كاثرين مانسفيلد تستعيد طفولة لم تغادرها

"طائر الكاراكا" يكشف وجهها الشعري المجهول

غلاف "طائر الكاراكا"

كاثرين مانسفيلد تستعيد طفولة لم تغادرها

تكفي مساهمات كاثرين مانسفيلد (1888 - 1923) في القصة القصيرة، كي تحتل مكانا راسخا في تاريخ الحداثة الأدبية. فالنيوزيلندية التي عاشت معظم حياتها القصيرة بعيدا عن وطنها، وماتت في فرنسا بالسل وهي في الرابعة والثلاثين، تركت نصوصا غيرت مفهوم هذا النوع الأدبي، وأثارت إعجاب فرجينيا وولف إلى حد اعترافها بأن مانسفيلد هي الكاتبة الوحيدة التي تغار من كتابتها.

لكن وراء صاحبة "حفلة الحديقة" و"بنات الكولونيل الراحل" هناك شاعرة، ظل حضورها الشعري باهتا طوال قرن تقريبا، حتى لدى قرائها الأكثر معرفة بأعمالها. هذا الوجه المجهول هو ما يكشفه "طائر الكاراكا"، الصادر حديثا في باريس عن دار "لانسكين"، ويضم أربعا وأربعين قصيدة لمانسفيلد ترجمتها وقدمت لها الشاعرة الفرنسية فلورانس بازوتو.

المفارقة أن الشعر رافق مانسفيلد سنوات طويلة من حياتها، فيما لم ينل إلا اعترافا ضئيلا. حول هذه النقطة، تذكر بازوتو أن القليل من قصائدها نُشر في حياتها، وأن ناشرا كان يستقبل قصصها بحفاوة، تحفّظ عن مجموعة شعرية كتبتها بين 1911 و1913 لأنها بلا قافية. إثر ذلك، لجأت مانسفيلد إلى لعبة تليق بروحها المتمردة: نشرت بعض نصوصها باعتبارها ترجمات لشاعر روسي اخترعته وأسمته بوريس بتروفسكي، ثم اختبأت لاحقا وراء اسم إليزابيث ستانلي.

ومضات

تساعد هذه الحكاية في فهم الحرية الشكلية التي تطبع الكتاب. فمانسفيلد لا تتعامل مع القصيدة باعتبارها بناء ينبغي إخضاعه لقواعد ثابتة، وتبدو منشغلة بالحركة أكثر من اكتمال الشكل، وبالومضة أكثر من البلاغة، وبالتقاط ما يحدث في الوعي لحظة حدوثه. وترى بازوتو أن الشاعرة كانت تبحث عن صيغة "مرنة، خفيفة، غير مشدودة بقيود"، قادرة على تسجيل الومضات، والحركات الدقيقة، وتبدلات العيش وكثافته. وتضيء هذه الرؤية العلاقة العميقة بين قصائد مانسفيلد وقصصها. ففي كلتيهما نجد الفن نفسه القائم على الإمساك بما يكاد يفلت قبل أن يتحول إلى تفسير.

تبدو مانسفيلد منشغلة بالحركة أكثر من اكتمال الشكل، وبالومضة أكثر من البلاغة، وبالتقاط ما يحدث في الوعي لحظة حدوثه

في "طائر الكاراكا" تحتل الطفولة مكانة مركزية. ففي "كان ثمة طفل ذات مرة"، التي اختارتها بازوتو لتفتتح المجموعة، رغم خروجها بذلك على الترتيب الزمني، يظهر الطفل في حديقة سرية، شاحبا وصامتا، ويكفي أن يبتسم حتى تعرف الراوية كل شيء عنه. يمشي الاثنان في العتمة، يتبادلان الأسرار، ويتخيلان أنهما يسبحان تحت البحر، قبل أن يسمعا وقع خطوات على "طريق العالم"، فيرتعبان. الحديقة هنا أكثر من ذكرى. إنها مساحة داخلية محمية، بينما يقف العالم وراء حدودها مهدّدا ومجهولا. وحين يفترق الطفلان، لا يلوح أحدهما للآخر. كأن الفقد موجود منذ البداية في قلب الفردوس.

REUTERS/Henning Gloystein
مدينة كوينزتاون على ضفاف بحيرة واكاتيبو في نيوزيلندا، 7 مارس 2017

هذا الفردوس يحمل اسم مكان محدد وملامحه: نيوزيلندا. فالطفولة في شعر مانسفيلد هي بمثابة أرض لها أشجارها وأعشابها وبحرها وضوؤها. في "عندما كنت طائرا"، تتسلق الطفلة شجرة الكاراكا، وتصنع من ثوبها جناحين، وتؤلف أغنية "بلا كلمات" تواصل الغناء وحدها وتحزن في نهايتها. السماء عش أزرق، والغيوم ريش أبيض، والشمس أمٌّ تحضن هذا العش بحرارتها. وحين يسخر الأخ الصغير قائلا إنها ليست طائرا لأنه يرى ساقيها، لا يتزعزع يقينها: إنها تشعر بأنها طائر بالفعل.

