لا صدام ولا اختراق... حصيلة زيارة شي إلى واشنطن

تثبيت الإطار قبل الصفقات

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ قبل أن يلقي شي كلمة خلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

لا صدام ولا اختراق... حصيلة زيارة شي إلى واشنطن

بذل الزعيم الصيني شي جينبينغ، خلال زيارته إلى واشنطن الأسبوع الماضي، جهداً واضحاً للخروج من أدائه الدبلوماسي المعتاد، وإظهار جانب شخصي في علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وإذا كان ترمب معروفاً باهتمامه الكبير بالصورة والانطباع السياسي، فإن بكين بدورها تجيد توظيف الرموز والتفاصيل البروتوكولية، مستندة إلى خبرة سياسية متراكمة في هذا المجال، يولي فيها "الحزب الشيوعي" أهمية كبيرة للمظاهر والرسائل التي تحملها.

وعلى الرغم من محافظته على الطابع الرسمي، تبادل شي الابتسامات والضحكات مع ترمب، وربت مرة على كتف الرئيس الأميركي، كما رافقه في جولة داخل مروحية "مارين وان" في مهبطها الجديد بالبيت الأبيض. كذلك، مُنحت السيدة الصينية الأولى، بنغ لي يوان، دوراً بارزاً في الزيارة، على خلاف تقليد التحفظ الذي طبع ظهور زوجات القادة الصينيين.

نتيجة مسبقة

قد لا ترقى اللفتات الصينية إلى مستوى حفاوة ترمب، الذي كسر البروتوكول باستقبال شي شخصياً على مدرج قاعدة أندروز، في خطوة نادرة لم تُستخدم منذ ستينات القرن الماضي، ليصبح أول رئيس صيني يستقبله نظيره الأميركي في المطار. لكن بكين كانت قد حققت مسبقاً مكسباً رمزياً أساسياً، بعدما خاضت مفاوضات مطوّلة لضمان أن تكون زيارة شي زيارة دولة، بما تحمله من دلالات الاعتراف بالمكانة وإبراز أهمية العلاقة، بصرف النظر عن نتائجها العملية.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يستعرضان صور الرؤساء الأميركيين السابقين في البيت الأبيض، واشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

ومن هنا، يمكن فهم الإعلان المسبق عن اثنتين من أبرز النتائج العملية للقمة. فقبل يومين من وصول شي إلى واشنطن، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، عقب مفاوضات في نيويورك مع نائب رئيس الحكومة الصينية خه ليفنغ، تمديد الهدنة التجارية حتى يناير/كانون الثاني، إلى جانب الاتفاق على إنشاء آلية تواصل بشأن حوادث الذكاء الاصطناعي التي قد تمس الأمن القومي.

فرصة ضائعة؟

جاءت زيارة شي إلى واشنطن في توقيت بدا ملائماً لتحقيق اختراق. فالرئيس الصيني كان عائداً من جولة شملت بيشكيك والقاهرة ونيودلهي، عززت تموضع الصين دولياً بوصفها شريكاً اقتصادياً موثوقاً وفاعلاً دبلوماسياً مسؤولاً، في مقابل أسبوع دبلوماسي غير مثمر لترمب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصوصاً في ملف إيران.

وتزامنت الزيارة مع انطلاق المؤتمرات الحزبية المحلية في الصين، تمهيداً للمؤتمر الحادي والعشرين لـ"الحزب الشيوعي" في خريف 2027، الذي يُرجح أن يفوز شي خلاله بولاية رابعة، فيما كانت شعبية ترمب تتراجع عشية انتخابات ستحدد شكل النصف الثاني من ولايته، التي يُفترض أن تكون الأخيرة.

وبدا أن اختلال التوازن السياسي هذا قد يفتح الباب أمام تسويات، وهو ما دفع مراقبين إلى الحديث عن فرصة ضائعة لتحقيق اختراقات. لكن حسابات التنافس الاستراتيجي بين البلدين فرضت سقفاً على ما يمكن أن تسفر عنه القمة.

