الليرة اللبنانية ثابتة لا مثبتة

ما العوامل التي تقف وراء ثباتها؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لبناني يعمل في متجر صرافة يحصي الدولار مقابل الليرة اللبنانية، بيروت، 28 يونيو/حزيران 2020

الليرة اللبنانية ثابتة لا مثبتة

يبقى الهاجس اللبناني المتصل بمصير العملة الوطنية وسعر الصرف، وسط استمرار الحرب الاسرائيلية وتدني المؤشرات الاقتصادية الخاصة بالنمو والازدهار، أولوية رسمية وشعبية على حد سواء.

ويزداد الاهتمام بذلك، إذ لامس الوضع المعيشي الخطوط الحمر، وبات في خطورته يوازي الحرب الاسرائيلية المدمرة، في ظل وصول "الاتفاق الإطاري" للحل إلى مرحلة من الجمود، في انتظار الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. لكن الليرة صمدت حتى الساعة. فما العوامل التي مكنتها من ذلك على الرغم من التحديات الداخلية والخارجية؟

مع استمرار الحرب في المنطقة، والارتفاع المضطرد في أسعار الطاقة، ارتفعت أسعار المواد الحياتية، فضلا عن اللوازم المدرسية والجامعية، ولوازم التدفئة على أبواب الشتاء. كما زادت الأعباء الضريبية والرسوم في لبنان خلال فترة الحرب، في وقت كانت فيه الأسر تواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية متزايدة.

وقال وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، "إن الوضع صعب جدا اليوم في ظل الاحتلال، والتجاوزات في جنوب لبنان. وهناك ما بين 70 إلى 75 بلدة اختفت. بالإضافة إلى النزوح الكبير، وتضرر الاقتصاد الزراعي والصناعي والسياحي".

وقدّر البساط حجم الأضرار والدمار بنحو 11 مليار دولار، تشمل المنازل والطرق والجسور والكهرباء والمصانع والمزارع. ولفت إلى أن jكلفة النزوح تبلغ 100 مليون دولار شهريا، مشيرا إلى أن قدرة الدول على تقديم المساعدات ليست مفتوحة، وأن على لبنان مسؤولية في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

الخبراء يحذرون من المساس بالاستقرار النقدي وانعدام حل مشكلة الودائع

​يعتبر أكثر من خبير اقتصادي أن المتطلبات بالنسبة الى الموازنة أكبر بكثير من الموارد، فإما أن يضبط لبنان الإنفاق، أو يلجأ الى التمويل الخارجي الذي دونه شكوك، فيما انخفضت تحويلات المغتربين من نحو 6.7 مليار دولار عام 2023 إلى 5.8 مليار دولار عام 2024، أي بنسبة 13.4 في المئة في عام واحد، وفق تقديرات البنك الدولي، مع ازدياد التوترات العالمية، وتأثيرها السلبي على الاقتصاد، وارتفاع الأسعار بعد الحرب على إيران، وأزمة مضيق هرمز. وقد أشار تقرير للأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تصعيد الحرب يُتوقع أنه أسهم في هذا الانخفاض.

ارتفع العجز التجاري إلى نحو 8.65 مليار دولار في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ7.87 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة قدرها 10 في المئة، وفق بيانات الجمارك اللبنانية

كما تلقى النمو الاقتصادي ضربات متتالية جراء الحرب، فانكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 7.1 في المئة في 2024، بعد سنوات من الانكماش، قبل أن يسجل الاقتصاد نموا تقديريا بنحو 3.5 في المئة في 2025، فيما أعادت حرب 2026 الضغوط على مسار التعافي.

وواجهت المالية العامة تحديات في تغطية احتياجات الإنفاق، بعدما كان تمويل العجز عبر مصرف لبنان أحد مصادر التمويل في السنوات السابقة، قبل أن يتوقف التمويل النقدي للموازنة مع تشديد السياسة المالية والنقدية.

وأوضح خبراء مال لـ"المجلة" أن الحرب أثرت في التحويلات من دول الخليج، حيث يُقدّر عدد اللبنانيين بنحو 400 ألف لبناني. والسبب يعود إلى انعكاسات الحرب في المنطقة على الاقتصادات والأعمال في هذه الدول، في حين أن هذه التحويلات من غرب أفريقيا ازدادت. وهذا مرتبط بدعم الأسر الجنوبية، على حد قولهم.

