7 مسارات لإنقاذ كهرباء لبنان… فهل تفتح الخصخصة باب الحل؟

تتعثر الإصلاحات أمام أزمة التمويل والضمانات ومطالب وزير الطاقة التي تضع الحكومة أمام اختبار حاسم

أ.ف.ب
أ.ف.ب
محطة توليد الكهرباء في المنطقة الصناعية بزوق مكايل، شمال العاصمة اللبنانية بيروت، 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022

7 مسارات لإنقاذ كهرباء لبنان… فهل تفتح الخصخصة باب الحل؟

يعاني لبنان من أزمة كهرباء مزمنة تمتد جذورها إلى أكثر من عقدين، فيما تفاقمت أزمة التغذية مجددا خلال عام 2026، مع تراجع ساعات التيار إلى مستويات متدنية لا تتجاوز ساعتين يوميا في عدد من المناطق. وتداخلت في الأزمة عوامل عدة، أبرزها محدودية القدرة الإنتاجية، وارتفاع تكلفة الوقود، وتراكم المستحقات المالية على الدولة ومؤسساتها، إلى جانب التحديات المرتبطة بتمويل مؤسسة كهرباء لبنان وتحصيل الفواتير.

في هذا السياق، برز الخلاف حول اتفاق تزويد لبنان الفيول العراقي، الذي انتهى في عام 2025، وآليات تأمين التمويل اللازم لشراء الوقود وتشغيل المعامل. في المقابل، يدعو وزير الطاقة والمياه جو الصدي إلى معالجة الاختلالات المالية والتشغيلية في القطاع، بما يشمل تسديد المستحقات، وتحسين الجباية، واعتماد تعرفة متحركة مرتبطة بتكلفة الوقود. ومع استمرار الخلاف في شأن هذه الإجراءات، أعلن الصدي في أكتوبر/تشرين الأول 2026 تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء، احتجاجا على عدم اتخاذ القرارات التي يطالب بها.

وعلى الرغم من أن لبنان مر بمراحل صعبة من استحقاقات سياسية واقتصادية وأمنية خلال السنوات الماضية، إلا أن موضوع التغذية بالكهرباء بقي أفضل مما هو عليه حاليا.

تحوّل ملف الكهرباء في لبنان إلى ما يشبه الحقائب السيادية في معارك تشكيل الحكومات، مع تنافس القوى السياسية على النفوذ والقرار فيه، فيما تعاقبت الحكومات من دون معالجة جذرية للأزمة. وقد انتقد رئيس مجلس النواب نبيه بري مرارا تسييس القطاع، داعيا إلى إخراجه من دائرة المحاصصة وتسريع الإصلاحات. وبين شعارات كل من حزب "القوات اللبنانية" "بدنا وفينا"، وشعار "التيار الوطني الحر" "ما خلونا" اللذين استلما هذه الحقيبة الوزارية، بقي المواطن في العتمة، على الرغم من أنه يدفع مرغما فاتورتين للدولة ولأصحاب المولدات الخاصة.

تتحدث الأرقام المقدمة عن 40 مليار دولار تكلفة، بينما إضاءة لبنان كله في حاجة إلى الى اربعة مليارات دولار فقط

البروفسور جاسم عجاقة، خبير اقتصادي ومالي

يمتلك لبنان معامل حرارية يمكن الاستناد إليها لزيادة إنتاج الكهرباء، أبرزها الزوق والجية والزهراني ودير عمار. ويعتمد المعملان الأولان أساسا على الفيول أويل، فيما يعمل المعملان الآخران بالغاز أويل، ويمكنهما استخدام الغاز الطبيعي المسال عند تأمين البنية التحتية والإمدادات اللازمة. لكن رفع ساعات التغذية تدريجيا يتطلب تأمين الوقود والتمويل اللازم للتشغيل والصيانة وتحسين القدرة الإنتاجية الفعلية. وتربط وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان استدامة التغذية أيضا بقدرة المؤسسة على تحصيل الفواتير وتأمين الأموال اللازمة لشراء الوقود، خصوصا مع ارتفاع سعر طن الغاز أويل إلى نحو 1,500 دولار، مقارنة بنحو 680 دولارا في موازنة عام 2026، أي بزيادة تقارب 121 في المئة.

