من القراصنة الذين فرضوا الإتاوات على طرق التجارة، إلى الإمبراطوريات التي جعلت المعابر التجارية مصدرا للخزانة، ظل التحكم في الطريق وسيلة لتحويل حركة السلع إلى نفوذ وثروة. في اليمن، أخذ الحوثيون هذه المعادلة إلى اقتصاد حرب حديث عندما سعوا إلى السيطرة على الميناء والغذاء، فغدت المعابر والمسالك والجمارك بوابات لا تمر عبرها التجارة إلا وتقتطع منها سلطة الأمر الواقع نصيبا.
لم يكن الحوثيون في حاجة إلى امتلاك كل ما يُباع في اليمن حتى يسيطروا على إيراداته. كان يكفيهم امتلاك البوابات التي يمر عبرها ما يُباع هناك. وهذا ما قاموا به.
قبل أن تتحول موانئ اليمن إلى ساحات نفوذ وجباية، كان الاقتصاد اليمني يعتمد على شريانين شديدي الحساسية هما النفط والتجارة.
ففي 2013، العام السابق لسيطرة الحوثيين على صنعاء، بلغت صادرات اليمن السلعية نحو 7.1 مليار دولار، مقابل واردات تجاوزت 13.2 مليار دولار. وشكلت تجارة السلع والخدمات ما يعادل 52.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات البنك الدولي. أما تجارة السلع وحدها فبلغت 50.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ نحو 40.4 مليار دولار. أكثر من النصف!
وكان اليمن يستورد 2,779 منتجا من 124 دولة، مما جعل الموانئ والطرق التجارية شرايين لا غنى عنها لسوق تعتمد بشدة على الخارج.
شكلت تجارة السلع والخدمات ما يعادل 52.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات البنك الدولي
لكن هشاشة هذا الاقتصاد جعلت تلك الشرايين أيضا نقاط ضعف. فعندما تمدد الحوثيون من صنعاء نحو الساحل الغربي وسيطروا على الحديدة وموانئ أخرى، اقتربوا من التحكم في البوابات التي تدخل عبرها السلع، والجمارك التي تُفرض عليها، والطرق التي تنقلها إلى الأسواق. ومع استمرار الحرب وانقسام مؤسسات الدولة، تحولت التجارة تدريجيا من نشاط اقتصادي وطني إلى أحد مصادر القوة والإيرادات في اقتصاد الحرب الحوثي.
الحالة الحوثية الاقتصادية ليست بغريبة
ما فعله الحوثيون في اليمن ليس ظاهرة معزولة في اقتصاديات الحروب. فقد اتبعت أنظمة وجماعات مسلحة أخرى مسارا مشابها يقوم على السيطرة على نقاط اختناق التجارة وتحويل حركة السلع إلى مصدر للإيرادات والنفوذ.
ففي العراق، استخدم نظام صدام حسين سيطرة الدولة على النفط والتجارة للتكيف مع العقوبات الدولية. وفي سوريا، نشأت خلال الحرب شبكات اقتصادية مرتبطة بالنظام والميليشيات والحواجز. وفي أفغانستان، فرضت جماعات مسلحة أنظمة جباية موازية على طرق التجارة والمعابر.
لقطة شاشة من مقطع فيديو بثته قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين، تظهر مطار المخا الدولي، بعدما سيطر الحوثيون على مدن رئيسة على طول الساحل اليمني للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، 15 سبتمبر 2026
لكن النموذج الحوثي يجمع بين هذه الأدوات داخل اقتصاد وطني منقسم. وقد بنى قوته شيئا فشيئا عبر ميناء لدخول السلع، وجمارك لتحصيل الإيرادات، ونقاط تفتيش للتحكم في انتقالها، وشبكات توزيع ووقود يمكن التأثير فيها. هكذا تحولت التجارة في مناطق سيطرة الحوثيين إلى أداة رئيسة من أدوات ممارسة السلطة وتمويلها.
الفرق بين الانفتاح التجاري والهشاشة التجارية
قد يبدو أن الاقتصاد الذي يعتمد بقوة على التجارة والنفط أكثر عرضة للصدمات، لكن المشكلة لا تكمن في التجارة أو النفط بحد ذاتهما، بل في الاعتماد المفرط على عدد محدود من السلع أو طرق التجارة، مع ضعف التنويع والمؤسسات والمالية العامة. عندها يمكن هبوط أسعار السلعة الرئيسة أو انقطاع طريق تجاري أن يتحولا سريعا إلى صدمة اقتصادية واسعة.
