تعز... مدينة الدفء والحب والألوان في لوحات حكيم العاقل

في معرض "بين عرافة النجوم وترانيم لا نهائية" في القاهرة، ينقلنا الفنان التشكيلي اليمني إلى عوالم اليمن، وخصوصا مدينته تعز، في مشهديات مفعمة بالدفء والحياة

Hakim Alakel- facebook
Hakim Alakel- facebook
من أعمال حكيم عاقل

تعز... مدينة الدفء والحب والألوان في لوحات حكيم العاقل

يقدم الفنان التشكيلي اليمني حكيم العاقل في "فيلا آزاد" في القاهرة مجموعتين فنيتين مترابطتين من حيث الأجواء والأفكار. أطلق الفنان على هذا المعرض عنوان "بين عرافة النجوم وترانيم لا نهائية". وتواصل هاتان المجموعتان، من حيث المناخ، عالم الطائر الخافق الذي التقطت عينه مشاهد وجدانية وجغرافية في عدد كبير من أعمال الفنان السابقة. الفكرة الأساس التي تقوم عليها هاتان المجموعتان تتركز إلى حد كبير على "استلهام الذاكرة والتراث اليمني والطقوس والشعائر المرتبطة بها، ومحاولة البحث في المساحات الإنسانية الممتدة عبر الزمن إلى ما وراء العالم المرئي، مستلهمة ميثولوجيا الفضاء والرموز السبئية القديمة"، كما جاء في البيان الصحافي للمعرض.

فوق هضاب اليمن

منذ أكثر من سنة، انشغل الفنان بتحقيق رؤاه الفنية والفكرية وترجمتها في لوحات جديدة ذات ثيمة محددة. وها هي تلك اللوحات حاضرة اليوم متوجة رحلة طائر استودعه الفنان فضاء اليمن كي يسرد مشاهدها الوجدانية واليومية اللصيقة بالخيال كما بالواقع، وبالذاكرة كما بالحاضرالمجروح بالحروب والأزمات الاقتصادية المتتالية، والمحتفظ في الوقت ذاته بنضارة تأبى أن تندثر.

شهدت لوحات حكيم العاقل تبلورا لافتا خلال السنوات العشر الأخيرة، من دون أن تخرج عن انشغاله ببلده، الذي رفض مغادرته حتى اليوم رغم الحروب. أما هذا التبلور فجاء حين "ارتفع" الفنان عن سطح الأرض ليستحيل طائرا يمنيا، يلتقط من الأعلى المشاهد الطبيعية وانشغالات الناس اليومية، من الزراعة والحصاد إلى لقاء الأصحاب ووصلات الغناء والموسيقى في باحات البيوت ودواخلها.

شكلت الموسيقى والعزف إلى اليوم شقا كبيرا من أعمال الفنان. ولا غرابة في ذلك، إذ أن اليمن يمتلك إرثا موسيقيا غنيا يعود تاريخيا إلى ما قبل العصر الجاهلي، ويعد من بين أكثر الميراثات الموسيقية عراقة وتأثيرا في العالم العربي. أما إيغال الموسيقى في الذاكرة الشعبية، وحضورها في شتى المناسبات، فقد تجلى في لوحات الفنان السابقة بوفرة شديدة، وحضر أيضا بقوة في الشق الثاني من المعرض الذي عنونه بـ"ترانيم لا نهائية"، وهي ترانيم تتجدد باستمرار، وتبقى حميمة في دفء لوحاته وغموضها.

منذ اللحظة التي ارتفع فيها الفنان على أنغام اليمن الموشجة بنبرات العود الفرح، ترتبت عليه تحديات تشكيلية كبرى، قوامها مراعاة المنظور، وقياس الأبعاد، وتبدل الأشكال

ومنذ اللحظة التي ارتفع فيها الفنان على أنغام اليمن الموشجة بنبرات العود الفرح، ترتبت عليه تحديات تشكيلية كبرى، قوامها مراعاة المنظور، وقياس الأبعاد، وتبدل الأشكال من زوايا مختلفة، إضافة إلى القبض على اللحظة الحاسمة التي يتعين على الفنان فيها أن يرصد المشهد بخيال طليق، وهو في الوقت نفسه خاضع لقوانين باردة ترتبط ارتباطا وثيقا بالأبعاد والأشكال والأحجام.

