غالبا ما يلجأ فنانو الفنون المعاصرة ونقادهم إلى استعمال مصطلح "الفن التفاعلي" وهو مصطلح يلتبس على الكثيرين، ذلك لأن التفاعل هو أساس المشاهدة حتى لو كانت الأعمال تنتمي إلى عصر الباروك كرسوم رامبرامنت وفرمير وفيلاسيكز وزوربران مثلا، فهل هناك ما يتطلب النظر إليه من أجل التعامل مع ذلك المصطلح باعتباره اختراعا معاصرا؟
في المعرض الاستعادي الذي يقيمه متحف "تيت مودرن" لأعمال الفنان الأرجنتيني خوليو لو بارك الذي توفى في 30 مايو/ أيار 2026 عن 97 عاما، ينفتح جواب ذلك السؤال على آفاق شاسعة، موادها الضوء واللون والحركة. وهي المواد اللينة والهلامية وغير الملموسة التي شيد لي بارك بها ومن خلالها عمارته الوهمية الساحرة. صحيح أن الفنان استعمل رقائق معدنية ومرايا، غير أن تلك المواد لم تخف حقيقة أن ما نراه إنما هو نوع من الإيهام البصري الذي يستجيب لوقائع افتراضية.
وضعت بعض الأعمال في غرف مستقلة بسبب ضخامتها، لذلك يضطر المتلقي إلى الدخول إليها من أجل أن يراها، وهي لعبة اخترعها الفنان ليدفع متلقي أعماله إلى أن يكون جزءا منها. ليست هناك متعة أكبر من أن ذلك الإحساس الجسدي بالخفة. تلك أعمال لا ترى بطريقة تقليدية حين يعفى المشاهد من القيام بدوره المعتاد منتقلا إلى التفاعل مع حدس، لن يكون مخيبا في مختلف أحواله. فلذة التعايش مع حركة العناصر من خلال الضوء واللون تنحرف بكل أسئلة الحيرة والارتباك وعدم الفهم والصدمة عن مسارها لتهب المشاهد أوقاتا سعيدة، لا يرغب فيها في البحث عن حكاية أو معنى أو توضيح لتفسير خفته الجسدية واستعداده للانسجام الروحي مع تلك الأعمال. وفي ذلك يكمن معنى التواصل التفاعلي كما أدرج في معجم الفنون المعاصرة.
وإذا كانت مقالات الرثاء التي كتبت عن الفنان الذي أعد معرضه الاستعادي بنفسه ولم يحضر افتتاحه، ركزت على دوره رائدا في الفن الحركي والبصري سعيا وراء خلق عالم افتراضي، فإن ما يجب الاعتراف به أن ذلك الرائد عمل وحده وفي مكان بعيد عن مركزية الفنون المعاصرة في أوروبا وأميركا من غير أن يدرك أن له عائلة ستنظر إلى أعماله بفخر مصحوب بالدهشة.
في وداع اليقين
قبل تعميم مصطلح "التفاعلية" كونه صفة لفن مستقل، وقبل أن تغري المتاحف والمعارض الموسمية زوارها والمستثمرين في الانتقال من صيغة التلقي البارد إلى العيش داخل العمل الفني كما تجلى في تجارب الربع الأول من الألفية الثالثة، كان خوليو لو بارك منهمكا في تفكيك أسئلة لم يعن بها الفن البصري الذي كان المجري الفرنسي فازريلي رائده، وهو الفن التجريدي الذي انطلق منه الفنان. في هذا المعرض هناك قاعة خصصت لأعمال أنجزها لو بارك يوم كان معنيا بصنع لوحة تقليدية على غرار ما فعله رواد الفن البصري.



