انتخابات إسرائيل... من يكسر مأزق الـ61 مقعدا؟

قد يعجز المعسكران عن تأمين أغلبية الحكم، فتدخل إسرائيل مساومات قد تُبقي نتنياهو، أو تفتح الطريق لآيزنكوت، فيما تفرض الأصوات العربية اختبارا للشراكة، وتلوح انتخابات جديدة

(بيت رينولدز/ المجلة)
(بيت رينولدز/ المجلة)

انتخابات إسرائيل... من يكسر مأزق الـ61 مقعدا؟

قد تفضي الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وهي الأولى منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، إلى نتائج مخيبة للآمال، خلافا لما يأمله كثير من الإسرائيليين والمراقبين الذين يتطلعون إلى حسم المشهد السياسي. فطبيعة الانتخابات وعمق الاستقطاب الذي ترسخ في البلاد خلال السنوات الماضية يجعلان استمرار الجمود السياسي لفترة طويلة السيناريو الأرجح الآن.

وقد ينتهي هذا المسار إلى نتيجة لا ترضي أيا من الأطراف. فحتى لو تقدم خصوم نتنياهو على معسكره في عدد الأصوات، فقد يعجزون عن تشكيل حكومة. أي إن بنيامين نتنياهو قد يخسر الانتخابات من دون أن يخسر رئاسة الوزراء. وتوحي النتائج الأولية بإمكان استمرار نتنياهو في منصبه رغم عجز معسكره عن تشكيل حكومة بمفرده، إذ لا يزال بعيدا عن أغلبية 61 مقعدا، فيما جاءت نتائج خصومه أضعف مما توقعت استطلاعات الرأي.

بعد فرز 85 في المئة من بطاقات الاقتراع، تشير النتائج الأولية إلى حصول الائتلاف اليميني بقيادة نتنياهو على 53 مقعدا، مقابل 48 مقعدا لائتلاف معارض محتمل بقيادة رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، و19 مقعدا للأحزاب العربية. ورغم احتمال تغير هذه الأرقام خلال الأيام المقبلة، فإن أيا من المعسكرين لا يملك مسارا واضحا للوصول إلى أغلبية 61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة. وهذا يعني أن أيا من الطرفين لن يتمكن من تشكيل حكومة بأغلبية مستقرة من دون شركاء عرب، أو من دون استمالة حزب من المعسكر الآخر، ما ينذر باستمرار الجمود السياسي.

والمفارقة أن البرلمان والحكومة في إسرائيل أكملا، للمرة الأولى منذ عقود، ولاية كاملة من دون انهيار يفضي إلى انتخابات مبكرة. غير أن هذا الاستقرار لا يعني أن الأزمة السياسية قد انحسرت. فبعد أربع سنوات، لا يزال الاستقطاب على حاله، ولا يزال أي من المعسكرين عاجزا عن جمع أغلبية تتيح له الحكم. بل إن استمرار الحكومة طوال هذه المدة يعود، إلى حد كبير، إلى حدة الاستقطاب نفسه. فقد شهد الائتلاف الحاكم خلافات داخلية مريرة وطويلة، لكن أطرافه كانت تدرك أن انتخابات مبكرة قد تكلفها جميعا ثمنا سياسيا باهظا. وهكذا أصبح الخوف من انتصار المعسكر الآخر أحد أهم العوامل التي أبقت الائتلاف متماسكا.

أ.ف.ب
لوحة إعلانية لحملة انتخابية تابعة لحزب "الليكود" بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في القدس، 20 أكتوبر 2026

وقد تفتح الانتخابات، تبعا لنتائجها، مسارات مختلفة للتغيير. فإذا فازت المعارضة بأغلبية واضحة، فقد تتشكل حكومة تتعهد بالتحقيق في أحداث 7 أكتوبر، وتوسيع نطاق الخدمة العسكرية، وإعادة العمل بالضوابط المؤسسية. أما إذا جاءت النتائج متقاربة، فسيضطر قادة المعارضة إلى إعادة النظر في موقفهم من أطراف سبق أن استبعدوا التعاون معها. وإذا استمر الجمود، فسيبقى نتنياهو في منصبه، فيما ينشغل خصومه بالخلاف حول الوعود التي يمكنهم التراجع عنها، وهو ما قد يمنحه مجالا أوسع للمناورة واستمالة بعضهم إلى صفه.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع الساعون إلى تغيير سياسي في إسرائيل تجاوز القيود التي حالت طوال السنوات الماضية دون تحقيقه؟

ويبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع الساعون إلى تغيير سياسي في إسرائيل تجاوز القيود التي حالت طوال السنوات الماضية دون تحقيقه؟

استقطاب تراكم على مدى سنوات

الأزمة الراهنة في إسرائيل هي نتاج سلسلة من الصدمات الداخلية التي تراكمت على مدى سنوات. ففي مطلع عام 2023، طرح الائتلاف الحاكم خطة واسعة لإعادة صياغة النظام القضائي، فأشعلت أكبر موجة احتجاجات شهدتها البلاد. ومضى المشرعون في تقليص صلاحيات المحكمة العليا في الرقابة، قبل أن تبطل المحكمة هذا الإجراء بفارق ضئيل، في مواجهة دستورية غير مسبوقة.

علقت هجمات 7 أكتوبر هذه الانقسامات الداخلية مؤقتا، وانضم على أثرها المعارضان بيني غانتس وغادي آيزنكوت إلى حكومة حرب طارئة. لكن أجواء الوحدة التي فرضتها الحرب لم تدم طويلا، وسرعان ما عادت الخلافات والمساومات السياسية. فانسحب حلفاء من الوسط بسبب غياب مسار استراتيجي واضح، وعاد خصوم سابقون إلى التفاهم بما يعزز أغلبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بينما لوحت أحزاب اليمين المتطرف مرارا بالانسحاب من الائتلاف لانتزاع تنازلات. وهكذا اتسع الخلاف الذي بدأ كصراع دستوري ليصبح صراعا مستمرا على البقاء السياسي والتماسك الوطني.

وكان الخلاف حول تجنيد الحريديم أشد التحديات الداخلية التي واجهت الائتلاف اليميني. وبلغت الأزمة ذروتها في يوليو/تموز 2025، حين انسحب جناحا حزب "يهودوت هتوراه" (التوراة الموحدة)، "ديغل هتوراه" و"أغودات يسرائيل"، من الحكومة بعد تعثر التشريع الخاص بالإعفاء من التجنيد، ثم استقال وزراء حزب "شاس" بعد ذلك مباشرة. ورغم تمكن نتنياهو من إبقاء حكومته حتى انتهاء ولايتها رسميا، دفعت هذه الأزمة انتخابات 2026 إلى ما هو أبعد من منافسة برلمانية اعتيادية، وحولتها إلى نقاش أوسع حول مستقبل المؤسسات الديمقراطية في إسرائيل، والعقد الاجتماعي، وبنية الأمن القومي.

وليس من المبالغة القول إن تزامن الأزمات المؤسسية المتراكمة مع تهديدات أمنية وجودية يجعل هذه الانتخابات محطة حاسمة في تاريخ إسرائيل الحديث.

الأغلبية المفقودة

تخضع الانتخابات الإسرائيلية لحسابات دقيقة وحاسمة. ففي نظام التمثيل النسبي المعتمد على مستوى البلاد، تشكل إسرائيل دائرة انتخابية واحدة يتنافس فيها المرشحون على مقاعد الكنيست الـ120.

كانت استطلاعات الرأي الثلاثة الرئيسة التي بثتها القنوات التلفزيونية يوم الجمعة قد منحت ائتلاف نتنياهو 50 مقعدا في كل منها، أي أقل من الأغلبية المطلوبة بأحد عشر مقعدا. وكان خصومه يتقدمون عليه، لكن من دون أن يبلغوا بدورهم عتبة الحكم.

أ.ف.ب
يهود من التيار الأرثوذكسي المتشدد ينتظرون في محطة حافلات في مدينة عراد، إسرائيل، في 1 أكتوبر 2026

فقد منحت التقديرات "معسكر التغيير"، بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ما بين 52 و56 مقعدا. لكن نتائج الفرز الأولية أظهرت حصوله على 48 مقعدا فقط، وهو أقل من المتوقع.

وتشير هذه النتائج إلى أن استطلاعات الرأي أخفقت في تقدير حجم التأييد لبعض القوى، إذ أظهر فرز أصوات الاقتراع العادي حصول "الليكود" على 26 مقعدا، مقابل 21 مقعدا في استطلاع "القناة 12" الأخير، وحصول الأحزاب العربية على 19 مقعدا، مقابل نحو 14 مقعدا في الاستطلاع نفسه. وبلغت نسبة المشاركة، وفقا للأرقام المعلنة، 77.7 في المئة، وهي الأعلى منذ عام 1999. ورغم الطابع التاريخي لعدد من هذه الأرقام، بما فيها نسبة المشاركة وعدد المقاعد المسجلة للأحزاب العربية في الفرز الأولي، فإنها لا تسهل الخروج من الجمود السياسي. ولا بد من أن يتنازل أحد المعسكرين عن بعض مواقفه حتى يصبح تشكيل حكومة ممكنا.