ويشير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن تقلب أسعار السلع يؤثر في التجارة الخارجية والموازنات وسعر الصرف والاستثمار والنمو، وأن الاقتصادات الأقل تنويعا تكون أكثر تعرضا لهذه التقلبات. لذلك، لا يعني الانفتاح التجاري في الضرورة هشاشة الاقتصاد، فسنغافورة، على الرغم من ضخامة تجارتها مقارنة بحجم اقتصادها، تمتلك مؤسسات وبنية تحتية وقطاعات متنوعة تعزز قدرتها على التكيف.
وتبرز حالة اليمن هذه المفارقة، إذ اعتمد على التجارة لتأمين الغذاء والوقود والسلع، في وقت كانت مؤسسات الدولة ضعيفة، واعتمد الاقتصاد على منافذ وطرق محدودة، مما جعل الحرب واضطراب الموانئ يتحولان إلى صدمة اقتصادية.
قد يبدو أن الاقتصاد الذي يعتمد بقوة على التجارة والنفط أكثر عرضة للصدمات، لكن المشكلة لا تكمن في التجارة أو النفط بحد ذاتهما، بل في الاعتماد المفرط على عدد محدود من السلع أو طرق التجارة، مع ضعف التنويع والمؤسسات والمالية العامة
ويقدم العراق وفنزويلا مثلين على مخاطر التركز النفطي. فقد شكّل النفط الخام 90.4 في المئة من عائدات صادرات السلع العراقية خلال 2019–2021، بينما تجاوزت حصة النفط والغاز 90 في المئة من صادرات السلع في فنزويلا.
في المقابل، توضح النروج أن قوة المؤسسات والتنويع وإدارة العائدات يمكن أن تخفف مخاطر الاعتماد على الموارد. وبحسب هيئة الإحصاء النروجية، بلغت قيمة صادرات النفط والغاز نحو 1,065.6 مليار كرونة في 2025، أي 56.8 في المئة من إجمالي صادرات السلع النروجية. إلا أن النروج تملك أحد أبرز نماذج إدارة الثروة النفطية، إذ تجاوزت قيمة صندوقها السيادي 22.6 تريليون كرونة، أو نحو 2.4 تريليون دولار، في نهاية يونيو/حزيران 2026، مما وفر للدولة وسادة مالية ضخمة تساعدها في إدارة تقلبات عائدات النفط والغاز. إلى جانب النفط والغاز، تمتلك البلاد قطاعات قوية في الخدمات، والصناعات البحرية والهندسية، وتربية الأحياء المائية، والشحن، والطاقة الكهرومائية والتكنولوجيا.
السيطرة على الحديدة والمنافذ البحرية
بعد السيطرة على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، تمدد الحوثيون غربا وسيطروا على الحديدة وموانئها، ومنها الحديدة والصليف ورأس عيسى. وهذه السيطرة كانت مهمة لأن الحديدة هي تاريخيا إحدى أهم بوابات الاستيراد إلى اليمن. قبل الحرب، كانت وحدها تجمع نحو 41 في المئة من إجمالي إيرادات الجمارك اليمنية في 2013، وفق بيانات هيئة الجمارك اليمنية التي أوردها "تشاتام هاوس". وبلغ إجمالي إيرادات الجمارك في ذلك العام نحو 1.065 مليار دولار.
وهكذا، كان هدف السيطرة على الحديدة بالغ الأهمية وليس مكسبا عسكريا فحسب. فعبرها، وصل الحوثيون إلى بوابة رئيسة لدخول الغذاء والوقود والسلع إلى السوق اليمنية. وكان نحو 70 في المئة من واردات اليمن الغذائية يمر عبر ميناء الحديدة قبل الحرب، وفق بيانات أوردتها "أوكسفام" نقلا عن الجهات المعنية. وفي تقدير آخر للأمم المتحدة، كان نحو 80 في المئة من إجمالي واردات اليمن، وليس الغذاء فقط، يصل عبر الحديدة قبل الحرب. ووفق بيانات "مبادرة تتبّع الاقتصاد اليمني" (Yemen Economic Tracking Initiative)، كان متوسط واردات الغذاء إلى اليمن قبل الحرب يقدّر بنحو 565 ألف طن شهريا.
مقاتلون موالون لسلطات الحوثيين يسيرون خلال تجمع لحشد المزيد من المقاتلين في صنعاء، 10 سبتمبر 2026
تكمن المفارقة المهمة في أن سيطرة الحوثيين على الحديدة لم توقف تدفق السلع إليها، بل بقي الميناء محورا رئيسا للواردات، وأصبحت السيطرة عليه تعني امتلاك موقع استراتيجي داخل سلسلة الإمداد.