وقال الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة، إن شح الإنتاج يتم أصلا بالشراكة مع أصحاب المولّدات. وشدد على ضرورة اسناد هذه المهمة إلى شركات تعمل بتقنيات حديثة في مجال السير نحو الشراكة. وعول على تطبيق قانون الشراء العام، لإبعاد شبح الفساد. وأشار إلى أن الأرقام المقدمة تتحدث عن 40 مليار دولار تكلفة، بينما إضاءة لبنان كله في حاجة إلى اربعة مليارات دولار فقط.

حراك رسمي في ملف الكهرباء

أعاد اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الحكومة نواف سلام، ملف الكهرباء إلى واجهة الأولويات، مع التشديد على ضرورة إيجاد حل جذري للأزمة، سواء عبر نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، أو من خلال اتفاق لبناني دولي يتيح معالجة مستدامة لهذا القطاع الحيوي. لكن طرح هذه الخيارات لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي، بل يعكس توجها نحو البحث عن حلول تمويلية وتشغيلية تتجاوز المعالجات المؤقتة.

ويطرح هذا التوجه أهمية لحاجة الدولة في ظل أزماتها المالية، إلى استقطاب رؤوس الأموال والخبرات الخارجية، لكنه يطرح تساؤلات حول تعثر إشراك القطاع الخاص في مشاريع الكهرباء طوال الأعوام الماضية، على الرغم من إقرار تنظيم القطاع الرقم 462 عام 2002، لفتح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص في الإنتاج والتوزيع.

أ.ف.ب
الرئيس اللبناني جوزيف عون يصافح رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، بيروت، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026

وتعكس التحركات الرئاسية والحكومية تصاعد الاهتمام بأزمة الكهرباء، إذ اجتمع رئيس الجمهورية جوزاف عون بوزير الطاقة والمياه، وبحثا وضع القطاع والإجراءات اللازمة لتعزيز إنتاج المعامل. كذلك، ناقش مجلس الوزراء، في جلسة عُقدت في غياب الصدي المعتكف، سبل زيادة ساعات التغذية وتأمين الموارد اللازمة، فيما تستمر المشاورات في شأن الحلول العملية والمستدامة للأزمة.

ما أهمية الدور القطري؟

خلال زيارته بيروت في 15 و16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، طرح رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني توسيع التعاون بين البلدين في قطاع الطاقة، في إطار مشروع استثماري متكامل لمعالجة أزمة الكهرباء. وأعلن سلام أن المشروع المقترح سيعتمد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، بحيث تتولى جهات قطرية تمويله وتنفيذه وتشغيله، من دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية تكلفة استثمارية مسبقة. ويهدف المشروع إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للإنتاج، وزيادة القدرة التوليدية وتنويع مصادر الطاقة، فيما لا يزال الاتفاق النهائي والتفاصيل التنفيذية والمالية قيد الإعداد. ويأتي ذلك بالتوازي مع بحث خيارات أوسع للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة والربط الكهربائي.

ويكتسب الاندفاع القطري أهمية من كونه يتحرك في مناخ من التنسيق المستمر مع المملكة العربية السعودية. ولم تكن الخطوة معزولة عن التوافق الخليجي لا سيما بين الدوحة والرياض، على دعم استقرار لبنان السياسي والمؤسساتي. ووفق وثيقة اطلعت عليها وكالة "رويترز"، تتضمن الخطة المقترحة إنشاء محطتين لتوليد الكهرباء بنظام الدورة المركبة في دير عمار والزهراني، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، إلى جانب مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة 800 ميغاواط، وطاقة الرياح بقدرة 440 ميغاواط، وتطوير أنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات. كما تشمل استيراد 300 ميغاواط من الكهرباء من سوريا عبر مسارين منفصلين، والاستفادة من خط الغاز العربي لنقل الغاز إلى لبنان.