نظريا، تعارض غالبية الأحزاب نتنياهو. لكن المعارضة استبعدت مسبقا الاعتماد على نحو خُمس هذه الأغلبية. فثلاثة من أحزاب المعارضة الأربعة ذات القيادة اليهودية ترفض تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربية، فيما يرفض أفيغدور ليبرمان حتى قيام حكومة أقلية تعتمد على دعم هذه الأحزاب من خارج الائتلاف. ويستبعد ليبرمان أيضا التحالف مع أحزاب الحريديم، بينما يترك غادي آيزنكوت الباب مفتوحا أمام التوصل إلى اتفاق معها. أما معسكر الحريديم فيبقي خياراته مفتوحة. ونقل عن مصدر في حزب "شاس" قوله إن آيزنكوت، إذا أحسن تقدير الموقف، فسيشكل حكومة من دون الاستئثار بالحقائب الوزارية التي يريدها "شاس"، مضيفا: "إذا كان هناك قانون معقول للتجنيد، فربما ننضم لاحقا".

وتختلف مواقف الأحزاب العربية نفسها بين المشاركة في الحكومة أو دعمها من الخارج. فقد شاركت "القائمة العربية الموحدة" (رَعَم) بقيادة منصور عباس في حكومة بينيت ولابيد القصيرة العمر عام 2021، كما أبدت أحزاب عربية أخرى، في مراحل مختلفة، استعدادا للتعاون مع أحزاب المعارضة الصهيونية في مواجهة نتنياهو. لكن إشراك الأحزاب العربية في ترتيبات الحكم، حتى إذا اقتصر دورها على الدعم من الخارج، لا يزال من المحظورات السياسية، ومن شأنه أن يمنح نتنياهو مادة يستخدمها في مهاجمة المعارضة. وقال عباس نفسه ليلة الانتخابات: "بهذه الأرقام لا توجد حكومة"، مشيرا إلى أن كلا المعسكرين يتحدث معه، ومضيفا: "حتى اليمين لا يقاطعنا".

نظريا، تعارض غالبية الأحزاب نتنياهو. لكن المعارضة استبعدت مسبقا الاعتماد على نحو خُمس هذه الأغلبية. فثلاثة من أحزاب المعارضة الأربعة ذات القيادة اليهودية ترفض تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربية

حسابات انتخابية قاسية

تشكل نسبة الحسم عاملا حاسما آخر في الانتخابات. فلا يفوز أي حزب بتمثيل في الكنيست ما لم يحصل على 3.25 في المئة على الأقل من مجموع الأصوات الصحيحة.

ولهذه القاعدة أثر مباشر في توزيع المقاعد. فالقائمة التي تخفق في تجاوز نسبة الحسم، ولو بفارق ضئيل، تخرج من الكنيست كليا وتستبعد الأصوات التي حصلت عليها، ما يقلل بدوره عدد الأصوات اللازمة أمام القوائم الأخرى لبلوغ أغلبية من 61 مقعدا. لذلك تدفع نسبة الحسم الأحزاب الصغيرة إلى حسابات دقيقة: إما الاندماج، أو عقد اتفاقات لتقاسم فائض الأصوات، أو الانسحاب من السباق قبل يوم الانتخابات، تفاديا لإهدار أصوات قد تكون حاسمة. وقد تمكنت 11 قائمة من تجاوز نسبة الحسم في فرز أصوات الاقتراع العادي.

ولا تقتصر المنافسة على الأحزاب والشخصيات الكبرى، مثل نتنياهو وآيزنكوت. فالأحزاب الأصغر خاضت بدورها معركة للبقاء، وقد يكون لمصيرها أثر حاسم في قدرة كل معسكر على تشكيل ائتلاف أوسع.

ودفعت هذه الحسابات المعسكرين الرئيسين إلى إعادة ترتيب صفوفهما على نطاق واسع قبل انتخابات 2026. فعزز المعسكر اليميني بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقع "الليكود" بعد انضمام كتلة جدعون ساعر إليه. وإلى جانب "الليكود"، يقف شريكاه التقليديان من أحزاب الحريديم، "شاس" و"يهودوت هتوراه"، إضافة إلى حزب "عوتسماه يهوديت" بزعامة إيتمار بن غفير و"الحزب الصهيوني الديني" بزعامة بتسلئيل سموتريتش.

