كيف تجاوزت موسكو وبيونغ يانغ فتور العلاقات بينهما

يصعب تصور حدوث اختراق اقتصادي كبير في العلاقات الروسية الكورية الشمالية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
يتبادل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الأنخاب خلال حفل استقبال في بيونغ يانغ 19 يونيو 2024

كيف تجاوزت موسكو وبيونغ يانغ فتور العلاقات بينهما

في 7 سبتمبر/أيلول، افتتحت روسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية حركة المرور على جسر بري أتاح، للمرة الأولى في تاريخ البلدين، اتصالا بريا منتظما بين الجارتين. ويمتد الجسر فوق نهر تومين، رابطا بلدة خاسان الروسية في إقليم بريمورسكي ببلدة تومانغان الكورية الشمالية.

وخلال خمسينات القرن الماضي، كانت جسور خشبية مؤقتة تقام بين حين وآخر فوق النهر، لكن منذ عام 1959 ظل جسر الصداقة، المخصص للسكك الحديدية، حلقة الوصل الوحيدة بين البلدين. ويحمل الجسر اسم ياكوف نوفيتشينكو، وهو ضابط برتبة ملازم في الجيش الأحمر وحائز لقب بطل العمل في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، شارك في الحرب ضد اليابان.

ويحظى نوفيتشينكو بمكانة خاصة في كوريا الشمالية. ففي عام 1946، أنقذ مؤسس الجمهورية كيم إيل سونغ من محاولة اغتيال، وأصيب بجروح بالغة فقد على أثرها إحدى ذراعيه. وخلال تجمع جماهيري، ألقى بجسده فوق قنبلة يدوية ألقيت باتجاه المنصة التي كان يجلس عليها كيم إيل سونغ، متلقيا الانفجار بجسده.

ويمنح الجسر الجديد كوريا الشمالية منفذا بريا إلى شبكة النقل الأوراسية. ولا يتوقع أن يؤدي افتتاحه إلى زيادة فورية كبيرة في حركة الشحن بين روسيا وكوريا الشمالية، إلا أن المسار الجديد يفتح المجال أمام تنويع تدريجي لطرق النقل والخدمات اللوجستية.

وكانت المشاورات بشأن بناء جسر بري فوق نهر تومين متواصلة منذ تسعينات القرن الماضي، قبل اتخاذ القرار النهائي خلال زيارة فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية عام 2024. وخلال الزيارة نفسها، وقّع الطرفان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أثارت نقاشا واسعا، وتضمن أحد بنودها السرية مشاركة قوات خاصة كورية شمالية في القتال ضد القوات الأوكرانية في منطقة كورسك الروسية.

الواقع بعد المعاهدة

حتى مطلع عشرينات هذا القرن، واجهت العلاقات الثنائية صعوبات جدية، ولم تتجاوز في معظم الأحيان اتصالات ودية في ظاهرها، محدودة المضمون سياسيا واقتصاديا. وأيدت روسيا، إلى جانب الدول الغربية، قرارات تدين كوريا الشمالية، من بينها قرارات تتصل بتطوير أسلحتها النووية.

وفي بيونغ يانغ، اعتبر ذلك تراجعا روسياً عن نمط العلاقات الذي ساد خلال الحقبة السوفياتية. وحتى الخطوات الرمزية اللافتة، مثل اعتراف بيونغ يانغ عام 2014 بشبه جزيرة القرم جزءا من روسيا، لم تحقق لها مكاسب عملية.

وبدأت مقومات توسيع التعاون العسكري تتبلور عام 2022. فمع تدهور علاقات روسيا بالغرب، وتكثيف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان جهودها لتوثيق تعاونها العسكري، خلصت القيادة الروسية إلى أن التصورات الأمنية الغربية لم تعد صالحة، واتجهت إلى انتهاج سياسة أكثر استقلالا تجاه كوريا الشمالية.

وظهر هذا التحول في استخدام روسيا حق النقض ضد مشاريع قرارات أميركية ترمي إلى تشديد العقوبات على كوريا الشمالية عقب تجاربها الصاروخية، وفي عرقلة تمديد ولاية فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالعقوبات على بيونغ يانغ، فضلا عن تبدل الخطاب الروسي الرسمي في القضايا المتعلقة بشبه الجزيرة الكورية.

وغيرت معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة طبيعة العلاقات السابقة تغييرا جذريا. فمنذ توقيعها، أصبحت روسيا فعليا شريكا دائما ذا أولوية لدى كوريا الشمالية إلى جانب الصين.

أ ف ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بعد توقيع اتفاق التعاون في بيونغ يانغ في 19 يونيو 2024

وتبرز صياغة المعاهدة الجديدة فارقا واضحا بينها وبين الاتفاق الذي أبرمته روسيا مع إيران. ففي حال تعرض روسيا أو كوريا الشمالية لهجوم، يتعين على الطرفين تنسيق إجراءات عملية لتقديم المساعدة العسكرية المتبادلة. أما المعاهدة الروسية-الإيرانية، فلا تنص سوى على التزام "مرن" بعدم تقديم مساعدة عسكرية أو غيرها إلى دولة تشن هجوما على أحد الطرفين.