سباحة في الفضاء

وإذا كان الفنان ـ الطائر قد رصد، في بدايات تجواله، مشاهد من الأعلى من خلال زوايا محدودة ولأشكال غير معقدة، فإنه مع مرور سنوات التمرس على السباحة في الفضاء صار خفقانه فوق المشاهد أكثر خفة وتنوعا، وأصبحت المشاهد المرسومة تستقي أهميتها من زاوية النظر المزدوجة إليها تارة، ومن درجة العلو التي التقطت منها تارة أخرى.

Hakim Alakel- facebook

ومن الأعمال التي تشير إلى ذلك، لوحة يظهر فيها رجلان على هضبة، يشير أحدهما نحو مشهد آخر يرى من علو شاهق وبامتداد أوسع، ينساب بتفاصيله المتداخلة في عمق واد غير سحيق. وفي لوحة أخرى مميزة وشديدة الأهمية، لأنها أشبه بمقدمة للوحات الحاضرة في معرضه الجديد من حيث انفتاح حقل التفاعل بين الأرض والسماء، نرى نساء قرب بائع فواكه، وهن ينظرن إلى أعلى، لا في اتجاه مشاهد اللوحة، بل في اتجاه الطائر الذي يراقبهن عن كثب. هنا تنقلب العلاقة بين الطرفين: فالطائر الذي كان يراقب اليمن من فوق يصبح هو نفسه مرئيا ومتفاعلا مع أهل الأرض.

جولة واحدة في رحاب لوحات الفنان التشكيلي اليمني حكيم العاقل، السابقة منها والجديدة، كفيلة بأن تجعلنا نشرف على يمن آسر، تلتحم فيه الخضرة بالرمال، والزخارف الملونة برهبة القلاع الصخرية الجاثمة على المرتفعات الشاهقة، والمدرجات الزراعية الخصبة بالوديان التي يغطيها الضباب. مدن تستقر بين القمم الوعرة، وتغشاها الخضرة فجأة بعد هطول المطر.

Hakim Alakel- facebook
لوحة لحكيم العاقل

ومن أبرز ما في لوحات حكيم العاقل أنها تشير إلى أن الأرض في اليمن ليست مجرد خلفية للشخوص والأشياء، لذلك لا نشعر بأن الزخارف والألوان الدافئة مفتعلة، بل تبدو جزءا عضويا من نسيج اللوحة ككل. ويظهر ذلك خصوصا في تجاور الأشجار والحيوانات والبشر في ألفة لافتة، تجعل هذا التناغم يبدو جزءا من نسيج حياة الإنسان اليمني. ولعل هذا ما يفسر حضور الطبيعة ومشاهد الفنان في طفولته بمدينة تعز في خياله وأحلامه وذكرياته.

تشير لوحات العاقل إلى أن الأرض في اليمن ليست مجرد خلفية للشخوص والأشياء، لذلك لا نشعر بأن الزخارف والألوان الدافئة مفتعلة، بل تبدو جزءا عضويا من نسيج اللوحة

فما زالت النساء الهابطات من الجبال والمرتفعات، بثيابهن الملونة، والمكللات بالضباب المنعش والنباتات النضرة وأزهارها بعد وصلات المطر، حاضرات في ذاكرته، إلى جانب الأحجار والصخور المتعددة الألوان، من الأصفر والأحمر والأخضر إلى الرمادي، فضلا عن أحجار العقيق والجزع والجمشت. ولعل العقيق، بما تحمله بعض أنواعه من تدرجات وتكوينات تبدو كأنها مناظر طبيعية، من أكثر هذه العناصر قدرة على استحضار ذلك العالم البصري الذي ظل حاضرا في ذاكرته منذ البدايات، وصقل نظره قبل أن يتبلور، على مدى السنوات، في المشاهد التي يرسمها منذ أكثر من عشرين عاما.