ربما نجد هنا مفتاحا إلى شعر مانسفيلد كله: بدلا من الهروب من الواقع، يمنح الخيال الأشياء حقيقة أخرى. فالطفل يعرف أن الثوب ليس جناحين، ومع ذلك يطير. وهذه القدرة على الانتقال بين المرئي والمتخيل تفسر الحضور الكثيف للطبيعة في المجموعة. النهر امرأة تستيقظ وتبتسم، الشمس عاشق يقبلها، والنوارس أفكار حلم تطير من قلبها. وفي "العاصفة"، تهرب المتكلمة إلى الغابة طالبة الحماية، ثم تتحول الطبيعة نفسها إلى قوة هائلة تهدد بابتلاعها. وما إن تصرخ متحدية العاصفة أن تقتلها حتى تتوقف، وتفتح الشمس جناحيها، فيما تبدو الأشجار كأنها تضحك منها برقة.

اتحاد

عند مانسفيلد، تحضر الطبيعة بوصفها كائنا آخر يتحاور مع الإنسان، وأحيانا يرفضه. في قصيدة "البحر"، تأتي الشاعرة إلى البحر كأنها تستجيب لنداء قديم، لكنه ينكر أنه ناداها ويخبرها أن كل ما تحمله منه في جسدها لا يزيد على دموع الملح التي تخشى أن تذرفها. لذلك، فالعلاقة بالعالم الطبيعي هي علاقة رغبة وافتتان وخطر في آن واحد. فالماء والشجر والعشب والسماء تفتح إمكان الاتحاد بالعالم، وتذكّر الجسد في الوقت نفسه بأنه هش وقابل للزوال.

PHILIPPE HUGUEN / AFP
زهور الخشخاش مثبتة على جدار يحمل أسماء قتلى الحرب العالمية الأولى في النصب التذكاري الأوسترالي بمدينة فيلير-بريتونو شمال فرنسا، خلال مراسم يوم أنزاك، 25 أبريل 2012

من أجمل تجليات هذه العلاقة قصيدة "طفلة الأرض في العشب"، حيث تستلقي المتكلمة قبيل الفجر وتضغط أعشاب الحقل الخضراء على جسدها، فيتكلم العشب معها ويعدها بأن الأرض ستفتح صدرها لها ذات يوم كي تنزلق إليه. الموت هنا عودة حسية إلى المادة، والجسد الذي يرقد الآن فوق الأرض سيصير جزءا منها، وسيجد الحبيب لاحقا في تموج العشب تموج شعرها، وفي عطره رائحة قبلاتها. قصيدة تكشف اقتران الإيروس بالفناء عند مانسفيلد، إذ إن كليهما رغبة في تجاوز حدود الذات والذوبان في شيء آخر.

في شعرها وقصصها نجد الفن نفسه القائم على الإمساك بما يكاد يفلت قبل أن يتحول إلى تفسير

بدورها، تظهر الوحدة ككائن محسوس. ففي قصيدة تحمل اسمها، تأتي "الوحدة" ليلا بدلا من النوم وتجلس قرب السرير. لا تطردها الشاعرة ولا تقاومها، بل ترغب في الالتفات إليها والإمساك بيدها والتشبث بها، فيما يتردد صوت المطر فوق أرض قاحلة. هذا التشخيص البسيط يحول الحالة النفسية إلى رفيقة لها جسد يتعب ويشيخ. وتكشف القصيدة ملمحا أساسيا في كتابة مانسفيلد: المشاعر لا تبقى داخل النفس طويلا، إذ سرعان ما تحصل على جسد أو صوت أو منظر طبيعي.

هوة

الحب نفسه يعيش تحت تهديد الانفصال. ففي "اللقاء"، يجلس اثنان يعرفان، رغم حديثهما عن موعد مقبل، أنهما يفترقان إلى الأبد. ساعة صغيرة تملأ الغرفة بصوتها، ويتحول دقها إلى حصان يعدو ليلا على طريق وحيد، ثم يخفت بعد الرحيل حتى تهمس المتكلمة بأنها ستموت إذا توقف. وفي "الهوة"، تصبح المسافة بين شخصين "هوة من الصمت" يعجز الكلام واللمس عن ردمها، وبعدما كانت الدموع وسيلة متخيلة لملئها، يظهر الضحك بوصفه القوة القادرة على تحطيمها.