ففي الربع الأول من 2018، على سبيل المثل، دخل عبر الحديدة 455,751 طنا من المواد الغذائية، فيما دخل عبر ميناء الصليف الخاضع للحوثيين 182,403 أطنان أخرى. أي أن الميناءين الخاضعين للحوثيين استقبلا معا 638,154 طنا من الغذاء خلال ثلاثة أشهر. وهذا يعادل في المتوسط نحو 213 ألف طن شهريا عبر الميناءين معا.
كانت الحديدة وحدها تجمع نحو 41 في المئة من إجمالي إيرادات الجمارك اليمنية في 2013، وفق بيانات هيئة الجمارك اليمنية التي أوردها "تشاتام هاوس". وبلغ إجمالي إيرادات الجمارك في ذلك العام نحو 1.065 مليار دولار
أما بالنسبة للموانئ الخاضعة للحكومة، فلا يوجد سوى ميناءين يستقبلان كميات كبيرة من المواد الغذائية، هما عدن (255,626 طنا متريا خلال الربع الأول من عام 2018) والمكلا (68,310 أطنان). واستقبل الميناءان معا 323,936 طنا متريا خلال الربع الاول، أي ما يعادل 50.7 في المئة فقط من واردات الغذاء التي وصلت عبر الموانئ الخاضعة للحوثيين. كما دخلت 107,782 طنا متريا إضافيا من المواد الغذائية برا عبر الشاحنات من خلال المناطق الخاضعة للحكومة خلال الربع الأول، من بينها 72,738 طنا متريا عبر منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية.
بارجة راسية عند رصيف ميناء المخا، غداة هجوم شنه الحوثيون على مدينة المخا، 10 أغسطس 2026
والأهم أن الحديدة بقيت شديدة الأهمية حتى بعد سنوات من الحرب. ففي النصف الأول من 2023، استقبل ميناء الحديدة نحو مليوني طن من الغذاء، بحسب بيانات نقلها مركز اليمن والخليج للدراسات، كان 57 في المئة منها قمحا ودقيقا.
ومع سيطرتهم على الحديدة والصليف، كان للحوثيين نفوذ استثنائي على البوابة التي تدخل منها "لقمة العيش" إلى جزء كبير من السوق اليمنية.
تحويل الجمارك إلى مصدر مباشر للإيرادات
أنشأ الحوثيون آليات جمركية موازية، وبدأوا في فرض رسوم إضافية على السلع الداخلة إلى مناطق سيطرتهم، بما في ذلك السلع التي كانت قد دفعت رسوما جمركية عند دخولها من موانئ خاضعة للحكومة. وتوثق لجنة خبراء الأمم المتحدة أن الحوثيين أقاموا آليات لتحصيل رسوم جمركية خارج الإطار القانوني، وأنهم أنشأوا نقاطا جمركية على الطرق، خصوصا في عمران وذمار، لتحصيل رسوم إضافية من حركة البضائع.
بلغت الإيرادات التي جمعها الحوثيون وسيطروا عليها خلال 2023 نحو 3.392 تريليون ريال يمني (نحو 2.5 مليار دولار وفق متوسط سعر الصرف السنوي)، وتشمل هذه الإيرادات الجمارك والضرائب والرسوم وغيرها من الجبايات. والأهم أن الأمم المتحدة قدرت الإيرادات التي حصل عليها الحوثيون من نقاط التحصيل البرية غير القانونية بنحو 300 مليار ريال (نحو 221.4 مليون دولار) خلال 2023، من خلال فرض رسوم على التجار الذين ينقلون بضائعهم من مناطق الحكومة إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
بالتوازي مع ذلك، أكد البنك الدولي أن إيرادات الحكومة اليمنية تراجعت بأكثر من 30 في المئة، ومن أسباب ذلك انخفاض إيرادات الجمارك نتيجة تحويل الواردات من عدن إلى الموانئ الخاضعة للحوثيين.
استخدام الطرق ونقاط التفتيش لفرض "ضريبة ثانية"
عندما تدخل البضائع عبر ميناء عدن الخاضع للحكومة وتتجه شمالا إلى مناطق الحوثيين، كانت تمر عبر مناطق نفوذ الجماعة، حيث تُفرض عليها رسوم وضرائب إضافية.
وفي 2023، وثّق مركز صنعاء للدراسات أن الحوثيين أوقفوا شاحنات قادمة من عدن، وفرضوا رسوما جمركية باهظة على التجارة البرية، مما دفع التجار إلى تحويل مسارات استيرادهم نحو الحديدة.