تشير ورقة سياسة قطاع الكهرباء في لبنان، الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه في 21 يوليو/تموز 2026، إلى أن نحو 40 في المئة من الكهرباء تضيع نتيجة الخسائر التقنية وغير التقنية في الشبكة، فيما لا تتجاوز نسبة تحصيل الفواتير نحو 60 في المئة

وتستهدف الخطة تنفيذ المشاريع خلال ثلاث سنوات، عبر استقطاب التمويل الخاص من دون إنفاق رأسمالي مسبق من الموازنة اللبنانية. غير أن المشروع لا يزال في حاجة إلى موافقة الحكومتين، فيما تبقى التزامات الدفع والضمانات المالية قيد التفاوض. وبذلك، تمثل المبادرة إطارا استثماريا واسعا لمعالجة أزمة الكهرباء، لكن نجاحها سيظل مرتبطا بإقرارها النهائي وتحديد آليات التمويل والتنفيذ والتشغيل.

وأكد الصدي عزمه تسريع التعاون مع قطر في قطاع الكهرباء. وتشمل المشاريع المرتبطة بهذا التعاون إنشاء محطة للطاقة الشمسية على أرض مخصصة للجيش اللبناني، بقدرة إنتاجية تتراوح بين 100 و150 ميغاواط، تتولى شركة قطر للطاقة تنفيذها، وهو مشروع قال الصدي إنه أُقرّ في مجلس الوزراء.

مقاربة الصدي لقطاع الكهرباء

تضع ورقة سياسة قطاع الكهرباء في لبنان، الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه في 21 يوليو/تموز 2026، خريطة طريق لإصلاح القطاع ومعالجة اختلالاته المالية والتشغيلية. وتشير إلى أن نحو 40 في المئة من الكهرباء تضيع نتيجة الخسائر التقنية وغير التقنية في الشبكة، فيما لا تتجاوز نسبة تحصيل الفواتير نحو 60 في المئة، مما يحدّ من قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تمويل عملياتها وتحسين التغذية.

أ.ف.ب
محطة دير عمار لتوليد الكهرباء في مدينة طرابلس شمال لبنان، 10 يوليو/تموز 2021

وتقترح الورقة إعادة هيكلة القطاع تدريجيا، بدءا بتحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة مساهمة عامة، وصولا إلى فصل أنشطة الإنتاج والنقل والشراء والتوزيع ضمن كيانات متخصصة، مع تفعيل دور هيئة تنظيم قطاع الكهرباء. كما تدعو إلى تحديث العدادات وأنظمة الفوترة والجباية، والحد من التعديات وسرقة الكهرباء، واعتماد تعرفة تعكس التكلفة الفعلية مع مراعاة حماية المستهلكين.

وعلى صعيد الاستثمار، تستهدف الخطة تهيئة بيئة تنظيمية تسمح بمشاركة القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، إلى جانب تأهيل شبكة النقل وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي. وتطمح، على المدى الطويل، إلى بناء سوق أكثر تنافسية وزيادة حصة الطاقة المتجددة إلى ما لا يقل عن 30 في المئة من سوق التجزئة. وتعكس هذه التوجهات إقرارا بأن أزمة الكهرباء لا تقتصر على نقص الإنتاج والوقود، بل ترتبط أيضا بضعف الجباية وارتفاع الخسائر وتأخر الإصلاحات القانونية والمؤسسية، مما يجعل استدامة الحل مرهونة بقدرة الدولة على إعادة تنظيم القطاع وتأمين تمويله وجذب الاستثمارات وتحسين الخدمة.

شرح مصدر قريب من الوزير الصدي لـ"المجلة"، واقع الكهرباء والحلول التي طرحها انطلاقا من تشخيص الوزير مشكلة الكهرباء، ووضع رؤية متكاملة وعملية للخروج من الأزمة، إذ أن الواقع الذي استلمه كان "واقعا مريرا، وشكل نقصا في إنتاج الطاقة يقارب ثلثي حاجة لبنان، كما أن هناك ديونا متراكمة من سندات خزينة تخطت الـ 25 مليار دولار، وأغرقت لبنان في المديونية، وعمليا كانت جزءاً من سبب فقدان المودعين أموالهم".

وتابع المصدر أن اتفاق مبادلة النفط بين لبنان والعراق بدأ عام 2021، بهدف تأمين الوقود اللازم لمعامل كهرباء لبنان مقابل سلع وخدمات لبنانية.

