5 كتب تقدم قراءة جديدة للموسيقى عبر التاريخ

الاستماع فعل أخلاقي والفن تمرين ديمقراطي

5 كتب تقدم قراءة جديدة للموسيقى عبر التاريخ

بين مؤرخ يعيد كتابة قصة الموسيقى الكلاسيكية من ألفي عام قبل باخ، وكاتب سيرة يتتبع صداقة عاصفة بين مخرج وملحن غيرت وجه السينما، وباحث يقرأ الفرق الموسيقية النحاسية كمؤسسات تضامن عمالي، وسيرة جديدة تكشف كيف شكل حب مكتوم مسار أحد أعظم الموسيقيين، وفيلسوفة سياسية ترى في الأوبرا مدرسة للديمقراطية، تتقاطع هذه الكتب الخمسة عند فكرة واحدة: الموسيقى فعل سياسي واجتماعي بقدر ما هي فعل جمالي.

تقترح هذه الكتب، كل منها بطريقته وأسلوبه، أن الاستماع الجيد فعل أخلاقي وأن الفن، حين يصمم لتوسيع تعاطفنا لا لتضييقه، يصبح تمرينا ديمقراطيا بامتياز. بالتالي، رسالة هذه الكتب هي أن الموسيقى، من ترانيم إنخيدوانا في بلاد الرافدين إلى أوبرا موزارت، لم تكن يوما بريئة من السياسة، لكنها أيضا لم تفقد قدرتها على أن تكون جسرا نحو واقع إنساني أكثر انفتاحا وتعاطفا وعدلا.

تاريخ العالم في خمسين مقطوعة موسيقية

يختزل الناقد الموسيقي والمذيع البريطاني المعروف توم سيرفيس، في كتابه "تاريخ العالم في خمسين مقطوعة موسيقية: الموسيقى الكلاسيكية التي تشكلنا" (منشورات "بي بي سي بوكس") تاريخا موسيقيا يمتد آلاف السنين في خمسين محطة فقط.

وهو قيد يفرض في الضرورة اختيارات قاسية: لماذا هذه القطعة دون غيرها؟ ولماذا يحضر مؤلف بينما يغيب آخر؟ غير أن سيرفيس يحول هذا القيد نفسه إلى فرصة لإعادة النظر في معنى الموسيقى الكلاسيكية ذاته. يبدأ الكاتب حكايته من ترانيم إنخيدوانا، الكاهنة السومرية في بلاد الرافدين، ليمر بأغاني السكان الأصليين في أوستراليا، وموسيقى هيلدغارد فون بنغن في القرن الثاني عشر، وصولا إلى يوكو أونو وموسيقى الحيتان وحتى صوت دوران الأرض نفسه.

دراسات في قدرة الموسيقى على أن تتحول إلى رمز للتحرر أو أداة للدعاية بحسب من يمسك بها

لا يسير الكتاب في خط زمني مستقيم، ولا يوزع صفحاته بالتساوي بين العصور والحضارات، بل يبني سلسلة من القطع التي يرى المؤلف أنها تكشف شيئا جوهريا عن الطريقة التي صنع بها البشر موسيقاهم أو أعادوا تفسيرها عبر الزمن. أحد أهم إنجازات الكتاب هو إعادة الاعتبار لأسماء ظلت خارج دائرة الضوء: الراهبة الإيطالية إيزابيلا ليوناردا التي نشرت أكثر من عشرين سوناتا في القرن السابع عشر، والملحن الفرنسي من أصل أفريقي جوزيف بولون، والملحنتان لويز بيرتان ومارغريت بوندز، والمؤلف الأميركي جوليوس إيستمان.

غلاف "تاريخ العالم في خمسين مقطوعة موسيقية"

يتجاوز سيرفيس الموسيقي نفسه إلى الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالعمل الموسيقي. فالكتاب، في جوهره، تاريخ للسلطة بقدر ما هو تاريخ للموسيقى: من يملك حق تعريف الموسيقى الرفيعة؟ من يدخل الحقل ومن يستبعد منه؟ ومن ينسب إليه العمل بينما تختفي مساهمة غيره خلف اسمه؟ وماذا يحدث حين تستولي دولة أو حركة سياسية على موسيقى ولدت في سياق مختلف تماما عن استخدامها اللاحق؟ من هنا تصبح فصول الكتاب عن شوستاكوفيتش وبيتهوفن أكثر من دراسات أسلوبية، فهي دراسات في قدرة الموسيقى على أن تتحول إلى رمز للتحرر أو أداة للدعاية بحسب من يمسك بها.