بدا أن اختلال التوازن السياسي هذا قد يفتح الباب أمام تسويات، وهو ما دفع مراقبين إلى الحديث عن فرصة ضائعة لتحقيق اختراقات. لكن حسابات التنافس الاستراتيجي بين البلدين فرضت سقفاً على ما يمكن أن تسفر عنه القمة

فترمب يحتاج إلى اتفاقات، لكنه لا يريد تقديم تنازلات قد تظهره بموقف ضعيف، فكان التعويض بالحفاوة والمراسم. أما بكين، فكانت أولويتها تجنب الصدام مع إدارة متهمة بالتهور، والسعي إلى وضع إطار منهجي للعلاقة يتيح تعاوناً مضبوطاً.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والباحث السياسي الصيني تشاو تشي جيون لـ"المجلة" إن هدف بكين لم يكن حسم ملفات الرسوم الجمركية والقيود على تصدير الرقائق وتايوان دفعة واحدة، بل تثبيت الإطار السياسي الذي وُضع في قمة بكين داخل واشنطن: لا صدام، ولا مواجهة، وتعاون مضبوط، منعاً لانزلاق العلاقة إلى عداء شامل.

وبهذا المقياس، يقول تشاو إن بكين حققت أهدافها؛ إذ عادت دبلوماسية الزعيمين لتؤدي دوراً موازناً، وأُعيد طرح ملف تايوان مع مطالبة واشنطن بالتعامل معه بحذر ومعارضة "الاستقلال"، فيما بقيت التجارة في إطار الهدنة بدلاً من التصعيد.

مضمون جديد للعلاقة

بعد أن أدخلت بكين مفهوم "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" في قمة بكين في مايو/أيار بوصفه إطاراً للعلاقة مع واشنطن، انتقل شي جينبينغ في قمة واشنطن إلى تحديد "مضمون جديد" لها، يقوم على ثلاثة مبادئ: الاحترام المتبادل، والعدالة، والمعاملة بالمثل.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بينغ لي يوان لدى وصولهما إلى الرواق الجنوبي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

وأُدرجت هذه المعادلة في ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض، وكذلك في بيان الخارجية الصينية بشأن نتائج القمة. وجاء في الوثيقتين أن الزعيمين اتفقا على "إقامة علاقة بنّاءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي وتقوم على الاحترام والعدالة والمعاملة بالمثل بين الصين والولايات المتحدة".

ورغم أن الالتزام الأميركي بهذه المبادئ لا يبدو مضموناً، فإن شي شدد في كلمته بالبيت الأبيض على ضرورة تحويل الأقوال إلى أفعال والرؤى إلى خطوات ملموسة. ويتيح هذا الطرح لبكين وضع واشنطن أمام معيار واضح للحكم على سلوكها، واعتبار استمرار الضغوط أو سياسات الاحتواء وفرض الأجندات إخلالاً بالتفاهم حول المبادئ الثلاثة.

الهدنة التجارية

ورغم أن بكين كانت تطمح إلى تمديد أطول للهدنة التجارية، يرى مراقبون صينيون أن واشنطن، التي أطلقت حرباً تجارية صريحة ضد الصين، باتت مضطرة إلى قبول تمديدها مرة تلو الأخرى، بعدما أثبتت بكين قدرتها ليس فقط على امتصاص صدمة الرسوم الجمركية والقيود التصديرية، بل أيضاً على الرد بخطوات مضادة، في مقدمتها توظيف ورقة المعادن النادرة الحيوية.

ويشير تشاو إلى أن واشنطن رفضت تمديداً أطول للهدنة رغبةً في الاحتفاظ بورقة ضغط تدفع بكين في الجولة التالية إلى زيادة مشترياتها من السلع الأميركية وفتح سوقها أمام الشركات الأميركية. ويرى أن المهلة الممنوحة تتيح لترمب تمرير أجندته السياسية قبل انتخابات التجديد النصفي، وعقد قمتي "آبيك" ومجموعة العشرين، قبل اتخاذ قرار بشأن تمديد جديد أو التوصل إلى صفقة شاملة.