رويترز
متجر سوبرماركت يعرض أسعار المنتجات بالدولار الأميركي، بيروت، 1 مارس/آذار 2023

أما الخسائر الاقتصادية، فقد ألقت بظلالها على النشاط والنمو ومسار التعافي في البلاد. وقدّر البنك الدولي التكلفة الاقتصادية الإجمالية للنزاع بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024 بنحو 14 مليار دولار، منها 6.8 مليار دولار أضرار مادية و7.2 مليار دولار خسائر اقتصادية. واستحوذت قطاعات الزراعة والتجارة والسياحة على نحو 77 في المئة من الخسائر الاقتصادية، وفق تقديرات البنك الدولي.

انعكست تداعيات الأزمة على قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية، في ظل ضعف القطاعات الإنتاجية وتراجع الصادرات، مما يزيد الضغوط على الاستقرار النقدي. وارتفع العجز التجاري إلى نحو 8.65 مليار دولار في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ7.87 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة قدرها 10 في المئة، وفق بيانات الجمارك اللبنانية. وتشكل الصادرات أحد مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى الاقتصاد، وبالتالي فإن ضعف القدرة التصديرية واتساع العجز التجاري يزيدان الضغوط على ميزان المدفوعات والاستقرار النقدي.

لم تعد العملة اللبنانية تمثل نسبة كبيرة في السوق اللبنانية، فهناك نحو 600 مليار ليرة أي ما يوازي 500 مليون دولار. مصرف لبنان لديه 11 مليار دولار، وإذا أراد كل اللبنانيين التحويل من الليرة إلى الدولار، يمكنهم ذلك، دون أن يتأثر سعر العملة الوطنية

أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت وعضو الهيئات الاقتصادية الدكتور باسم بواب

وقدرت الهيئات الاقتصادية قيمة الخسائر في الصادرات الصناعية بمئات ملايين الدولارات، مقارنة بالأعوام السابقة. وتفاقمت تداعيات الخسائر الاقتصادية المتراكمة مع تجدد الصراع، مما أدى إلى عرقلة مسار التعافي، فيما توقع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي للبنان بنسبة 6.4 في المئة خلال 2026.

وأسهم هذا الوضع في ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات مرتفعة، وفاقم الضغوط المعيشية والاجتماعية على اللبنانيين. وقال البنك الدولي في 2024 إن معدل الفقر بين اللبنانيين بلغ 44 في المئة في 2022، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مستواه قبل عقد، ووصفه بأنه وصل إلى مستوى مرتفع جدا في ظل الأزمة الممتدة

استقرار الليرة اللبنانية في مواجهة فاتورة الدولة المتصاعدة

يحذّر خبراء من مخاطر المساس بالاستقرار النقدي، في ظل استمرار عدم حسم ملف الودائع. ويتجه لبنان إلى اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ممثلا بالوزير البساط، ووزير المال ياسين جابر، حاملا سجلّ التقدم المحرز في الإصلاحات، وفي مقدمها إقرار تعديلات قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، إلى جانب العمل على قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، وخطة إصلاح المالية العامة.

رويترز
أشخاص يمرون بجانب مصرف لبنان، بيروت، 27 مارس/آذار 2025

ومع ارتفاع مستوى الدولرة في الاقتصاد اللبناني، تقلصت قيمة الكتلة النقدية بالليرة مقارنة بحجم الاقتصاد والمعاملات المقوّمة بالدولار. ويشرح أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت وعضو الهيئات الاقتصادية الدكتور باسم بواب لـ"المجلة" أن النقد بالليرة المتداول يناهز 600 مليار ليرة، أي نحو 500 مليون دولار بسعر الصرف الحالي، في حين تبلغ حيازات مصرف لبنان من العملات الأجنبية نحو 11-12 مليار دولار. ويساعد تقلّص حجم الليرة المتداولة، إلى جانب استقرار سعر الصرف منذ أغسطس/آب 2023، في تفسير محدودية الضغوط على سعرها حاليا، لكن ذلك لا يعني أن المصرف المركزي يستطيع بالضرورة تحويل جميع الليرات إلى دولارات عند الطلب.

وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت وعضو الهيئات الاقتصادية الدكتور باسم بواب لـ"المجلة": "ان العملة اللبنانية لم تعد تشكل نسبة كبيرة في السوق اللبنانية، فهناك نحو 600 مليار ليرة أي ما يوازي 500 مليون دولار. مصرف لبنان لديه 11 مليار دولار، وإذا أراد كل اللبنانيين التحويل من الليرة إلى الدولار، يمكنهم ذلك، دون أن يتأثر سعر العملة الوطنية، إذ أن مصرف لبنان عندها يستطيع أن يسدد ذلك. لهذا السبب لم تهتز قيمة الليرة التي باتت تشكل نسبة قليلة كما قلت، وهي تشكل ما بين 3 إلى 4 في المئة من السوق. وبالتالي لا خطر عليها".

الآن ليس وقت تكبير حجم الموازنة والرسوم والضرائب. لأن زيادة حجم الموازنة تحتاج إلى نمو مواز في حجم الاقتصاد.

أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت وعضو الهيئات الاقتصادية الدكتور باسم بواب

وأوضح بواب أن استمرار الاستقرار النقدي يرتبط، في رأيه، بعدم اللجوء إلى تمويل الإنفاق العام من خلال إصدار النقد، ولا سيما مع محدودية قدرة الدولة على الاقتراض الخارجي بعد تعثرها عن سداد ديون اليوروبوند في مارس/آذار 2020. وأشار إلى أن أي زيادة كبيرة في الإنفاق من دون إيرادات مقابلة قد تعيد الضغوط على المالية العامة وسعر الصرف. وتأتي هذه المخاوف في وقت تتجه فيه تكلفة أجور ورواتب القطاع العام إلى الارتفاع مع الزيادات المقررة للعاملين والمتقاعدين، فيما قدرت الحكومة تكلفة زيادات الأجور بنحو 800 مليون دولار، مع العلم أن الدولة تدفع شهريا ما قيمته 200 مليون دولار شهريا كرواتب وأجور، أي 2.4 مليار دولار سنويا.

وقال إن "الخطر يمكن في حال زادت الأجور والرواتب لتصبح 300 مليون دولار في الشهر، فتصبح 3.6 مليار في السنة. وهي طالما ستؤمن هذا المبلغ من الضرائب والرسوم، لن يكون هناك مشكلة. لكن إذا استمرت الظروف على ما هي عليه، فستصل الدولة إلى مكان لا تستطيع توفير الواردات لها، وهنا ستقع الكارثة".

رويترز
لبناني يصف حزم الأموال من الليرة اللبنانية في متجر صرافة، بيروت، 19 يناير/كانون الثاني 2023

وتابع: "الآن ليس وقت تكبير حجم الموازنة والرسوم والضرائب. لأن زيادة حجم الموازنة تحتاج إلى نمو مواز في حجم الاقتصاد. لكن وسط تراجع النمو نحو 7 في المئة حسب الوزير البساط، والزيادات على المستهلكين من جراء انعكاسات مضيق هرمز، التي لا نستطيع التحكم بها، لم يكن واجبا زيادة الرسوم والضرائب لأن ذلك سيؤدي إلى انفجار شعبي".

وأوضح بواب أن "الوضع الخليجي الراهن، واستهداف السعودية، مسألة كبيرة لا يمكن الاستخفاف بانعكاساتها على اقتصادات المنطقة، بما فيها لبنان. الدولة لن تستطيع الاستمرار بهذه الطريقة، فهي تدفع حاليا بالدولار، أما إذا عادت إلى الدفع بالليرة اللبنانية، فسيؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على الدولار، وبالتالي قد يفرض ضغوطا على سعر الصرف".