ورغم موافقة مجلس النواب على الاتفاق الأساس، جرى تجديده ثلاث مرات من دون استكمال المسار التشريعي للتجديدات اللاحقة، مما أثار إشكالات دستورية وقانونية في شأن شرعية هذه الترتيبات واستمرار تنفيذها، في وقت بقيت آلية تسديد المستحقات العراقية موضع تساؤل. وراكم على الدولة اللبنانية دينا بلغ مليارا ومئتين وخمسة عشر مليون دولار من معامل مقابل شحنات الفيول، فيما تعتمد البلاد على معامل حرارية يتجاوز عمر معظمها 30 عاما و شبكاتها مهترئة. ويعاني القطاع من جباية متفلتة، وهدر تقني بلغ نحو 10 في المئة من الإنتاج، وهدر غير تقني، أي سرقة، يبلغ 30 في المئة من الإنتاج".

يعمل لبنان على استجرار نحو 150 ميغاواط من سوريا عبر محطة كسارة في زحلة، بعد إحالة مشروع العقد إلى مؤسسة كهرباء لبنان لدراسته، تمهيدا لاستكمال الموافقات اللازمة والاتفاق على الأسعار والشروط الفنية والتجارية. وبالتوازي، تتواصل الجهود لإعادة تأهيل خط الربط مع الأردن عبر سوريا

وشرح المصدر أن الصدي وضع رؤية متكاملة تقوم على سبعة مسارات هي:

1 - يركّز المسار الأول على إنشاء معملين جديدين لإنتاج الكهرباء بالغاز، بتكلفة تقارب مليار دولار لكل منهما، لما يوفره الغاز من تكلفة تشغيلية أقل وانبعاثات بيئية أدنى. لكن استقطاب المستثمرين لا يزال يواجه صعوبات، رغم التواصل مع مؤسسة التمويل الدولية للمساعدة في جذبهم، إذ يطالب المهتمون بضمانات مالية تحمي حقوقهم واستثماراتهم، وأخرى أمنية في ظل استمرار مخاطر الحرب. لذلك، يبقى هذا المسار معقدا وبطيء التقدم، ويرتبط بإيجاد بيئة قانونية واستثمارية مستقرة تطمئن المستثمرين إلى استمرارية العقود وإمكان تحصيل مستحقاتهم.

2 - أما المسار الثاني، فيتمثل في زيادة القدرة الإنتاجية والتوسع في الطاقة المتجددة. وأوضح المصدر الوزاري أنه عند تولّي جو الصدي وزارة الطاقة، تبيّن وجود 11 رخصة منحها مجلس الوزراء عام 2022 لإنشاء مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 165 ميغاواط، لكنها بقيت متعثرة من دون بدء الإنتاج. وعمل الوزير على إعادة تحريكها، مطالبا حامليها بتفعيل مشاريعهم أو بيع رخصهم لمستثمرين قادرين على تنفيذها. وبحسب الصدي، عادت أربع رخص إلى مسار التنفيذ، واشترت شركة "سي إم إيه سي جي إم" ثلاثا منها، فيما يُعد مشروعها في بينو بعكار الأكثر تقدما، مع استمرار الإجراءات التحضيرية والفنية والتنظيمية اللازمة لتنفيذه.

وأوضح المصدر الوزاري أن إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لتهيئة بيئة قانونية وتنظيمية تشجع المستثمرين على دخول السوق اللبنانية، ولا سيما أن القانون رقم 462 الصادر عام 2002 نصّ على إنشائها، لكن تطبيقه تأخر لأكثر من عقدين. ويحتاج المستثمرون إلى ضمانات بأن تحترم الدولة القوانين وتطبقها بصورة مستقرة وواضحة. وتعمل الهيئة على تنظيم مشاريع الطاقة الشمسية عبر منح التراخيص وفق فئات محددة من القدرة الإنتاجية، فيما بدأت خطوات عملية لتسهيل إنشاء مجموعات صغيرة لإنتاج الكهرباء، على أن تظهر نتائجها تدريجيا. كذلك، أشار المصدر إلى اهتمام أحد المستثمرين بإعادة تفعيل مشروع لتوليد الطاقة من الرياح في عكار، ظل متوقفا لسنوات، في خطوة قد تسهم في تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة.