وكان نتنياهو يراهن على أن الحزبين الأخيرين قد يحظيان بتأييد أكبر مما تظهره استطلاعات الرأي. وقد تحقق هذا الرهان جزئيا، إذ حصل حزب "عوتسماه يهوديت" بقيادة بن غفير على سبعة مقاعد، و"قائمة الصهيونية الدينية وزيهوت" على ستة مقاعد، وتمكن كلاهما من تجاوز نسبة الحسم رغم فشل مساعي دمجهما.

لكن تماسك الائتلاف لا يزال هشا. ولتفادي أن تخوض أحزاب اليمين المتطرف الانتخابات متفرقة، فيفشل أحدها في تجاوز نسبة الحسم وتضيع أصوات قد تكون حاسمة، سعى نتنياهو إلى جمع بن غفير وسموتريتش في قائمة انتخابية واحدة قبل الاقتراع. غير أن بن غفير رفض ذلك بصورة قاطعة، مراهنا على قدرة حزبه على خوض الانتخابات منفردا، رغم خطر سقوطه دون نسبة الحسم.

وفي المعسكر المقابل، سعى خصوم نتنياهو إلى توحيد صفوفهم لتفادي هدر الأصوات وتقديم تحد موحد. وكان أبرز هذه التفاهمات تشكيل قائمة مشتركة جمعت رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت وزعيم حزب "يش عتيد" (هناك مستقبل) يائير لابيد. وقد تصدر بينيت الحملة، بينما آثر لابيد البقاء في الظل، في خطوة بدت مقصودة لاستمالة ناخبين من اليمين خاب أملهم بنتنياهو. لكن هذا التحالف لم يحصد سوى 12 مقعدا، مقابل 21 مقعدا لآيزنكوت، ما جعل رئيس الأركان السابق يتصدر جهود المناورة السياسية في مواجهة نتنياهو. وعلى اليسار الصهيوني، اتحد حزبا "العمل" و"ميرتس" تحت قيادة يائير غولان لتشكيل "حزب الديمقراطيين"، بعدما ظل التشرذم يضعفهما لسنوات.

وفي بقية المشهد السياسي، خاض رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت الانتخابات بقائمة إصلاحية خاصة به، فيما حافظ أفيغدور ليبرمان على قاعدته القومية العلمانية. وكان بيني غانتس أبرز من دفع ثمن حسابات نسبة الحسم، إذ سحب حزبه فجأة من السباق بعد فشل محادثات الاندماج، منهيا بذلك مسيرته في هذه الانتخابات. ويعكس خروجه مدى سرعة تقلب المشهد السياسي الإسرائيلي، فبعد أن كان قبل أعوام قليلة من أبرز الوجوه الصاعدة، أصبح اليوم خارج السباق تماما.

ولتفادي أن تسحب أحزاب المعارضة الأصوات من بعضها، وقع قادة الأحزاب الخمسة الرئيسة اتفاقا نادرا لوقف الهجمات المتبادلة، إلى جانب تنسيق جهودهم لحشد الناخبين.

أما الأحزاب العربية، فخاضت بدورها معركة قانونية قبل الانتخابات. فقد قررت لجنة الانتخابات المركزية في البداية استبعاد كل من القائمة العربية الموحدة (رَعَم)، بقيادة منصور عباس والمحسوبة على التيار الإسلامي البرغماتي، والقائمة المشتركة التي أعيد توحيدها. لكن المحكمة العليا ألغت القرارين بالإجماع، وأعادت القائمتين إلى السباق الانتخابي. ونجحت القائمتان بالفعل في حشد الناخبين، إذ ارتفعت نسبة مشاركة العرب بصورة ملحوظة، وأظهر فرز أصوات الاقتراع العادي حصولهما معا على 19 مقعدا، أي ما يقارب ضعف تمثيلهما السابق. وتمنح هذه النتيجة الأحزاب العربية فرصة للتأثير بدرجة أكبر في السياسة الإسرائيلية، وربما تعكس رغبة العرب في إسرائيل في أداء دور أنشط في رسم مستقبل البلاد. لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب تجاوز محظورات سياسية راسخة. فإذا بقيت الأحزاب العربية معزولة، سواء اختارت هي الابتعاد عن المشاركة، أو استبعدتها الأحزاب الصهيونية، أو اجتمع العاملان، فستظل على هامش تشكيل الحكومات بدلا من أن يصبح لها دور مرجح. وكان منصور عباس قد انضم في السابق إلى حكومة تقودها المعارضة، وأبدى قبل ذلك استعدادا للتواصل مع نتنياهو، لكن حزبه وحده قد لا يكفي لإنهاء المأزق.