وحسب بواب، كلف النزوح خزينة الدولة مبالغ كبيرة، ولا سيما وزارة الشؤون الاجتماعية، معتبرا أن الأوضاع الاقتصادية يمكن أن تتحسن إذا لم تتجدد الحرب، لكن تجددها سيعمّق الضغوط على المالية العامة والاقتصاد. وأشار إلى أن لبنان يعتمد على مجموعة من مصادر العملات الأجنبية، بينها الصادرات وتحويلات المغتربين والسياحة والمساعدات الدولية، في وقت بلغ فيه عجز تجارة السلع نحو 17.4 مليار دولار في 2025، وفق البنك الدولي. وأضاف أن استمرار تدفق العملات الأجنبية يساعد في تمويل جانب من حاجات الاقتصاد، لكن تجدد الحرب قد يضغط على هذه التدفقات، خصوصا إذا تزامن ذلك مع زيادة الإنفاق الحكومي بالليرة، مما قد يرفع الطلب على الدولار ويزيد الضغوط على سعر الصرف.

ذهب لبنان في مواجهة فجوة الودائع

قال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، في مقابلة مع "سي أن أن" الاقتصادية"، إنه لا يتوقع إقرار قانون الفجوة المالية قبل ستة إلى ثمانية أشهر، مشيرا إلى أن العمل جارٍ لتوحيد الرؤية بين السلطات اللبنانية وصندوق النقد الدولي في شأنه.

وفي ملف الودائع، قال إن موجبات مصرف لبنان تجاه المصارف والمودعين تبلغ حاليا نحو 79.5 مليار دولار، وقد تتراجع إلى قرابة 79 مليار دولار نهاية العام. أما في ما يتعلق باحتياطي الذهب، فأبدى سعيد موقفا مشروطا، إذ قال إنه ليس مع بيعه من حيث المبدأ، لكنه أشار إلى إمكان استخدام جزء منه لاستعادة أموال المودعين إذا تعذر الوفاء بها من مصادر أخرى. ويعكس هذا الموقف طرح الذهب كأحد الأصول التي قد تُستخدم، في ظروف استثنائية، للمساهمة في معالجة حقوق المودعين، وليس باعتباره أصلا مخصصا لهم قانونا.

خيار بيع الذهب لا يعود إلى حاكم مصرف لبنان منفردا، إذ يحظر القانون رقم 42 الصادر في 24 أيلول/سبتمبر 1986 التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلا بموجب نص تشريعي يصدر عن مجلس النواب

إلا أن خيار بيع الذهب لا يعود إلى حاكم مصرف لبنان منفردا، إذ يحظر القانون رقم 42 الصادر في 24 أيلول/سبتمبر 1986 التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلا بموجب نص تشريعي يصدر عن مجلس النواب. وقال سعيد أيضا إن الذهب "ليس مخصصا لمشاريع الدولة، ولا للدفع عن الدولة أو عن المصارف"، ويعني ذلك أن استخدام الذهب لسداد حقوق المودعين، إذا طُرح كخيار، يحتاج أولا إلى تشريع من مجلس النواب، ولا يمكن مصرف لبنان اتخاذ هذا القرار منفردا.

وأوضح حاكم مصرف لبنان في المقابلة مع "سي أن أن" الاقتصادية، أن الأصول الأجنبية لدى مصرف لبنان تبلغ نحو 12 مليار دولار، مشيرا إلى أن هذا الرقم لا يمثل احتياطيات متاحة بالكامل للاستخدام، في ظل وجود التزامات مقابلة على المصرف المركزي، بينها ودائع المصارف والقطاع العام. وتظهر بيانات مصرف لبنان أن الأصول الاحتياطية الأجنبية بلغت نحو 11.45 مليار دولار في نهاية مايو/أيار 2026، في حين بلغت ودائع القطاع المالي نحو 81 مليار دولار وودائع القطاع العام نحو 9.6 مليار دولار.

رويترز
سبيكة ذهبية، تعرض في متحف العملات التابع لمصرف لبنان المركزي في بيروت، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2014

أما الخبير المالي والنقدي الدكتور نقولا شيخاني فأوضح لـ"المجلة، "إن الليرة لن تفقد السيطرة على قيمتها بل على العكس إذا تم دعمها بالذهب بحسب المادة 69 من قانون النقد والتسليف، ستزداد قيمة وقوة. في كل الأحوال، يجب التفكير في سياسة نقدية وليس بمقاربة تكتيكية". وقال: "إن الكتلة النقدية اللبنانية بالليرة هي ذات حجم صغير. لبنان البلد الوحيد في العالم [على حد تعبيره] الذي يمتلك كتلة نقدية أقل من كتلة الذهب لديه".

