في 7 سبتمبر/أيلول، افتتحت روسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية حركة المرور على جسر بري أتاح، للمرة الأولى في تاريخ البلدين، اتصالا بريا منتظما بين الجارتين. ويمتد الجسر فوق نهر تومين، رابطا بلدة خاسان الروسية في إقليم بريمورسكي ببلدة تومانغان الكورية الشمالية.
وخلال خمسينات القرن الماضي، كانت جسور خشبية مؤقتة تقام بين حين وآخر فوق النهر، لكن منذ عام 1959 ظل جسر الصداقة، المخصص للسكك الحديدية، حلقة الوصل الوحيدة بين البلدين. ويحمل الجسر اسم ياكوف نوفيتشينكو، وهو ضابط برتبة ملازم في الجيش الأحمر وحائز لقب بطل العمل في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، شارك في الحرب ضد اليابان.
ويحظى نوفيتشينكو بمكانة خاصة في كوريا الشمالية. ففي عام 1946، أنقذ مؤسس الجمهورية كيم إيل سونغ من محاولة اغتيال، وأصيب بجروح بالغة فقد على أثرها إحدى ذراعيه. وخلال تجمع جماهيري، ألقى بجسده فوق قنبلة يدوية ألقيت باتجاه المنصة التي كان يجلس عليها كيم إيل سونغ، متلقيا الانفجار بجسده.
ويمنح الجسر الجديد كوريا الشمالية منفذا بريا إلى شبكة النقل الأوراسية. ولا يتوقع أن يؤدي افتتاحه إلى زيادة فورية كبيرة في حركة الشحن بين روسيا وكوريا الشمالية، إلا أن المسار الجديد يفتح المجال أمام تنويع تدريجي لطرق النقل والخدمات اللوجستية.
وكانت المشاورات بشأن بناء جسر بري فوق نهر تومين متواصلة منذ تسعينات القرن الماضي، قبل اتخاذ القرار النهائي خلال زيارة فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية عام 2024. وخلال الزيارة نفسها، وقّع الطرفان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أثارت نقاشا واسعا، وتضمن أحد بنودها السرية مشاركة قوات خاصة كورية شمالية في القتال ضد القوات الأوكرانية في منطقة كورسك الروسية.
الواقع بعد المعاهدة
حتى مطلع عشرينات هذا القرن، واجهت العلاقات الثنائية صعوبات جدية، ولم تتجاوز في معظم الأحيان اتصالات ودية في ظاهرها، محدودة المضمون سياسيا واقتصاديا. وأيدت روسيا، إلى جانب الدول الغربية، قرارات تدين كوريا الشمالية، من بينها قرارات تتصل بتطوير أسلحتها النووية.
وفي بيونغ يانغ، اعتبر ذلك تراجعا روسياً عن نمط العلاقات الذي ساد خلال الحقبة السوفياتية. وحتى الخطوات الرمزية اللافتة، مثل اعتراف بيونغ يانغ عام 2014 بشبه جزيرة القرم جزءا من روسيا، لم تحقق لها مكاسب عملية.
وبدأت مقومات توسيع التعاون العسكري تتبلور عام 2022. فمع تدهور علاقات روسيا بالغرب، وتكثيف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان جهودها لتوثيق تعاونها العسكري، خلصت القيادة الروسية إلى أن التصورات الأمنية الغربية لم تعد صالحة، واتجهت إلى انتهاج سياسة أكثر استقلالا تجاه كوريا الشمالية.
وظهر هذا التحول في استخدام روسيا حق النقض ضد مشاريع قرارات أميركية ترمي إلى تشديد العقوبات على كوريا الشمالية عقب تجاربها الصاروخية، وفي عرقلة تمديد ولاية فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالعقوبات على بيونغ يانغ، فضلا عن تبدل الخطاب الروسي الرسمي في القضايا المتعلقة بشبه الجزيرة الكورية.
وغيرت معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة طبيعة العلاقات السابقة تغييرا جذريا. فمنذ توقيعها، أصبحت روسيا فعليا شريكا دائما ذا أولوية لدى كوريا الشمالية إلى جانب الصين.

وتبرز صياغة المعاهدة الجديدة فارقا واضحا بينها وبين الاتفاق الذي أبرمته روسيا مع إيران. ففي حال تعرض روسيا أو كوريا الشمالية لهجوم، يتعين على الطرفين تنسيق إجراءات عملية لتقديم المساعدة العسكرية المتبادلة. أما المعاهدة الروسية-الإيرانية، فلا تنص سوى على التزام "مرن" بعدم تقديم مساعدة عسكرية أو غيرها إلى دولة تشن هجوما على أحد الطرفين.
وقال مصدر دبلوماسي روسي لـ"المجلة" إن الاتفاق بين روسيا وكوريا الشمالية يتخذ طابعا عسكريا سياسيا صارما وواضحا، في حين تقوم المعاهدة مع إيران على شراكة عميقة ومتعددة المسارات، لا يفترض جانبها الدفاعي الدخول التلقائي في نزاع.
وأضاف الدبلوماسي: "إذا كانت المعاهدة مع كوريا الشمالية تميل نحو كتلة عسكرية سياسية وتبادل مباشر للتكنولوجيا والموارد، فإن الاتفاق الروسي-الإيراني يستند في المقام الأول إلى قاعدة اقتصادية."
ومع ذلك، تتجنب روسيا وكوريا الشمالية وصف علاقاتهما بأنها تحالف عسكري، كما أن تقديم المساعدة الكاملة بموجب المادة الرابعة من المعاهدة لا يصبح ملزما إلا عند الإعلان رسميا عن قيام حالة حرب.
وكان قرار إرسال جنود كوريين شماليين إلى منطقة كورسك خطوة ذات دلالة خاصة بالنسبة إلى بيونغ يانغ، إذ يعود آخر تدخل كوري شمالي من هذا النوع إلى حرب فيتنام ضد الولايات المتحدة.
أما في ما يتعلق بروسيا، فيستحضر الكوريون الشماليون أن الجيش الأحمر هو الذي حرر الجزء الشمالي من شبه الجزيرة من اليابانيين، وأن الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية قدما لاحقا الدعم لكوريا الشمالية خلال الحرب الكورية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وتواصل كوريا الشمالية دعم روسيا بإمدادات عسكرية متنوعة. فهي تزودها بقذائف المدفعية وشحنات الدفع، إلى جانب صواريخ"KN-23". ووفقا لتقديرات الاستخبارات الكورية الجنوبية التي نقلتها وسائل الإعلام، كانت بيونغ يانغ قد شحنت إلى روسيا حتى يوليو/تموز 2025 نحو 12 مليون قذيفة، شكلت نسبة كبيرة من الذخائر التي استخدمتها المدفعية الروسية على الجبهة.


