عاد نجيب محفوظ من عمله في صحيفة "الأهرام" ظهر الخميس الواقع فيه 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1988 قبل وصول البرقية، فتناول غداءه وأخذ قيلولته جريا على عادته إلى أن أيقظته زوجته لتخبره أنه فاز بجائزة نوبل للآداب. للحظة ظن صاحب "أولاد حارتنا" أنها تمزح، وبقي على شكه حين رن الهاتف من الجريدة، إلى أن طرق السفير السويدي الباب بنفسه، عندئذ استأذن الرجل كي يبدل ثياب النوم ويستقبل ضيفه حسبما يليق.
يومها قال سكرتير الأكاديمية السويدية ستوره ألين إن هذا الاختيار "دليل على أننا لم نهمل هذه الثقافة"، فبدت الجائزة التفاتة إلى ثقافة كاملة من خلال رجل واحد. رأى محفوظ أن الترجمة الفرنسية لثلاثيته هي التي حملته إلى ستوكهولم، أي أن الرواية فازت بالفرنسية قبل أن يسمع العالم صوتها العربي. مرت على هذه الظهيرة ثمانية وثلاثون عاما بقي محفوظ خلالها العربي الوحيد بين 122 فائزا بنوبل للآداب، كذلك فازت رواية عربية واحدة بجائزة "البوكر" الدولية منذ أن باتت جائزة سنوية عام 2016، وجاءت قائمتها الطويلة هذا العام خالية من أي كتاب عربي، أيضا ذهبت الجائزة الوطنية الأميركية للأدب المترجم منذ تأسيسها عام 2018 إلى اللغة اليابانية مرتين وإلى الإسبانية مرتين، ثم إلى المجرية والفرنسية والبرتغالية والصينية مرة واحدة لكل لغة، بينما دخلت قوائمها كتب عربية كثيرة وخرجت منها.
تحمل كلمة "اكتشاف" شيئا من لغة الرحالة القدامى وتوحي بأرض تنتظر من يراها حتى توجد، والحال أن محفوظ عاش في ملايين البيوت العربية قبل أن تنتبه إليه ستوكهولم. للمسألة جذر قديم، فقد روى الحلبي حنا دياب في باريس عام 1709 حكايتي "علاء الدين" و"علي بابا" للمستشرق أنطوان غالان فدخلتا الترجمة الفرنسية لـ"ألف ليلة وليلة" وسقط اسم راويهما من الكتاب. منذ ذلك الحين والأدب العرب يصل إلى العالم، فيما يبقى صاحبه في الغالب خارج الغرفة التي توزع فيها الجوائز.
طاولة اللجنة
تفتح لجنة نوبل باب الترشيح كل خريف أمام أعضاء الأكاديميات وأساتذة الأدب واللغات والفائزين السابقين ورؤساء اتحادات الكتاب، قبل أن تختصر مئات الأسماء إلى خمسة في شهر مايو/ أيار ويمضي أعضاء الأكاديمية الصيف بكامله في قراءة أعمال هؤلاء الخمسة قبل التصويت في أكتوبر من قبل أعضاء الأكاديمية الثمانية عشر في نهاية الأمر. وبين الترشيح والتصويت تحسم القراءة كل شيء، وهي تجري بلغات يعرفها الأعضاء أو بترجمات تصل إليهم، أي أن الكاتب يدخل المنافسة بالصورة التي رسمها له مترجموه، وهنا يكمن الفرق بين الكاتب العربي الذي يدخل ذاك الصيف الحاسم بكتاب أو كتابين في غالب الأحيان، وبين غيره الذين يدخل الواحد منهم ومعه نحو عشرة كتب مترجمة إلى ثلاث لغات أوروبية وربما أكثر. حتى محفوظ نفسه، ورغم منجزه الهائل في سنة تتويجه، فقد دخل ذاك الصيف بتسعة كتب مترجمة إلى الانكليزية وبثلاثيته الفرنسية.