وبعد اتفاق الهدنة في 2022، عادت الواردات التجارية والوقود إلى التدفق بصورة أكبر عبر موانئ الحديدة. وتشير بيانات اقتصادية يمنية إلى أن حصة واردات الغذاء والوقود عبر ميناءي عدن والمكلا تراجعت من 49.5 في المئة في عام 2022 إلى 25.4 في المئة في عام 2023، ثم واصلت انخفاضها إلى 23.2 في المئة في سبتمبر/أيلول 2024. في المقابل، ارتفعت حصة الواردات عبر موانئ الحديدة من 50.5 في المئة في عام 2022 إلى 74.6 في المئة في عام 2023، لتصل إلى 76.7 في المئة خلال الفترة نفسها من عام 2024.
في 2023، وثّق مركز صنعاء للدراسات أن الحوثيين أوقفوا شاحنات قادمة من عدن، وفرضوا رسوما جمركية باهظة على التجارة البرية، مما دفع التجار إلى تحويل مسارات استيرادهم نحو الحديدة
وقدّر المركز أن هذه الإجراءات أدت إلى تحويل ما يصل إلى 50 مليار ريال يمني (نحو 40.2 مليون دولار) شهريا من الرسوم الجمركية بصورة غير مباشرة إلى سلطات الحوثيين. وقد أكد البنك الدولي أن انخفاض إيرادات الجمارك لدى الحكومة كان مرتبطا بتحويل الواردات من عدن إلى الموانئ الخاضعة للحوثيين.
حافلات للنقل العام أمام محطة وقود، فيما يواجه السكان ظروفا معيشية صعبة ويعانون من نقص الاحتياجات الأساس، مثل الكهرباء والغاز، عدن، 6 فبراير 2025
وأنشأ الحوثيون منظومة واسعة من الجباية شملت الضرائب على الواردات والمبيعات والوقود، إضافة إلى رسوم و"إتاوات" مختلفة. كما وثقت لجنة خبراء الأمم المتحدةفرض ما يسمى "الخُمس" على بعض الأنشطة والموارد الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين، إضافة إلى رسوم أخرى على التجار.
وبالتالي، لم يحتج الحوثيون إلى السيطرة على كل الموانئ حتى يتحكموا في التجارة، إذ كان يكفيهم التحكم في الطريق بين الميناء والسوق.
السيطرة على سوق الوقود
شكل الوقود أداة أخرى شديدة الأهمية. وتوثق لجنة خبراء الأمم المتحدة أن توزيع الوقود والمنتجات النفطية أصبح أحد مصادر إيرادات الحوثيين، وأن الجماعة أنهت احتكار شركة النفط اليمنية لاستيراد وتوزيع المنتجات النفطية في 2015، ثم أعادت تنظيم السوق بطريقة أتاحت لها السيطرة على التوزيع، بما في ذلك عبر موزعين مرتبطين بالسوق السوداء.
وقبل يونيو/حزيران 2019، كان ميناء الحديدة وحده يستقبل نحو 48 في المئة من واردات النفط، وفق فريق خبراء الأمم المتحدة. لكن الحصة هبطت إلى 8 في المئة فقط في الربع الأول من 2021 بسبب توقف/تقييد واردات الوقود عبر الميناء قبل أن تعود كميات كبيرة بعد هدنة 2022.
وفي عام 2023، دخل إلى اليمن نحو 4.16 مليون طن متري من الوقود عبر الموانئ الرئيسة، استحوذت الحديدة والصليف ورأس عيسى الخاضعة للحوثيين على 3.07 مليون طن، أو نحو 73.7 في المئة منها، مقابل 1.10 مليون طن، أو 26.3 في المئة عبر ميناءي عدن والمكلا الخاضعين للحكومة. وبذلك مرّ عبر الموانئ الخاضعة للحوثيين قرابة ثلاثة أرباع واردات الوقود اليمنية في ذلك العام، مما منح الجماعة موقعا محوريا في واحدة من أكثر السلع ارتباطا بحركة الاقتصاد اليومية.
الضغط على تجارة المناطق الحكومية
الأهم أن هذه المنظومة خلقت منافسة بين موانئ ومناطق اليمن نفسها. فصندوق النقد الدولي خلص إلى أن إيرادات الحكومة اليمنية تراجعت منذ 2022 بأكثر من 8 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة عوامل عدة، بينها توقف صادرات النفط، وتحول التجارة نحو الموانئ الشمالية، والتهريب، واحتفاظ بعض المحافظات بالإيرادات المركزية. كما أشار إلى أن المنافسة على حركة الموانئ أدت إلى اختلاف الضرائب والرسوم الجمركية وتقليص قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات.
