حين يُسأل روسي عادي "كيف تسير الأمور؟"، غالبا ما يجيب بكلمة واحدة: "نورمالنو". فالحياة تكون "نورمالنو"، أي عادية، حين لا تكون أحوالك رائعة، لكنها في الوقت نفسه ليست سيئة إلى حد كبير. ولعل أقرب معنى لها يقع في منزلة وسطى بين عبارتي "أحاول الصمود" و"أنا بخير."
أما "نورمالنوست"، أي حالة الحياة العادية، فهي بطبيعتها مفهوم نسبي، فما يراه متقاعد روسي يكافح لتأمين نفقات معيشته "نورمالنو" (أي عاديا) قد يختلف تماما عما يعنيه ذلك للرئيس فلاديمير بوتين والمقربين منه.
ومع ذلك، قد يتفق معظم الروس على أن الحياة تصبح "نورمالنو" حين تستطيع تدبير شؤونك المالية، ولا يكنّ لك أبناؤك قدرا كبيرا من الكراهية، ولا يفرط شريك حياتك في الشرب إلا بين حين وآخر، وتتركك السلطات وشأنك معظم الوقت.
غير أن نظام بوتين "الفاشي" وضع الـ"نورمالنوست" أمام اختبار بالغ القسوة، فقبل أن يطلق بوتين غزوه الشامل لأوكرانيا عام 2022، كانت الحياة تمضي بصورة مقبولة لدى المواطن الروسي العادي، كما لدى النخب الروسية. أما اليوم، وبعد أربع سنوات ونصف السنة من حرب دامية يُقتل أو يُصاب فيها يوميا نحو 1100 جندي روسي، ويقترب معها الاقتصاد الروسي، الذي بات الطابع العسكري يهيمن عليه، من حافة الانهيار، فلم يعد في حياة الروس خارج الفقاعات المحمية في موسكو وسانت بطرسبرغ الكثير مما يمكن وصفه بـ"العادي"، وحتى سكان هاتين المدينتين بدأوا يلمسون بأنفسهم آثار حرب ظلت، لفترة طويلة، بعيدة عنهم إلى حد بدت معه أقرب إلى الخيال.
والعودة إلى "نورمالنوست" تقتضي، في حدها الأدنى، انتهاء الحرب. وهذا يعني، إلى حد بعيد، نهاية حكم بوتين أيضا. فقد يُطاح ببوتين حتى فيما الحرب مستمرة، لكن إنهاءها يبدو مستحيلا ما دام في السلطة ومتمسكا بها، ويرى فيها ضرورة لبقائه الشخصي والسياسي.
لكن الصلة بين "نورمالنوست" والحرب لا تقتصر على بوتين وإصراره على تدمير أوكرانيا، بل تمتد إلى أسباب أعمق، ولسوء حظ روسيا والدول المجاورة لها، ستظل الحياة العادية معرضة للانهيار، وسيبقى خطر العدوان الروسي قائما، ما دام عاملان بنيويان راسخان في روسيا لم يتغيرا.