لعل المفارقة الأعمق في الكتاب أنه لا يستطيع الإفلات كليا من المشكلة التي ينتقدها: مشكلة صانع الذوق. فحين تختار خمسين قطعة فقط من تاريخ يمتد آلاف السنين، فأنت لا تصف العالم فحسب، لكنك تصنع نسخة خاصة منه. ويدرك سيرفيس ذلك، ويحاول معالجته بإدخال الموسيقى الشعبية والتقاليد الشفوية والموسيقى غير الغربية والمؤلفات النسائية، وحتى أصوات الحيوانات. مع ذلك، رأى بعض النقاد أن الكتاب يظل، رغم هذا الجهد، أوروبي المركز، وأن حضوره القوي للأوبرا يأتي أحيانا على حساب تقاليد أخرى. لهذا يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه خريطة لا موسوعة: خريطة منحازة بالضرورة وناقصة بالضرورة، لكنها ذكية بما يكفي لتشير إلى طرق لم نكن نعرف أنها موجودة أصلا.

هيتشكوك وهيرمان: الصداقة والموسيقى التصويرية التي غيرت وجه السينما

يقارب كتاب ستيفن سي. سميث، "هيتشكوك وهيرمان: الصداقة والموسيقى التصويرية التي غيرت وجه السينما" (منشورات أكسفورد)، الموسيقى من خلال علاقة شخصية بالغة الخصوصية بين مخرج وملحن. ورغم أن التعاون بين ألفرد هيتشكوك وبرنارد هيرمان لم يدم سوى نحو عقد من الزمن، فقد أنتج بعضا من أكثر اللحظات رسوخا في تاريخ السينما. يجمع سميث، الذي سبق أن كتب سيرة كاملة لهيرمان، بين السيرة الشخصية والتحليل الموسيقي والتأريخ السينمائي في نسيج واحد.

دراسة في حدود التعاون الإبداعي، فقد تأتي لحظة يتحول فيها نجاح الشراكة نفسه إلى سبب لاستحالة استمرارها

ما يمنح الكتاب أهميته هو أن هيتشكوك تعامل مع الموسيقى بوصفها جزءا من البناء الدرامي نفسه، بقدر اهتمامه بكاتب السيناريو أو مدير التصوير. أما هيرمان، فكان شخصية مختلفة جذريا: حاد المزاج، صريحا حتى حدود الاستفزاز، ومستعدا للدخول في صدام مع المنتجين إن شعر أن الموسيقى تعامل باستخفاف. من هذا التناقض تنبثق المفارقة المركزية في الكتاب: كيف أنتجت شخصيتان بهذا الاختلاف واحدة من أكثر الشراكات الفنية انسجاما في تاريخ الفن السابع؟

بدأ هيرمان مسيرته في إذاعة "سي بي إس"، حيث عمل مع أورسون ويلز الذي استعان به لاحقا لتأليف موسيقى فيلم "المواطن كين". منذ البداية، لم ينظر هيرمان إلى الموسيقى السينمائية بوصفها زخرفة تضاف إلى الصورة، إنما وسيلة لبناء عالم نفسي وصوتي مستقل بذاته. اعتمد على العبارات القصيرة المتكررة والفروق الدقيقة في اللون الصوتي، وأحب التغاير بين الآلات المكتومة والانفجار الصوتي المفاجئ. هذه السمات ستصبح لاحقا بصمة يصعب الخلط بينها وبين أي ملحن آخر.

يوضح سميث أن هيرمان لم يصبح فجأة "ملحن هيتشكوك"، فقد سبقت محاولات جمعهما دون أن تكتمل، إلى أن جاءت نقطة التحول في فيلم "المشكلة مع هاري" عام 1955، وهو كوميديا سوداء غريبة النبرة تحتاج إلى موسيقى تطمئن المشاهد إلى أن الموت يمكن أن يكون مضحكا. وجد هيرمان في هيتشكوك مخرجا يمنحه المساحة التي يحتاج إليها، بينما اكتشف هيتشكوك، بحسب سميث، ما يشبه أنا موسيقية بديلة له. منذ تلك اللحظة تواصل التعاون الذي غيّر مفهوم الموسيقى السينمائية: ففي فيلم "الرجل الذي عرف أمورا كثيرة جدا"، تصبح الموسيقى جزءا من الحدث ذاته، وفي "دوار"، تتحول إلى ترجمة مباشرة للهوس والرغبة والذاكرة، وهنا تكمن عبقرية هيرمان: الموسيقى تجعلنا نشعر مباشرة بما تفكر به الشخصية.