وقال مصدر دبلوماسي روسي لـ"المجلة" إن الاتفاق بين روسيا وكوريا الشمالية يتخذ طابعا عسكريا سياسيا صارما وواضحا، في حين تقوم المعاهدة مع إيران على شراكة عميقة ومتعددة المسارات، لا يفترض جانبها الدفاعي الدخول التلقائي في نزاع.

وأضاف الدبلوماسي: "إذا كانت المعاهدة مع كوريا الشمالية تميل نحو كتلة عسكرية سياسية وتبادل مباشر للتكنولوجيا والموارد، فإن الاتفاق الروسي-الإيراني يستند في المقام الأول إلى قاعدة اقتصادية."

ومع ذلك، تتجنب روسيا وكوريا الشمالية وصف علاقاتهما بأنها تحالف عسكري، كما أن تقديم المساعدة الكاملة بموجب المادة الرابعة من المعاهدة لا يصبح ملزما إلا عند الإعلان رسميا عن قيام حالة حرب.

وكان قرار إرسال جنود كوريين شماليين إلى منطقة كورسك خطوة ذات دلالة خاصة بالنسبة إلى بيونغ يانغ، إذ يعود آخر تدخل كوري شمالي من هذا النوع إلى حرب فيتنام ضد الولايات المتحدة.

أما في ما يتعلق بروسيا، فيستحضر الكوريون الشماليون أن الجيش الأحمر هو الذي حرر الجزء الشمالي من شبه الجزيرة من اليابانيين، وأن الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية قدما لاحقا الدعم لكوريا الشمالية خلال الحرب الكورية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

وتواصل كوريا الشمالية دعم روسيا بإمدادات عسكرية متنوعة. فهي تزودها بقذائف المدفعية وشحنات الدفع، إلى جانب صواريخ"KN-23". ووفقا لتقديرات الاستخبارات الكورية الجنوبية التي نقلتها وسائل الإعلام، كانت بيونغ يانغ قد شحنت إلى روسيا حتى يوليو/تموز 2025 نحو 12 مليون قذيفة، شكلت نسبة كبيرة من الذخائر التي استخدمتها المدفعية الروسية على الجبهة.

بدأت التجارة بين روسيا وكوريا الشمالية تستعيد بعض حيويتها مع إنشاء مسارات لوجستية جديدة

كذلك أفادت تقارير إعلامية بأن روسيا استوردت من كوريا الشمالية، بين أغسطس/آب 2025 وفبراير/شباط 2026، نحو 60 ألف طن من المواد المتفجرة. وتتيح هذه الإمدادات لموسكو إعادة ملء مخازن الذخيرة، إلى جانب تزويد قطاع التعدين بالمتفجرات في ظل الضغط الكبير على المصانع الروسية.

وتستخدم القوات الروسية أيضا أنظمة مدفعية موردة من كوريا الشمالية بعيارات غير مألوفة، في محاولة للتعويض عن النقص في سبطانات المدفعية السوفياتية.

وبحسب تقديرات المعهد الكوري لتحليلات الدفاع (KIDA)، وهو مركز أبحاث كوري جنوبي نقلت عنه مجلة "نيوزويك"، فقد جنت كوريا الشمالية إجمالا أكثر من 20 مليار دولار من توريد الذخائر إلى روسيا، وإرسال آلاف العسكريين، وتقديم الدعم الفني. وفي المقابل، تشير بيانات المعهد إلى أن بيونغ يانغ تحصل على تقنيات حديثة وأسلحة تعزز قدراتها العسكرية.

ومن خلال منح معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة مضمونا عمليا، وجهت روسيا أيضا إلى كوريا الجنوبية إشارة واضحة بعدم ترحيبها بتزويد أوكرانيا بالسلاح. وكانت تقارير إعلامية قد أفادت بأن كوريا الجنوبية نقلت إلى كييف عام 2023 مئات الآلاف من قذائف المدفعية عيار 155 ملم، وكانت آنذاك أكبر مورد لذخائر المدفعية إلى أوكرانيا.

رويترز
يصفّق الحاضرون خلال مراسم افتتاح أول جسر بري يربط بين كوريا الشمالية وروسيا، ويمتد فوق نهر تومين بين مدينتي راسون الكورية الشمالية وخاسان الروسية، في 7 سبتمبر 2026

ويبدو أن الرسالة الروسية لم تمر من دون أثر في سيول. ففي أغسطس/آب 2026، ذكرت وكالة "يونهاب" الكورية الجنوبية، نقلا عن مصادر في وزارة الخارجية، أن كوريا الجنوبية ما زالت تمتنع عن توريد الأسلحة إلى أوكرانيا.