عوالم عطرية خافقة

عند عتبة الدخول إلى عالم العاقل الفني، تتراجع فورا الصور النمطية عن يمن يغلب عليه اللون الترابي، والصخور، والبيوت الطينية المخططة بالأبيض، والمشاهد الصحراوية، لتحل مكانها مشاهد غامرة تنتمي إلى عالم من الخيال مثقل بالروائح العطرة يستدل إليها من وفرة الألوان المظللة والمتخمرة تحت حرارة الشمس. تشدنا لوحات الفنان السابقة عموما، والحاضرة في المعرض خصوصا، بكثافتها اللونية والحسية، لتأخذنا إلى لوحات الفنان الفرنسي بول غوغان الخاصة بتاهيتي، التي تحمل ذلك الجمال البكر نفسه، وإن بقيت لوحات الفنان اليمني أكثر أصالة وارتباطا وثيقا بمشاهدات طفولته وعيشه وسط تقاليدها وأساطيرها.

ثمة تشابه بصري مذهل يكمن في تلك الألوان المشبعة والحية، حيث يتداخل الأحمر الناري والوردي الفاقع لزهور الجهنمية والورد البلدي مع خضرة الجبال الداكنة. لكن الرابط الأجمل هو ذلك التناغم العفوي بين الإنسان والأرض. فكما خلد غوغان نساء تاهيتي وهن يتزين بالزهور المحلية، تطل عليك المرأة التعزية وهي تضع الأزهار العطرية فوق رأسها، فلا تتزين بها بقدر ما تتحد معها في عفوية بارزة.

Hakim Alakel- facebook
لوحة للرسام اليمني حكيم العاقل

وحين نقول إن لوحات الفنان حكيم العاقل تبدو أحيانا أكثر تعبيرية من لوحات غوغان لأنها ولدت من فنان يمني، فعلينا أن نحاول توضيح ما الذي يجعلها كذلك. فالمتمعن في وجوه النساء اللواتي رسمهن الفنان سيعثر، مثلا، على اللون الأخضر منسحبا على الجبين، كقماش شفاف يخفف حدة الشمس، وليس مجرد نتيجة لاستخدام اللون بأسلوب تعبيري. كما أن سمرة نساء حكيم العاقل تبدو طبيعية وقابلة للتبدل، حتى في ظل التحولات الشعورية، وهي كثيرة في لوحاته، وليست سمرة شبه موحدة كما في لوحات غوغان. إنها سمرة "متوترة"، إذا صح التعبير، تتأثر بظلال الشمس، وتجاعيد التعبير، وآثار الزخارف الدقيقة للوشم. سمرة تشع وتذكّر بعسل اليمن، الذي أطلق عليه اسم "العسل الذهبي".

ولعل الأثر الأوضح لطبيعة تعز في لوحات الفنان هو أنها تظل خضراء على الدوام في أعماله السابقة والجديدة، إما بصريا أو حسيا، متغلغلة في طبقات المشاهد المرسومة

تتنقل شخوص العاقل، ولا سيما النساء، وتستريح في لوحاته وسط جو عطري عابق يحضر فيه الياسمين العربي، وأزهار شجرة السدر، ونبات الريحان، والورود المتعددة الألوان. ويجدر بالذكر أن مدينة الفنان تعز من أكثر مناطق اليمن خضرة وجمالا، ويشكل جبل "صبر" المطل على المدينة مخزنا للطبيعة العطرية. ولعل الأثر الأوضح لهذه الطبيعة في لوحات الفنان هو أنها تظل خضراء على الدوام في أعماله السابقة والجديدة، إما بصريا أو حسيا، متغلغلة في طبقات المشاهد المرسومة.