هيتشكوك وهيرمان: الصداقة والموسيقى التصويرية التي غيرت وجه السينما

كان هيتشكوك، بحسب المؤلف، أميل إلى تجنب المواجهة المباشرة، بينما اشتهر هيرمان بعناده واستعداده الدائم للصدام. وأدت الخلافات حول فيلم "ستارة ممزقة" عام 1966 إلى إنهاء التعاون بينهما نهائيا، حين أراد هيتشكوك موسيقى أكثر حداثة وتجارية بينما تمسك هيرمان بأسلوبه. هكذا يصبح الكتاب أيضا، كما قال أحد المراحعين، دراسة في حدود التعاون الإبداعي، فقد تأتي لحظة يتحول فيها نجاح الشراكة نفسه إلى سبب لاستحالة استمرارها، حين يتشبث الطرفان بما يعتقدان أنه جوهر هويتهما الفنية.

قصة الفرقة النحاسية

يتتبع تريفور هربرت في كتابه "قصة الفرقة النحاسية" (مطبعة جامعة ييل)، تاريخ تقليد موسيقي ارتبط ارتباطا وثيقا بالحياة الاجتماعية البريطانية منذ القرن التاسع عشر. ويستند هربرت إلى خبرة شخصية وأكاديمية طويلة جعلت هذا الكتاب أقرب إلى دراسة في التحولات المجتمعية البريطانية منه إلى مجرد تأريخ لمؤسسة موسيقية.

شهادة لقدرة التقاليد الموسيقية الشعبية على البقاء بوصفها جزءا أساسيا من الذاكرة الجماعية

ينطلق الكتاب من فترة الثورة الصناعية، حين شهدت المدن البريطانية نموا سكانيا واسعا وحاجة متزايدة إلى أشكال جديدة من الترفيه الجماهيري. في هذا السياق برزت فرق النحاسيات بوصفها ظاهرة موسيقية واجتماعية فريدة، وفرت للطبقات العاملة فرصة للمشاركة الثقافية والتنظيم الجماعي والتعبير عن الهوية المحلية. يشرح هربرت كيف انتشرت هذه الفرق بسرعة لافتة حتى بلغت الآلاف في أوج العصر الفيكتوري، وكيف تحولت مسابقاتها الموسيقية إلى أحداث جماهيرية واسعة الحضور.

ما يميز مقاربة هربرت هو أنه يربط الموسيقى بالاقتصاد والسياسة والبنية الاجتماعية. فهذه الفرق كانت مؤسسات مجتمعية أسهمت في بناء التضامن بين سكان الأحياء والمدن الصناعية، وعززت الشعور بالانتماء والاعتزاز المحلي، ووفرت فرصا للتعليم الموسيقي والانضباط والعمل الجماعي. يتتبع الكتاب أيضا التحديات التي واجهتها هذه الحركة مع ظهور وسائل الترفيه الحديثة، من السينما إلى الإذاعة والتلفزيون، والتي هددت استمرارها، قبل أن يبرز قدرتها على التكيف وإعادة ابتكار ذاتها عبر تطوير مستوى الأداء وتوسيع مدى الأعمال المقدمة وتعزيز حضورها في المهرجانات الدولية.

غلاف "قصة الفرقة النحاسية"

لا يتحدث الكتاب عن الآلات النحاسية والفرق فحسب، بل عن أناس صنعوا هذا التقليد وحافظوا عليه، وعن جماعات وجدت في الموسيقى وسيلة لمواجهة التحولات الاقتصادية والثقافية المتسارعة. وهو بذلك يقدم شهادة لقدرة التقاليد الموسيقية الشعبية على البقاء بوصفها جزءا أساسيا من الذاكرة الجماعية.

يوهانس برامز: حيوات من منظار نقدي

يعود جون وورثن في كتابه "يوهانس برامز: حيوات من منظار نقدي" (منشورات ريكيتون بوكس) إلى المستوى الفردي الحميم، متخذا من العلاقة الاستثنائية بين برامز وكلارا شومان محورا لفهم شخصيته وإبداعه. يقدم وورثن قراءة تتجاوز الصورة التقليدية لبرامز بوصفه رجلا متحفظا بعيد المنال، ليكشف عن إنسان عاش تحت تأثير حب عميق متواصل شكّل خياراته الشخصية وألهم جزءا كبيرا من إنتاجه الفني.