هذه الحركة بين الفقد والضحك مهمة لأنها تمنع المجموعة من الغرق في السوداوية. فمانسفيلد ساخرة، لعوب، وطفولية أحيانا، تتحدث إلى الله في "إلى الله الآب" كأنه عجوز بلحية رمادية يجلس فوق عرش أكبر منه، وتعترف بأنها توقفت عن الإيمان به منذ قرون، ثم تعود إليه لأنها متعبة من صخب العالم وتريد الجلوس على ركبتيه والنوم، ويداها متشبثتان بلحيته. هكذا يعاد المقدس نفسه إلى حميمية الطفولة، ويستعيد الله، الذي فقد سلطته، ضرورته بوصفه حضنا.

Wikimedia Commons
كاثرين مانسفيلد (14 أكتوبر 1888 – 9 يناير 1923)

غير أن الحدث الذي يترك أعمق أثر في شعر مانسفيلد هو مقتل شقيقها الأصغر ليزلي هيرون بوشامب على الجبهة الفرنسية عام 1915، وكان في الحادية والعشرين. تشير بازوتو إلى أن الشعر أخذ منذ تلك الصدمة مكانا أكبر في حياة مانسفيلد، بالتزامن مع عودة طفولة نيوزيلندا بقوة إلى قصصها. ويصبح الأخ، في أحد أكثر نصوص المجموعة إيلاما، حضورا تستعيده الأحلام: ينتظر قرب جدول الطفولة وفي يديه ثمار يقدمها إلى أخته قائلا إنها جسده. ثم تستيقظ، فلا يبقى سوى الريح والماء الداكن والسؤال عن الطريق الذي يمكن أن يعيد قدميها إلى الحلم.

المؤثر هنا أن الذاكرة تستعيد مع الميت بلدا كاملا. فموت الأخ يجعل الطفولة مكانا لا يمكن العودة إليه إلا بالكتابة، وتغدو نيوزيلندا، البعيدة جغرافيا، قريبة إلى حد الألم. وبذلك يلتقي المنفى الشخصي بالفقد، ويصبح المكان ذاكرة جسدية: رائحة العشب، صوت الماء، الشجر، البحر، الثمار البرية، الطيور... وربما لهذا يبدو عنوان "طائر الكاراكا" الذي اختارته بازوتو مناسبا إلى هذا الحد، إذ يجمع في صورة واحدة الطفولة والبلاد والتحول والحرية، ويجعل الطائر الذي تخيلت الطفلة نفسها إياه رمزا خفيا للكتابة.

مختبر

تلفت بازوتو أيضا إلى أن ذكريات وأحلاما وأماكن كثيرة تعبر من القصائد إلى القصص واليوميات والرسائل، وأن قراءة هذه الأجناس بعضها إلى جانب بعض تكشف كثافة حياة مانسفيلد القصيرة. وهذه إحدى أهم فوائد الكتاب: فهو يصحح الصورة التي تجعل الشعر هامشا في تجربتها. إذ لا نجد هنا شاعرة تنافس القاصة أو وجها مجهولا ينبغي فصله عن الوجه المعروف. نجد المختبر الحميم نفسه الذي كانت تتكون فيه الصور والإيقاعات والحساسيات التي ستمنح نثرها فرادته.

الطفولة ليست زمنا مضى. إنها طريقة في إبقاء العالم قابلا للدهشة

لهذا تبدو قصائد مانسفيلد، بعد أكثر من قرن، بابا جانبيا يفضي إلى قلبها أكثر من كونها مجرد ملحق لأعمال كاتبة كبيرة. نصوص فيها بعض التفاوت، في طبيعة الحال، وبعضها أقرب إلى الأغنية أو الخاطرة من القصيدة المكتملة، لكن هذا التفاوت جزء من صدق الكتاب بوصفه مسارا يمتد اثني عشر عاما، توحده شراهة الإحساس، ورغبة في رؤية العالم ولمسه وسماعه قبل أن يتوارى.

عند مانسفيلد، الطفولة ليست زمنا مضى. إنها طريقة في إبقاء العالم قابلا للدهشة. من هنا ذلك المزيج الغريب الذي يسكن شعرها: فرح يكاد يعرف مسبقا أنه سيُفقد، حنان تجاوره الوحشة، جسد يحتفل بالحياة فيما يسمع وقع الموت، وذاكرة تحاول أن تمنح الغائب مكانا بين الأحياء.

في "طائر الكاراكا"، نكتشف أن الشعر لم يكن هامشا خفيا في حياة كاثرين مانسفيلد، فهو أحد الأماكن التي تعلمت فيها كيف تجعل اللحظة العابرة تقاوم زوالها.

font change

مقالات ذات صلة