Hakim Alakel- facebook
لوحة للفنان اليمني حكيم العاقل

عرافة النجوم

هذا الجو المتخم بالروائح العطرية، والعابق بأنوار الشمس وضوء القمر المتهدج على تلال اليمن، استحضره الفنان في معظم لوحاته، ولا سيما حين استدعى طائرا يلتقط من خلاله المشاهد الجنائنية.

أما اليوم، وأمام معرض "بين عرافة النجوم وترانيم لا نهائية"، فلا نبالغ إن قلنا إن اللوحات المعروضة قد تكون تظهيرا لمرحلة فنية بدأ فيها طائر الفنان ينسحب من المشهد العام، ليورث مجموعة من نساء اليمن صفاته السحرية، تلك التي لا تكتفي بالإحاطة بالمشاهد من جوانبه المختلفة وعلى علو متفاوت، مانحا إياهن قدرته على الرؤية من عل. وهكذا اكتسبت النساء صفات الطائر نفسه، فيخترقن الغيوم بنظرهن، ويتطلعن إلى المشاهد المفتوحة، وينفذن إلى ما خلفها من أسرار وأخبار. وقد أطلق الفنان على هؤلاء النساء مجتمعات اسم "عرافة النجوم".

Hakim Alakel- facebook
من أعمال الرسام اليمني حكيم العاقل

وحول العرافات تلك، تحضر مشاهد مرتبطة بالعالم ذاته، وقد أخبرنا الفنان أن عناوين بعضها، مثل "محاكمة الفيلسوف"، و"لقاء السحرة"، و"الصوفي والمشعوذة"، تعكس فكرة حضرت عبر التاريخ، وهي أن الإنسان اتجه إلى هذه العوالم كي يشعر بالأمان. فعندما يضيق المكان السفلي، أي الأرض، يتسع المكان العلوي، أي السماء. تصبح النجوم حقل إمكانات مفتوحا للحرية والأمل، وكأن اللوحة تقول: إن لم نجد السلام على الأرض، فلنقرأ وعده في النجوم.

يطلق العاقل خياله في نسج "عرافة النجوم"، التي تبدو في اللوحات مسيجة بالصبر، محتكمة إلى حسها الداخلي وإيمانها بأنها تستطيع فعلا أن تنصت إلى النجوم

وليس من الغريب أن يسند الفنان إلى المرأة مهمة الإنصات إلى ما قد تقوله النجوم. فالعرافة، وفق البيان المرافق للمعرض، "لا تظهر كشخصية خرافية، بل كرمز فلسفي للوعي الإنساني الباحث عن إجابات في زمن المحن". والأهم أن الفنان كان، في لوحات سابقة له، يصعد تدريجيا من أهمية المرأة في أعماله. فهي التي تفرش ذراعيها لاستقبال ثمار الرمان التي تبدو كأنها قفزت إلى حجرها، مغادرة الهضبة المكسوة بالخضرة التي كانت تستقر عليها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرمان فاكهة ترمز إلى اليمن. وفي لوحة أخرى، تتواجه المرأة بجدارة مع زوابع لونية تشبه الأزهار تارة، وقوى غرائبية ملونة تارة أخرى. وفي لوحة ثالثة، تضع رأس إصبعها على فم غزال بري أنيق يريد بشدة أن يعزف مواله.

وفي فضاء اللوحات التي تعكس المزاج اليمني المروي بالأساطير عن الماء والقيامة والقدر والخصوبة، يطلق حكيم العاقل خياله في نسج "عرافة النجوم"، التي تبدو في اللوحات مسيجة بالصبر، محتكمة إلى حسها الداخلي وإيمانها بأنها تستطيع فعلا أن تنصت إلى النجوم، وتطلق ترانيمها اللانهائية لتنقل أخبارها إلى أهل اليمن.

font change

مقالات ذات صلة