أ.ف.ب
محطة الجية لتوليد الكهرباء بالقرب من بلدة الجية الساحلية، جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2023

3- يركز هذا المسار على التحول إلى الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء، بدءا من تشغيل معمل دير عمار بالغاز بدلا من الوقود السائل، بما يُتوقع أن يخفض تكلفة الإنتاج والانبعاثات الملوثة. وتقوم الخطة على شراء الغاز الطبيعي المسال بالتعاون مع الأردن وسوريا، وإعادة تغويزه في العقبة قبل نقله عبر شبكة الأنابيب الإقليمية إلى لبنان. ويتطلب تنفيذها استكمال الموافقات الحكومية، وتأهيل خط الأنابيب الممتد إلى الحدود السورية، وإجراء الاختبارات الفنية اللازمة، قبل بدء توريد الغاز وتشغيل المعمل. بالتوازي، يجري العمل على دراسة إنشاء محطة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه في لبنان، فيما تتولى مؤسسة التمويل الدولية تقديم المشورة في شأن المشروع والمساعدة في استقطاب المستثمرين. ويتركز التوجه الحالي على تطوير محطة مرتبطة بمعمل دير عمار، بدلا من خطط سابقة اقترحت إنشاء ثلاث محطات في البداوي وسلعاتا والزهراني، وأثارت انتقادات في شأن تكلفتها والاعتبارات التي حكمت توزيعها. ويبقى تنفيذ هذه المشاريع مرتبطا بنتائج الدراسات الفنية والاقتصادية، وتأمين التمويل، واستكمال البنية التحتية اللازمة.

4 - المسار الرابع يركز على تعزيز الربط الكهربائي مع سوريا والأردن، إذ يعمل لبنان على استجرار نحو 150 ميغاواط من سوريا عبر محطة كسارة في زحلة، بعد إحالة مشروع العقد إلى مؤسسة كهرباء لبنان لدراسته، تمهيدا لاستكمال الموافقات اللازمة والاتفاق على الأسعار والشروط الفنية والتجارية. بالتوازي، تتواصل الجهود لإعادة تأهيل خط الربط مع الأردن عبر سوريا، بما يتيح استيراد كميات إضافية من الكهرباء، شرط أن تكون تكلفتها أقل من تكلفة الإنتاج المحلي.

يرتكز المسار السابع حسب المصدر الوزاري على إعادة هيكلة قطاع الكهرباء وفصل أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، مع فتح الإنتاج أمام القطاع الخاص، وإبقاء النقل بيد الدولة عبر مؤسسة كهرباء لبنان المزمع تحويلها إلى شركة

6 - يرتكز المسار السادس على استجرار الكهرباء من قبرص عبر كابل بحري، بعدما اتفق البلدان على إعداد دراسة جدوى أولية بدعم من البنك الدولي لتقييم الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع. وقد يتيح هذا الربط للبنان الوصول مستقبلا إلى شبكة الكهرباء الأوروبية عبر قبرص، إذا اكتمل ربطها بأوروبا. لكن التنفيذ يبقى رهنا بنتائج الدراسة وتأمين التمويل، إلى جانب الحاجة إلى تطوير شبكة النقل الكهربائي اللبنانية، في ظل محدودية الموارد المالية للدولة.

7 - يرتكز المسار السابع حسب المصدر الوزاري على إعادة هيكلة قطاع الكهرباء وفصل أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، مع فتح الإنتاج أمام القطاع الخاص، وإبقاء النقل بيد الدولة عبر مؤسسة كهرباء لبنان المزمع تحويلها إلى شركة. أما التوزيع، فيُقترح تقسيم لبنان إلى نحو ثماني مناطق تُمنح عبر مناقصات لمشغّلين من القطاع الخاص يتولون شراء الكهرباء وتوزيعها والجباية والصيانة ومكافحة المخالفات، استلهاما من نموذج زحلة مع إدخال تحسينات عليه. ويهدف هذا التوجه إلى رفع معدلات التحصيل، والحد من الهدر التقني وغير التقني، وتسريع إصلاح الأعطال وتحسين كفاءة الخدمة.

