بلندن، 9 يونيو 2026

هذه من المرات القليلة التي نرى فيها أطفالا في معرض فني يقام في "تيت مودرن" منذ وقت طويل. في غير مكان، كان الأطفال هم الأكثر تفاعلا مع الأعمال الفنية وفي الأخص مع ذلك العمل الذي حين كانوا يضغطون على زر وضع على لوح أمامه تنطلق منه أوراق في حركة راقصة تصدر أصواتا مخيفة. تبلور مشاهد الأطفال وهم يلهون معنى أن يكون العمل الفني تفاعليا بعمق.

حيوات العمل الفني بعد إنجازه

لم يكن خوليو لو بارك وحيدا في سعيه لخلق فن يغادر سيرته الأولى ليكون وسيطا تفاعليا. هناك يايوي كوساما وجيمس توريل وأولافور إلياسون وغراف وآلان كابرو وهيليو أويتيشيكا وروبرت إروين وقائمة طويلة من الفنانين المثيرين للجدال الذين تحدوا العلاقة السلبية بين الجمهور والعمل الفني. بالتأكيد فكر مارسيل دوشان بتحريك العمل الفني، وقد فعلها الأميركي ألكسندر كالدر في منحوتاته، هو الذي اقترح على بيت موندريان ذات مرة أن يقوم بتحريك مربعات لوحاته فطرده الرسام الهولندي من مرسمه.

غير أن لو بارك كان يشتغل في مشروعه على فكرة أكثر جوهرية. ماذا يحدث عندما يتوقف الجمهور عن كونه مجرد متفرج ويصبح جزءا من النظام الخيالي الذي ينطوي عليه العمل الفني؟ لم يكن الضوء هو الهدف البتة، بل كان الهدف هو ما يحدث للناس عندما يغمرهم الضوء أو حين يجدون أنفسهم وقد اشتبكوا معه. يذيب عمل لو بارك الخط الفاصل بين المشاهد والعمل الفني. لا تكتفي بالنظر إليه بل تدخله. تعتمد التجربة على حضورك ومشاركتك. تتحرك فيتحرك العمل معك. تغير موقعك فيتغير التكوين معك. في المقابل فإن العمل الفني ليس نسخة نهائية. لا ينتهي العمل الفني حين يتحرر من مبدعه، بل يبدأ سلسلة من الحيوات الجديدة، مع كل متلقٍّ هناك حياة مختلفة.

 RICHARD A. BROOKS / AFP
إعلامي يتأمل عمل "عدم الاستقرار" ضمن قاعة "السطوح والتتابعات" خلال معاينة معرض مخصص للفنان الأرجنتيني الراحل خوليو لو بارك في متحف "تيت مودرن" بلندن، 9 يونيو 2026

في هذا المعرض يضعنا خوليو لو بارك امام واحدة من أهم الحقائق التي أثثتها الفنون المعاصرة بالكثير من الأعمال المدهشة والمثيرة. العمل الفني ليس شيئا ثابتا ينتظر المشاهدة كما كان يحدث دائما، بل هو عبارة عن علاقة تنتظر التفعيل. علاقة طرفاهما الفنان وقد انتهت سيطرته على النسخة الوحيدة والمتلقي الذي يعرف أن النسخة التي يراها من العمل الفني هي نسخته الشخصية لكنها ليست النسخة الوحيدة.

 Emiliano Lasalvia / AFP
الفنان الأرجنتيني خوليو لو بارك خلال جولة في معرضه الاستعادي "لو بارك، صاحب رؤية" في مركز كيرشنر الثقافي في بوينس آيريس، 18 يوليو 2019

من التبجيل إلى اللعب

"ما يثير إعجابي يكمن في اللحظة التي يتوقف فيها الزائر عن كونه متفرجا ويصبح جزءا من العمل الفني. هنا تكمن قوة الفن التجريبي المعاصر. فالتجارب الأرسخ في الذاكرة لا تقدم للجمهور، بل يكملونها هم". تلك واحدة من أهم الخلاصات التي توصل إليها لو بارك وهو يتخلى عما صار يسمى في ما بعد بالملكية الفكرية بعدما صار في إمكان الجمهور المساهمة في خلق العمل الفني بحضوره لاعبا إيجابيا.

 لم يكن الزوار في حاجة إلى فهم نظرية الفنان للمشاركة، إذ يكفي أن يدخلوا الغرفة ويتأملوا ليكونوا مساهمين في صوغ العمل الفني

كان عمله منفتحا ومبهجا ومتاحا للجميع. لم يكن الزوار في حاجة إلى فهم نظرية الفنان للمشاركة، إذ يكفي أن يدخلوا الغرفة ويتأملوا ليكونوا مساهمين في صوغ العمل الفني. يهيئ الفنان الظروف، لكن المعنى يتجلى من خلال المشاركة. وبهذا لا يقتصر دور الزائر على مجرد حضور التجربة. إنه يساهم في ابتكاره.

ما لا يمكن القفز عليه، أن فنا يحث مشاهديه على اللعب معه ومن خلاله لا بد أن يفقد هالة التبجيل التي رافقته قرونا طويلة. ذلك لا يشكل تجربة في التفاعل الترفيهي بقدر ما هو نقطة تحول في مفهوم الفن، كان الارجنتيني خوليو لو بارك واحدا من رواده الكبار.

font change