وبالتوازي مع إعادة رسم التحالفات، يشهد المشهد السياسي تغييرا تدريجيا في الوجوه والقيادات. فقد تنحى أو خرج من السباق عدد من السياسيين الذين ظلوا حاضرين فيه لسنوات، من بينهم غانتس، ورئيس الكنيست السابق يولي إدلشتاين، والنائب العربي المخضرم أيمن عودة، إلى جانب قيادات سابقة في أحزاب الحريديم.

دخلت إسرائيل الانتخابات وسط مشهد سياسي منقسم إلى كتلتين متماسكتين، انشغلت كل منهما بحساب فرص أحزابها في اجتياز نسبة الحسم. لكن هذه الحسابات اصطدمت بواقع انتخابي بالغ التقلب، تداخلت فيه الاضطرابات التكنولوجية مع التهديدات الأمنية، ما زاد المشهد تعقيدا وجعل التوقعات أكثر صعوبة.

دخلت إسرائيل الانتخابات وسط مشهد سياسي منقسم إلى كتلتين متماسكتين، انشغلت كل منهما بحساب فرص أحزابها في اجتياز نسبة الحسم

توترات الحملة: اضطرابات تكنولوجية ومعارك قانونية وتهديدات أمنية

جرت الحملة الانتخابية الإسرائيلية لعام 2026 في أجواء مضطربة، وكانت من أشد الحملات الانتخابية تقلبا في تاريخ البلاد، إذ تضافرت محاولات التلاعب الرقمي، والجدل المتصاعد بشأن المراقبة، والاعتداءات على المرشحين، إلى جانب القيود الرسمية المفروضة على عمل الصحافيين، لتزعزع ثقة الجمهور بالعملية الديمقراطية.

ورغم القواعد الرسمية التي تفرض الشفافية على الحملات الانتخابية، كشفت بيانات مشروع "زي بي إيه آي" (Ze Be AI) البحثي التابع للجامعة المفتوحة في إسرائيل أن نحو 13 في المئة من المحتوى الانتخابي المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي كان مفبركا أو تعرض لتعديلات جوهرية، فيما استحوذ حزب "الليكود" الحاكم على نحو ثلث المنشورات التي رصدها المشروع. وشهدت المنصات الرقمية أيضا انتشار مقاطع مصنعة بتقنية التزييف العميق، تظهر شخصيات معارضة وهي تعانق قادة أحزاب عربية، في حين نشر وزراء من اليمين المتطرف مقاطع تصور رئيس المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة وهما يتعرضان للجر خلال احتجاجات في الشوارع.

في موازاة ذلك، توسعت الحملات السياسية في استخدام تقنيات المراقبة إلى أقصى الحدود التي يتيحها القانون.

وتصاعد الجدل بعدما زعم شخص كشف عن مخالفات أن البرنامج الذي يستخدمه حزب "الليكود" لحشد الناخبين قد يتيح استخدام ميكروفونات الهواتف الذكية لمراقبة مراكز الاقتراع وتسجيل هويات الناخبين لدى المناداة بأسمائهم. وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول، تدخلت المحكمة العليا بقرار عاجل منع مراقبي الأحزاب من جمع بيانات المشاركة في التصويت داخل مراكز الاقتراع أو نقلها بصورة فورية.

رويترز
غادي آيزنكوت، القائد العسكري السابق وزعيم حزب "يشار"، يلوح بيده عقب إعلان نتائج استطلاعات الرأي عند الخروج من مراكز الاقتراع في مقر حزبه، في تل أبيب، 28 أكتوبر 2026

ولم تبق التوترات حبيسة الفضاء الرقمي، بل امتدت إلى الميدان، حيث تلقى مرشحون من مختلف الأطياف السياسية تهديدات صريحة بالقتل، ما دفع جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) إلى تشديد الإجراءات الأمنية لحمايتهم. وعززت الأجهزة الأمنية الحماية المفروضة على نفتالي بينيت بعدما رشقه أحد المعتدين بأداة زجاجية في بني براك، فيما أصابت زجاجة موكب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال احتجاجات في القدس، وتعرض مرشحون في الضفة الغربية للرشق بالحجارة. وتفاقمت حدة التوتر مع إرسال أحزاب يمينية آلاف الناشطين إلى مراكز الاقتراع في المناطق العربية بحجة منع التزوير، في خطوة أثارت استنكار نواب عرب رأوا فيها محاولة متعمدة لترهيب الناخبين وثنيهم عن الإدلاء بأصواتهم. وعلى صعيد آخر، أثار قرار سلطات الهجرة منع صحافيين أوروبيين معتمدين من دخول البلاد احتجاجات دبلوماسية.