وتظهر بيانات مصرف لبنان أن قيمة احتياطي الذهب بلغت نحو 37.1 مليار دولار في يونيو/حزيران 2026، فيما بلغت الكتلة النقدية M2 نحو 138.8 تريليون ليرة، أي ما يعادل نحو 1.55 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي. ويعكس هذا الفارق الكبير بين قيمة الذهب وحجم الكتلة النقدية بالليرة مدى الانكماش الذي شهدته السيولة بالعملة المحلية، بالتزامن مع ارتفاع مستوى الدولرة في الاقتصاد اللبناني

وشرح شيخاني: "يقول قانون النقد والتسليف في مادته 69 إنه يجب أن تكون الليرة مدعومة بنسبة 30 في المئة بالذهب. هذا موجود فإذا دعمنا الليرة اللبنانية بالذهب، يتحسن سعر الليرة فيتدنى عندها سعرها بالنسبة إلى الدولار من 89 ليرة للدولار الواحد، إلى 40 أو حتى إلى 30 ليرة للدولار الواحد".

تظهر بيانات مصرف لبنان أن قيمة احتياطي الذهب بلغت نحو 37.1 مليار دولار في يونيو/حزيران 2026، فيما بلغت الكتلة النقدية M2 نحو 138.8 تريليون ليرة، أي ما يعادل نحو 1.55 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي

تجدر الإشارة إلى أن المادة 69 تحدد متطلبات للغطاء النقدي ولا تنص على سعر صرف معين لليرة مقابل الدولار. كما أن نسبة الـ30 في المئة الواردة في المادة تشمل الذهب والعملات الأجنبية معا، ولا تعني أن 30 في المئة من قيمة الليرة يجب أن تكون مغطاة بالذهب وحده.

وتساءل شيخاني عن أسباب عدم استخدام هذه الأدوات لدعم الليرة، قائلا إن قانون النقد والتسليف يوفر الإطار القانوني لذلك، ولا داعي لقانون جديد على حد تعبيره. وقال شيخاني إن الدولة لديها، وفق تقديره، نحو 9 مليارات دولار في ودائعها لدى مصرف لبنان عند احتساب الودائع المقومة بالليرة بسعر الصرف البالغ 89,500 ليرة للدولار (نحو 872 تريليون ليرة في يونيو/حزيران 2026 حسب بيانات مصرف لبنان).

رويترز
مقر وزارة المالية اللبنانية في العاصمة بيروت، 15 أبريل/نيسان 2025

وأضاف أن استخدام هذه الأموال في الإنفاق قد يؤدي إلى ضخ سيولة كبيرة في السوق والضغط على الليرة، لكنه رأى أن تعزيز الغطاء الذهبي للعملة يمكن أن يحد من هذه الضغوط. وقال: "اليوم لدى لبنان سيطرة على الليرة، لكن لبنان لا يريد استخدام سياسة نقدية. إذا كان القيمون على القرار لا يريدون استعمالها أو لا يعرفون كيفية استعمالها، فهذه قصة أخرى".

وأشار شيخاني إلى أن "تحسن سعر الليرة" قد يرفع القيمة الدولارية للجزء من الدين العام المقوم بالليرة، معتبرا أن السلطات لا تسعى إلى رفع قيمة العملة على الرغم من امتلاكها، بحسب رأيه، أدوات تسمح بذلك. وأضاف أن ارتفاع قيمة الليرة يمكن أن يعزز القدرة الشرائية للمواطنين من خلال خفض التكلفة بالليرة للسلع والخدمات المسعرة بالدولار، من دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة الأجور بالقدر نفسه.

ويستند هذا الطرح إلى افتراض أن تحسن سعر الصرف سينعكس على الأسعار المحلية، فيما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 98 في المئة من الدين العام اللبناني كان مقوما بالعملات الأجنبية في 2024، مما يعني أن أثر ارتفاع قيمة الليرة على إجمالي الدين سيكون مختلفا عن أثره على الجزء المقوم بالعملة المحلية. كما أن استقرار سعر الصرف عند نحو 89,500 ليرة للدولار لا يعني تلقائيا أن الدولة تملك أو ترغب في رفع قيمة الليرة إلى مستويات أعلى.