وفي إطار الإصلاح المؤسسي، تعمل وزارة الطاقة، حسب المصدر القريب من وزير الطاقة على تجديد مجالس إدارة المؤسسات التابعة لها، ولا سيما تلك التي انتهت ولاياتها منذ عام 2009، إلى جانب تعزيز الحوكمة والشفافية وإجراء التدقيق المالي، بهدف تحسين الأداء والمساءلة في مؤسسات الكهرباء والمياه.

أ.ف.ب
محطة توليد الكهرباء في المنطقة الصناعية بزوق مكايل، شمال العاصمة اللبنانية بيروت، 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022

وبحسب وزير الطاقة، ارتفعت التغذية الكهربائية إلى نحو 7–9 ساعات يوميا في فبراير/شباط 2026، اعتمادا على إيرادات مؤسسة كهرباء لبنان ومن دون سلفات خزينة. لكن الحرب وارتفاع أسعار النفط تسببا في زيادة تكلفة الوقود وتراجع إيرادات الجباية، مما قلّص قدرة المؤسسة على تأمين المحروقات وخفّض ساعات التغذية.

وفي مايو/أيار 2026، طرح الصدي على مجلس الوزراء اعتماد تعرفة كهربائية متحركة ترتبط بأسعار النفط العالمية، بما يسمح بتعديلها تبعا لتغير تكلفة الإنتاج. لكن الحكومة لم تعتمد هذا الخيار آنذاك لأسباب اقتصادية واجتماعية. وبدلا منه، اقترح الصدي حلا مؤقتا يقوم على تسديد مستحقات الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة لمؤسسة كهرباء لبنان، التي بلغت نحو 250–260 مليون دولار حتى نهاية عام 2025، لتوفير السيولة اللازمة لشراء الوقود وتأمين التغذية خلال الأشهر التالية، إلى حين اتضاح مسار الحرب وأسعار النفط. واقترح الصدي أن تقسم 50 مليون دولار شهريا، مما يساعد في تمرير أربعة أو خمسة أشهر.

خطة الوزير الصدي مبررة وجيدة، لكنها تحتاج إلى وقت للتنفيذ. وهذا الوقت، لا أحد يعرف مصيره ومصير الحكومة، والتنفيذ، والعلاقات مع الخارج، مع العلم أنه كان يمكن تضمينها مشاريع مهمة وهي إعادة تأهيل مصافي تكرير النفط في طرابلس والزهراني

الدكتور غسان بيضون، الخبير لدى المعهد اللبناني للدراسات، والمدير العام السابق للاستثمار

نجح الصدي في الحصول على تسديد جزئي لمستحقات كهرباء لبنان من مؤسسات الدولة لمرة واحدة، لكن ذلك لم يتحول إلى التزام منتظم. ويطالب بأن تسدد الدولة فواتيرها، وأن تعوّض مؤسستي الكهرباء والمياه عن الإعفاءات الممنوحة للجنوب وتكاليف إصلاح أضرار الحرب. وتضاف هذه المطالب إلى مطلب اعتماد تعرفة كهربائية متحركة، وهي النقاط الأربع التي يقول الوزير إن عدم الاستجابة لها يهدد بتفاقم أزمة الكهرباء.

وحسب المصدر الوزاري، باتت الكرة في ملعب الحكومة، إذ إن الاستجابة للمطالب المطروحة تتطلب قرارات من مجلس الوزراء تتجاوز صلاحيات وزير الطاقة. ويرتبط إنهاء اعتكاف الصدي عن حضور الجلسات بمدى تجاوب الحكومة مع مطالبه الأربعة المتعلقة بالتعرفة المتحركة، ومستحقات مؤسسات الدولة، وتعويض إعفاءات الجنوب، وتمويل إصلاح أضرار الحرب. وفي موازاة ذلك، طالب الصدي بتعليق رسم الـ300 ألف ليرة المفروض على صفيحة البنزين، أو إلغائه، حتى نهاية العام، للتخفيف عن المواطنين في ظل الارتفاع الحاد في أسعار النفط وانعكاساته على تكلفة المعيشة. وقد ناقش مجلس الوزراء الطلب، وسط اعتراضات من وزيري المال والاقتصاد، وانتهى النقاش إلى طلب إعداد النص القانوني اللازم.