يذكر البنك الدولي صراحة أن الحوثيين كانوا يشجعون الاستيراد عبر موانئ البحر الأحمر الخاضعة لهم من خلال مزايا، منها تحمل تكاليف التأخير في الموانئ وتقديم أسعار جمركية تفضيلية. وفي الوقت نفسه، كانوا يفرضون ضرائب ورسوم جمارك إضافية على السلع التي تدخل مناطقهم عبر موانئ الحكومة والمعابر البرية.
وجعل الحوثيون الاستيراد عبر عدن أكثر تكلفة عند دخول مناطقهم. فإذا استورد تاجر بضاعة عبر عدن ثم أراد بيعها في صنعاء أو مناطق الحوثيين، كان عليه أن يدفع الرسوم الحكومية في عدن، ثم يواجه رسوما وضرائب إضافية عند دخول البضاعة مناطق الحوثيين.
يذكر البنك الدولي صراحة أن الحوثيين كانوا يشجعون الاستيراد عبر موانئ البحر الأحمر الخاضعة لهم من خلال مزايا، منها تحمل تكاليف التأخير في الموانئ وتقديم أسعار جمركية تفضيلية
وهذا خلق حافزا للتاجر: لماذا أدفع جمارك في عدن ثم أدفع مرة أخرى عند دخول صنعاء، إذا كان في إمكاني الاستيراد مباشرة عبر الحديدة؟ وفعلا، قدر فريق خبراء الأمم المتحدة أن تحويل الواردات من عدن إلى الحديدة تسبب في خسارة للحكومة اليمنية قدرها 637.36 مليار ريال بين أبريل/نيسان 2022 ويونيو/حزيران 2023 (أي ما يعادل تقريبا 470–570 مليون دولار عند احتسابها بأسعار الصرف السنوية لعامي 2022 و2023 لوجود سعرَي صرف مختلفين في 2022 و2023)، مع استفادة مقابلة للحوثيين.
يمنيون يتسوقون لشراء الحلويات من سوق شعبي عشية عيد الأضحى في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، 24 مايو 2026
بالإضافة إلى ذلك، عمد الحوثيون إلى قطع التجارة بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. ففي مارس/آذار 2023، أوقف الحوثيون شراء غاز الطهي المنتج في مأرب، الذي كان يمثل نحو 60 في المئة من إنتاج غاز الطهي، كما منعوا شاحنات من مناطق الحكومة تحمل الأسمنت والحديد والأخشاب والكلنكر من دخول مناطقهم. وبدلا من ذلك، بدأوا باستيراد هذه السلع عبر الحديدة ورأس عيسى.
كان لإغلاق الطرق أثر مباشر في تكلفة التجارة. يوثق فريق الخبراء الأممي أن حصار تعز أدى إلى مضاعفة تكاليف نقل السلع الأساس، وأن إغلاق الطريق بين تعز والحوبان أجبر حركة التجارة على استخدام مسار أطول بنحو 100 كيلومتر؛ كما أن إغلاق الطريق التجاري بين صنعاء ومأرب فرض على المسافرين مسارات أطول بكثير.
وعبر السنوات، لم "يخنق" الحوثيون التجارة عبر منعها بالكامل، بل فعلوا شيئا أكثر تعقيدا عبر إعادة توجيهها، وفرض رسوم عليها في أكثر من نقطة، والسيطرة على جزء من البنية التحتية التي تمر عبرها، ثم حوّلوا جزءا من التدفقات التجارية إلى إيرادات لسلطة الأمر الواقع.
فلم تعد الموانئ بوابات لعبور السلع، لكنها غدت أدوات للسيطرة على الاقتصاد نفسه. فمن الحديدة إلى الطرق والمعابر والأسواق، تمكن الحوثيون من بناء منظومة تستفيد من حركة التجارة بدلا من تعطيلها، عبر الجمارك وإعادة توجيه الواردات والضغط على حركة السلع القادمة من مناطق الحكومة. وفي المقابل، خسرت الدولة جزءا مهما من إيراداتها وقدرتها على التحكم في السوق.
وهكذا أنتج انقسام الموانئ والطرق والأسواق اقتصادا يمنيا منقسما إلى دوائر نفوذ، لا تختلف فقط في السلطة التي تديرها، إنما أيضا في الضرائب وتكاليف النقل وحتى مسارات الاستيراد.