اليوم لدى لبنان سيطرة على الليرة، لكن لبنان لا يريد استخدام سياسة نقدية. إذا كان القيمون على القرار لا يريدون استعمالها أو لا يعرفون كيفية استعمالها، فهذه قصة أخرى

الخبير المالي والنقدي الدكتور نقولا شيخاني

وقال شيخاني: "أرى أن مصرف لبنان يجب أن يعد سياسة نقدية صارمة مع استراتيجيا ورؤية على مدى خمس سنوات بالتنسيق مع وزير المالية، من أجل تركيب الدائرة الاقتصادية المتماسكة مع السياسة النقدية. لا أجد أن هناك خطرا على الليرة، بل أرى أن هناك قرارات لا يتم اتخاذها من أجل تحسين سعر الليرة، لأن هناك معطيات أخرى لا يريد أحد أن يقوم بها. وهناك سوء ادارة في هذا المجال من المؤسسات المالية التابعة للدولة مثل مصرف لبنان ووزارة المالية والاقتصاد. وهنا تترتب مسؤولية كبيرة على هؤلاء، فإذا تدهور سعر الليرة، فسيكون هناك خطأ كبير، إذ لا تنجز الإصلاحات لتحسين البلد ووضعه على السكة الصحيحة للنهوض الاقتصادي".

ثبات الليرة أمام اختبار ارتفاع تكلفة المعيشة

فَرَّقَ سعيد بين استقرار سعر صرف الليرة وسياسة التثبيت الرسمية، قائلا: "نحن اليوم أمام ثبات لليرة، لا تثبيت لها". وربط هذا الاستقرار، من بين عوامل أخرى، بالطلب على العملة المحلية لتسديد الضرائب والرسوم، موضحا أن جباية الدولة ما يقارب 6 مليارات دولار سنويا بالليرة اللبنانية تخلق طلبا عليها، بما يسهم في دعم استقرار سعر الصرف.

في المقابل، يواجه المواطن اللبناني ضغوطا معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار الناجم عن عوامل متعددة، لا تقتصر على الأزمات الداخلية، بل تشمل أيضا ارتفاع تكاليف الطاقة وانعكاساتها على أسعار السلع والخدمات. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الغذاء والسكن والتعليم والطاقة، مما أضعف القدرة الشرائية للأسر وقلّص قدرتها على الادخار والاستهلاك، رغم استقرار سعر صرف الليرة.

أ.ف.ب
قارب صيد شمال ساحل مدينة بيروت، 17 يونيو/حزيران 2026

ولا تتوقف التداعيات على العائلات، وإنما المؤسسات تواجه ارتفاع تكلفة التشغيل، مما يضغط على الاستثمار وفرص العمل، وفقا للخبراء. وبالتالي لم تعد الزيادة المطروحة للأجور والرواتب، تمثل حلا. فالتضخم اللبناني هو نتيجة اقتصاد مثقل بالانهيار النقدي، مضافا إليه انعكاسات الصدمة العالمية الاقتصادية.

وقال أستاذ الاقتصاد السياسي البروفسور بيار خوري لـ"المجلة"، "إن الدولار لم يرتفع سعره بالنسبة الى الليرة، لكن ارتفعت الحاجة إليه. حاليا باتت العائلة الواحدة تحتاج إلى 1,200 دولار إضافي على معاش شهري 2,500 دولار، أي أن 3,700 دولار تشتري الآن، ما كانت لتشتريه الـ 2,500 دولار قبل ثلاثة أشهر". وشرح أن هذه الزيادة أي الـ 1,200 دولار مثلا، لا تحسن وضع المعيشة، بل تحافظ على وضعيتها السابقة. وفي رأيه، كل ارتفاع دولار واحد بثمن البنزين يسبب ارتفاعا يبلغ 39 دولارا في إنفاق الأسرة. ومنذ اليوم الاول لقصف إيران حتى الآن ارتفع سعر برميل النفط 33 دولارا".

font change

مقالات ذات صلة