بعد اكتمال فرز الأصوات، ستبدأ معركة تشكيل الحكومة، إذ يحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعدا من أصل 120 في الكنيست. وتفتح النتائج ثلاثة مسارات محتملة، لكل منها تعقيداته السياسية والمؤسسية

هل يستطيع أي معسكر الحكم؟

بعد اكتمال فرز الأصوات، ستبدأ معركة تشكيل الحكومة، إذ يحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعدا من أصل 120 في الكنيست. وتفتح النتائج ثلاثة مسارات محتملة، لكل منها تعقيداته السياسية والمؤسسية.

قد تتمكن المعارضة، بقيادة غادي آيزنكوت، من تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم الأحزاب العربية من خارج الائتلاف. لكن هذا المسار يبدو بعيد المنال في ضوء الأرقام الحالية، إذ يتطلب الحصول على دعم منصور عباس، وربما تأييد حزب آخر أيضا، إما من المعسكر اليميني وإما من أحد أحزاب القائمة العربية المشتركة. وكلا الاحتمالين مستبعد، وقد ينفران واحدا على الأقل من شركاء آيزنكوت، ولا سيما أفيغدور ليبرمان. وحتى إذا نجح آيزنكوت بطريقة ما في تشكيل حكومة، فإن الجمع بين علمانيين متشددين ويساريين تقدميين تحت سقف حكومة واحدة قد يجعلها هشة منذ أيامها الأولى.

في المقابل، يمتلك نتنياهو أوراقا أقوى، لكن طريقه إلى الأغلبية لا يزال محفوفا بالعقبات. فهو بحاجة إلى استمالة حزب واحد على الأقل من المعارضة. وليس مستبعدا أن يسعى إلى التواصل مع منصور عباس، أيا كانت تصريحاته، وإن كان ذلك قد يثير تمردا فوريا لدى شركائه من اليمين المتطرف. والأرجح أن يركز جهوده على أحزاب المعارضة اليمينية. وهذا أيضا رهان صعب، لكن جميع المسارات الممكنة لتشكيل حكومة تبدو كذلك في ظل موازين القوى الحالية.

أما إذا عجز المعسكران عن تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، فستجد إسرائيل نفسها مجددا في مأزق سياسي، مع بقاء نتنياهو على رأس حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وقد يستمر الانسداد السياسي عبر جولات عدة من المفاوضات، قبل أن يفضي إلى انتخابات مبكرة أخرى.

ولكل من هذه السيناريوهات تداعياته على المشهد السياسي الإسرائيلي. فتشكيل حكومة يمينية بأغلبية ضئيلة قد يجدد الصراع بشأن القضاء، ويغلق الباب أمام أي مسار يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية، ويدفع نحو سياسات أكثر تشددا في التعامل مع الملفات الإقليمية. في المقابل، ستعمل حكومة تقودها المعارضة على ترميم العلاقات مع العواصم الغربية، وتخفيف التوتر بين المؤسستين المدنية والعسكرية، وإيجاد حلول لأزمة التجنيد، إلى جانب تعزيز آليات الرقابة والتوازن بين مؤسسات الحكم.

وسواء أفرزت الانتخابات أغلبية يمينية متشددة أو ائتلافا معارضا هشا، فإن نتائجها سترسم ملامح المسار الذي ستسلكه إسرائيل بين رؤيتين متباعدتين لمستقبل مؤسساتها الديمقراطية وتحالفاتها الإقليمية والتعافي من تداعيات الحرب. لكن البلاد، بعدما أدلت بأصواتها، لم تحصل على أرقام حاسمة ولا على استقرار يدوم طويلا، ودخلت الآن مرحلة مألوفة في السياسة الإسرائيلية، لن تتشكل فيها حكومة جديدة إلا إذا تراجع أحد الأطراف عن وعوده.

font change

مقالات ذات صلة