آراء مختلفة؟

يعبّر اختصاصيون في الطاقة واستثمارها عن آراء مخالفة بعض الشيء. وقال الدكتور مارك أيوب إن أبرز العراقيل التي يمكن أن تحول دون تطبيق المشروع كما قال لـ"المجلة"، وهي: "استمرار التصعيد في المنطقة واستمرار انقطاع الغاز المسال، بمعنى أن قطر لن تستطيع تزويد لبنان الغاز. بالإضافة إلى ذلك، نشوب أي حرب جديدة في لبنان أو تصعيد اسرائيلي قد يعيق تنفيذ الخطة". وتابع أيوب أن "السبب الثالث هو البيروقراطية اللبنانية وزواريب المواقفات التي يمكن أن تعرقل في السياسة".

أ.ف.ب
صورة جوية تظهرمبنى مؤسسة كهرباء لبنان في العاصمة اللبنانية بيروت، فيما يخيّم الظلام على المنطقة خلال انقطاع للتيار الكهربائي، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2021

أما الدكتور غسان بيضون، الخبير لدى المعهد اللبناني للدراسات، والمدير العام السابق للاستثمار، فاعتبر بحسب تصريحه لـ"المجلة"، "أن خطة الوزير الصدي مبررة وجيدة، لكنها تحتاج إلى وقت للتنفيذ"، وشرح أن هذا الوقت، لا أحد يعرف مصيره ومصير الحكومة، والتنفيذ، والعلاقات مع الخارج، مع العلم أنه كان يمكن تضمينها مشاريع مهمة وهي إعادة تأهيل مصافي تكرير النفط في طرابلس والزهراني.

وقال: "المشروع حيوي في طرابلس، لا سيما في ظل جهوزية خط النفط العراقي. فيتم تكرير النفط وتأمين حاجة السوق بالكامل، بنوعية جيدة، وتأمين الغاز المنزلي والمازوت، وتصدير ما يفيض عنه. عندها يوفر لبنان خروج أموال بالدولار، ويحافظ على البيئة، ويؤمن استقرارا تنمويا، خصوصا اذا تمت زيادة القدرة التخزينية. أما الآن فلا ضمان أن يكون مصير المشاريع المطروحة مثلما حصل مع مشروع إعادة تأهيل محطات تكرير النفط الذي صدر قانونه في سنة 2003 بالرقم 549"، واضاف: "فضلاً عن ذلك، هناك مشروع إنشاء معمل للكهرباء على المياه في قاديشا وكان لدى كهرباء قاديشا امتياز انتهى، واندمجت بكهرباء لبنان. ومن المهم، تعزيز إنتاج الطاقة الشمسية، ومساهمة البلديات في ذلك بالتعاون مع القطاع الخاص".

وأكد "أن خطة الوزير تحتاج إلى وقت، بينما واقع الكهرباء هو في العناية الفائقة، ولا يستطيع المواطن انتظار سنة ونصف السنة أو أكثر، ويجب البدء بإزالة سرطان الفساد في الكهرباء". وتحدث الوزير عن التعرفة المتحركة، مع العلم أنها حاليا متحركة، "لكن من يضمن إذا تم رفع التعرفة وعادت لتتراجع الأسعار، أن تعود التعرفة إلى التراجع. ومن المهم أيضاً إعادة الثقة بين المشترك والمؤسسة. فهناك ظلم غير مبرر وما يشبه الخوة و"السلبطة"، عبر فرض رسم ثابت ولو لم يستعمل المواطن الكهرباء". وحسب بيضون إن "إعادة الثقة مع المواطن تتم عبر تحسين الفواتير وعدم تأخيرها، إذ إن الهدر الفني وغير الفني يساوي 45 في المئة، تُلقى نتائجه على عاتق المواطن. ويفترض إعادة النظر بالأوضاع المالية للكهرباء وموجوداتها ومخزوناتها وقيمة تلزيماتها، وعلاقاتها بقاديشا. وأرى أن المقارنة بين كهرباء الدولة والمولد غير جائزة، ولا يجوز التذرع بالكلفة لتحميلها للمواطن".

font change