بدأت القصة عام 1853، حين وصل برامز الشاب إلى منزل روبرت وكلارا شومان في دوسلدورف بتوصية من عازف الكمان جوزيف يواخيم. كانت تلك الزيارة نقطة تحول حاسمة، إذ رأى فيه روبرت شومان موهبة استثنائية ومستقبلا جديدا للموسيقى الألمانية. غير أن الأحداث اتخذت منحى مأسويا حين تعرض شومان لانهيار نفسي حاد انتهى بمحاولة انتحاره وإيداعه مصحة عقلية حتى وفاته بعد سنوات قليلة.

صورة فنان شديد الحساسية يعيش صراعا دائما بين رغبته في القرب من كلارا واستحالة تحويل هذه العلاقة إلى حياة مشتركة

يرى وورثن أن هذه التجربة كانت حدثا مركزيا حدد مسار برامز الوجودي بأكمله. فالعلاقة التي نشأت بينه وبين كلارا تجاوزت الصداقة الفنية لتصبح رابطة عاطفية وفكرية استمرت حتى نهاية العمر. ولم تكن كلارا المرأة التي أحبها فحسب، إذ كانت معلمته وناقدته وراعيته الفنية أيضا، بعدما فتحت له مكتبة آل شومان، وعرفته إلى أعمال أدبية وموسيقية متنوعة، وكانت من أوائل المدافعين عن مؤلفاته وممن قدموا العروض الأولى لعدد مهم منها.

غلاف "يوهانس برامز: حيوات من منظار نقدي"

يركز الكتاب على سنوات برامز المبكرة، ومن خلال الرسائل والوثائق التاريخية، يرسم وورثن صورة فنان شديد الحساسية يعيش صراعا دائما بين رغبته في القرب من كلارا واستحالة تحويل هذه العلاقة إلى حياة مشتركة.

جمهورية الحب: الأوبرا والحرية السياسية

تنظر مارثا نسباوم في كتابها "جمهورية الحب: الأوبرا والحرية السياسية" (منشورات جامعة أوكسفورد) إلى الأوبرا بوصفها مدرسة في التفكير السياسي والأخلاقي، وقوة قادرة على تشكيل الوعي الديمقراطي وتعميق فهم الإنسان للحرية والتعاطف والتعددية. تنطلق نسباوم ـ وهي من أبرز فلاسفة الأخلاق والسياسة المعاصرين في أميركا ـ من فكرة أن الأزمات السياسية الحديثة هي أزمات عواطف ومشاعر أيضا.

غلاف "جمهورية الحب: الأوبرا والحرية السياسية"

يحتل موزارت قلب هذا الكتاب، وترى نسباوم أن عبقريته تكمن في الرؤية الإنسانية التي بثها في أعماله، وخاصة تلك التي كتبت في مناخ التنوير الأوروبي، والتي قدمت تصورا لمجتمع قوامه الاحترام المتبادل والمساواة والتسامح. وتذهب نسباوم إلى أن موسيقى موزارت كثيرا ما تتجاوز حدود النصوص الغنائية نفسها، فتمنح الشخصيات عمقا إنسانيا لا يظهر دائما في الكلمات وحدها، فتصبح الموسيقى لغة أخلاقية وسياسية موازية أكثر تأثيرا من الخطاب النظري المباشر.

الديمقراطية الليبيرالية لا تقوم على التجانس أو فرض نموذج واحد للمواطن الصالح، بل على الاعتراف بالتنوع الإنساني

تقول أيضا إن الديمقراطية الليبيرالية لا تقوم على التجانس أو فرض نموذج واحد للمواطن الصالح، بل على الاعتراف بالتنوع الإنساني، وهو ما تجده متجسدا في شخصيات موزارت الناقصة والمتناقضة والضعيفة التي تستحق مع ذلك الفهم والرحمة.

يتجاوز الكتاب موزارت وحده، ليتتبع هذه الرؤية في أعمال بيتهوفن وفيردي وبنجامين بريتن وجيك هيغي. وتضع نسباوم ريتشارد فاغنر في موقع الخصم الفلسفي لهذا المشروع، إذ ترى في أعماله، المتأثرة بتشاؤم شوبنهاور والقومية الألمانية، رؤية أكثر انغلاقا تحول الانتماء الجماعي إلى معيار للإقصاء واستبعاد المختلف.

font change

مقالات ذات صلة