أما بكين، فتنظر إلى استمرار الهدنة، أياً كانت مدتها، باعتباره مكسباً يتيح لها تجنب تكاليف إضافية، فيما تركز على تحويل اقتصادها وتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.

وبخلاف التمديد، اتفق الطرفان على توصيات لمنح معاملة جمركية تفضيلية لسلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار في كل اتجاه، من دون أن يشكل ذلك اختراقاً في الخلافات التجارية الأساسية. وجرى في المقابل تشكيل لجان عمل متخصصة لمعالجة عراقيل الاستثمار والوصول إلى الأسواق الزراعية. وبذلك، كرّست القمة استمرار إدارة الحرب التجارية في إطار الهدنة، من دون معالجة الخلافات البنيوية بين البلدين، لكن مع إضافة مبدأ "توسيع قائمة التعاون وتقليص قائمة الخلافات"، حسب صياغة وزارة التجارة الصينية.

تنظر بكين إلى استمرار الهدنة، أياً كانت مدتها، باعتباره مكسباً يتيح لها تجنب تكاليف إضافية، فيما تركز على تحويل اقتصادها وتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية

وكما كان متوقعاً، أثار الجانب الصيني قضية تايوان، من دون أن ينعكس ذلك في نتائج القمة، إذ غابت القضية عن ورقة الحقائق الأميركية. وأثار شي جينبينغ ردود فعل في تايبيه عندما دعا، في كلمته في البيت الأبيض، ترمب إلى الحفاظ على "الموقف الصحيح المتمثل في معارضة استقلال تايوان".

وأثارت هذه الصيغة جدلاً بشأن ما إذا كان ترمب قد وافق فعلاً على تعديل الموقف الأميركي التقليدي، الذي يكتفي بالقول إن واشنطن "لا تدعم" استقلال الجزيرة، أم إن شي كان يضغط عليه لاتخاذ خطوة أبعد في هذا الاتجاه.

رويترز
متظاهرون يرتدون أزياء شخصية "الدبّ ويني" يشاركون في احتجاج قرب البيت الأبيض يوم انعقاد لقاء بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

أما ترمب، الذي وصف تايوان قبل أشهر بأنها ورقة تفاوضية قوية مع بكين، معتبراً أنه لا يمكن الدفاع عن الجزيرة عسكرياً، فأكد، في تصريح غامض غداة مغادرة شي، أن الرئيس الصيني يتفهم تماماً موقفه من تايوان، من دون أن يوضح ماهية هذا الموقف. وبينما بدا أن الجدل قد حُسم بتأكيد السفير الأميركي لدى بكين، ديفيد بيردو، عدم حدوث أي تغيير في سياسة واشنطن تجاه الجزيرة، لا يزال ترمب يعلّق حزمة مبيعات أسلحة لتايوان تُقدّر بنحو 14 مليار دولار.

وفي ضوء نقص الذخائر وحاجة واشنطن إلى توجيه مخزوناتها العسكرية نحو الحرب مع إيران، يبدو من الصعب تصور إقدام ترمب على تنفيذ صفقة الأسلحة لتايوان، لا سيما قبل لقاءيه المرتقبين مع شي في شنتشن وميامي، وهو ما يتيح لبكين مجالاً لمواصلة الضغط على تايبيه.

إيران والعقوبات

على عكس تايوان، حضرت أزمة إيران في نتائج القمة، إذ دعا الرئيسان طهران إلى الوفاء بالتزامها عدم تطوير أسلحة نووية، وأكدا أنه لا يجوز لأي دولة أو مؤسسة فرض رسوم عبور على الممرات المائية الدولية. ويعزز ذلك الانطباع بأن بكين بدأت تخرج من دائرة الحياد إزاء الأزمة الإيرانية، لتنتقل إلى طرح مطالب محددة على طهران، من دون أن يعني ذلك تخليها عن مقاربتها الدبلوماسية للأزمة.