ولا يمكن اعتبار الحرب في أوكرانيا السبب الوحيد وراء التقارب بين موسكو وبيونغ يانغ. فتعميق التعاون مع كوريا الشمالية يحقق لروسيا مصالح استراتيجية أخرى. ومع توثيق علاقاتها بالدول الآسيوية، وإعادة توجيه جانب متزايد من اتصالاتها الاقتصادية والسياسية الخارجية من الغرب إلى الشرق، تكتسب الشراكة مع بيونغ يانغ أهمية إضافية.

وكانت الصين قد هيمنت طويلا على شبكة الشركاء الآسيويين لروسيا، الأمر الذي جعل استراتيجية التوجه شرقا أقل توازنا.

كما كان إحجام روسيا عن الدخول إلى ما تعده بكين مجال نفوذها أحد العوائق التي حالت طويلا دون استئناف التعاون العسكري الواسع مع كوريا الشمالية. ويرى فاسيلي كاشين، أحد أبرز الخبراء العسكريين الروس المتخصصين في الشؤون الآسيوية، أن قيام اتحاد عسكري بين روسيا وكوريا الشمالية أصبح ممكنا نتيجة تفاهمات روسية-صينية وتقاسم لمجالات النفوذ.

ويقول كاشين: "لا يزال لدى الصين ما تخسره، فهي لا تتعرض لضغوط عقوبات بالقوة نفسها، كما أن دبلوماسيتها النشطة مع كوريا الجنوبية واليابان مستمرة. أما روسيا، فعلى الرغم من احتفاظها ببعض الاتصالات مع سيول، فإنها تستطيع أن تسمح لنفسها بحرية أكبر في إقامة شراكة مع كوريا الشمالية."

محكومان بالتعاون العسكري

بدأت التجارة بين روسيا وكوريا الشمالية تستعيد بعض حيويتها مع إنشاء مسارات لوجستية جديدة، إلا أن التعامل التجاري مع بيونغ يانغ له خصوصيات تتصل بآليات الدفع والتواصل التجاري في ظل النموذج الاقتصادي الشيوعي المعمول به في البلاد.

الواضح أن روسيا وكوريا الشمالية ستسعيان إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب من هذه الشراكة. وقد تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين

ولهذا، يصعب تصور حدوث اختراق اقتصادي كبير في العلاقات الروسية-الكورية الشمالية. فاقتصادا البلدين لا يتكاملان إلا في نطاق محدود. وكما يشير الخبير أندريه لانكوف، فإن السلع التي تمتلك فيها كوريا الشمالية ميزة تنافسية في الأسواق العالمية لا تثير اهتمام الكرملين.

فروسيا، بما تمتلكه سيبيريا من قاعدة ضخمة للموارد الطبيعية، لن تصبح مشتريا للفحم أو الخامات الكورية الشمالية. كما أن المنتجات البحرية لا تحظى باهتمام كبير لدى المستهلك الروسي، رغم نجاحها في السوق الصينية.

وفي المقابل، لا تملك المؤسسات الكورية الشمالية القدرة على دفع الأسعار التي يتوقعها الموردون الروس مقابل منتجاتهم. وتستطيع حكومة بيونغ يانغ توفير الأموال اللازمة لشراء السلع ذات الأهمية الحيوية، ولا سيما تلك المرتبطة باحتياجات الصناعات الدفاعية، إلا أن الحديث عن مشتريات واسعة النطاق من المنتجات الروسية بالعملات الصعبة يظل بعيدا عن الواقع.

أ.ف.ب
ترفرف الأعلام الروسية في مهب الريح، فيما تعبر شاحنات كورية شمالية جسر الطرق الجديد بين روسيا وكوريا الشمالية فوق نهر تومين، خلال مراسم افتتاحه في 7 سبتمبر 2026

وتتمثل أبرز الصادرات الروسية إلى كوريا الشمالية في المواد الغذائية والمواد الخام، ومنها الدقيق والسكر وزيت دوار الشمس.

وتوجد، مع ذلك، مجالات محددة يتكامل فيها اقتصادا البلدين. ومن أبرزها تشغيل مواطنين كوريين شماليين بصورة مؤقتة في مناطق روسية تعاني نقصا في الأيدي العاملة، وهو من أسرع مجالات التعاون الاقتصادي الثنائي نموا.

ولا يزال من غير المعروف ما إذا كان هذا الاتحاد الجديد سيصمد على المدى الطويل، إذ لا تتحدد العلاقات بين البلدين بمصالحهما ونواياهما وحدها، وإنما تتأثر أيضا بجملة من العوامل الخارجية.

لكن الواضح أن روسيا وكوريا الشمالية ستسعيان إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب من هذه الشراكة. وقد تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وتعزز موقعي موسكو وبيونغ يانغ، وتسهم في إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.

font change

مقالات ذات صلة