وفي كلمته في البيت الأبيض، حثّ شي طهران وواشنطن على العودة إلى مذكرة إسلام آباد، فيما أشارت تقارير أعقبت القمة إلى أن الدبلوماسية الصينية قدمت أفكاراً للجانبين لتوضيح بعض البنود الخلافية في المذكرة، كمدخل لاستئناف المسار الدبلوماسي.

ورغم أن هذا التحول المحدود في موقف بكين لا يلبي مطالب واشنطن بالكامل، يرجّح خبراء أن تواصل إدارة ترمب تجنب استفزاز الصين في سياق حملة العقوبات المشددة. ويمكن اعتبار ذلك مكسباً تكتيكياً لبكين، التي تتمسك، في المقابل، بخطوطها الحمراء إزاء الأزمة، وفي مقدمتها رفض استخدام القوة وانتهاك السيادة وفرض العقوبات الأحادية.

الذكاء الاصطناعي... حدود التعاون

وفرض الذكاء الاصطناعي نفسه على جدول أعمال القمة، لكن اهتمام الجانبين بالتعاون في هذا الملف ظل محدوداً، في وقت تضع فيه إدارة ترمب الفوز بسباق الريادة التكنولوجية على رأس أولوياتها. وإلى جانب الاتفاق على إنشاء قناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، اقتصرت نتائج القمة على إطلاق "حوار أميركي-صيني بشأن الذكاء الاصطناعي"، لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع المرتبطة بهذه التقنيات.

وبعد مغادرة شي، شدد ترمب على أنه لا يريد "دمج" جهود الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن واشنطن تتقدم على بكين بفارق كبير، وأنها ستتخذ ما يلزم للحفاظ على تفوقها. وقال: "عندما تكون في الصدارة، لا تفتح المجال للطرف الآخر".

في حين يمكن الحديث بحذر عن مكاسب تكتيكية حققتها الصين، فإن القمة لم تحقق اختراقاً كبيراً في العلاقة بين البلدين

في المقابل، لا تنظر بكين إلى نفسها باعتبارها طرفاً في النقاش الدائر بين إدارة ترمب وكبار قادة شركات التكنولوجيا الأميركية بشأن إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي لتعزيز إجراءات الأمن والسلامة. فهي ترى أنها قطعت شوطاً متقدماً في حوكمة هذه التقنيات ووضع الأطر والتشريعات اللازمة لضمان تطويرها واستخدامها بصورة آمنة، فيما ينصب تركيزها على توظيف الذكاء الاصطناعي في تحويل اقتصادها، أكثر من انشغالها بالسباق مع واشنطن على الريادة.

رويترز
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اليوم الثاني من قمة "بريكس" في نيودلهي، الهند، في 13 سبتمبر 2026

وفي حين يمكن الحديث بحذر عن مكاسب تكتيكية حققتها الصين، فإن القمة لم تحقق اختراقاً كبيراً في العلاقة بين البلدين. وعلى حد قول تشاو، لم تسفر الزيارة عن اتفاق تجاري طويل الأمد، أو تخفيف القيود على تصدير الرقائق، أو تغيير في سياسة مبيعات الأسلحة لتايوان.

لكن الخبير الصيني يشدد على أن بكين تعطي الأولوية لاتجاه العلاقة وإيقاعها، عبر تثبيت "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" أولاً، ثم البناء عليه في اللقاءات اللاحقة بين الزعيمين. ومن هنا، تشكل قمّتا شنتشن وميامي المحطة التالية لاختبار هذا النهج: هل يمهّد تثبيت الاستقرار ومراكمته لتسويات جديدة، أم سيظل إطاراً لإدارة الخلافات من دون حلّها؟

font change

مقالات ذات صلة