القوات الإسرائيلية في غزة: جنس وأكاذيب ومقاطع فيديو

انتهاكات تبدأ بالتحرش وتنتهي بالاغتصاب

AP
AP
جنديات إسرائيليات يلتقطن صورة "سيلفي على خلفية الدمار في قطاع غزة، 19 فبراير، 2024

القوات الإسرائيلية في غزة: جنس وأكاذيب ومقاطع فيديو

في 19 فبراير/شباط الماضي، أصدر خبراء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة،، بيانا حول الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها النساء والفتيات الفلسطينيات (في غزة والضفة الغربية)، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وإذ ينقل الخبراء شهادات مروعة عن عمليات القتل دون محاكمة، التي ترتكب في حقّ أولئك النساء، لا سيما في غزة، حيث بعضهن تقتل مع أطفالهن وأفراد عائلاتهن، يذكر البيان أيضا حالات التحرّش والاعتداء الجنسيين، سواء التي تتعرض لها النساء في غزة، أو الفلسطينيات من الضفة الغربية اللواتي يعتقلن ويتعرضن لمعاملة شديدة القسوة لا تخلو من الضرب والإهانة والتحرّش الجنسي.

يتحدّث البيان عن ارتكاب عمليات اغتصاب في حق نساء فلسطينيات، مؤكدا وقوع اعتداءين من هذا النوع على الأقلّ، وهو ما يلقي الضوء على جريمة حرب (بل إن الاغتصاب في حال تأكده يقع أيضا تحت خانة جرائم الإبادة إن كان سياسة ممنهجة تستهدف مجموعة من البشر) تضاف إلى جرائم القتل الميداني والاعتقال التعسفي والتعذيب والتجويع التي يتعرض لها أكثر من مليون ونصف المليون من سكان غزة تحديدا. ولا يغفل البيان الإشارة إلى تعمّد الجنود الإسرائيليين التقاط صور مهينة للنساء الفلسطينيات ونشرها على حساباتهم على التواصل الاجتماعي، لا سيما على منصة "تيك توك"، ومنها على سبيل المثل صور وفيديوهات لنساء محبوسات في قفص تحت المطر.

انتهاكات

في هذا النوع من الانتهاكات الإسرائيلية، قلّما تردّ سلطات الاحتلال، وفي حال علّقت فإنما على حوادث تتعلق بالرجال تحديدا، لا النساء. فقد ردّت مرة على الضجة التي أثيرت حول صور تعرية الأسرى الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، بذريعة أنهم "عناصر من حماس"، مبرّرة هذه الممارسة بأن الجنود يسعون إلى التأكد من أن أولئك الرجال لا يحملون أسلحة أو أحزمة ناسفة، في حين فبركت صورا لبعض أولئك الرجال وهم يحملون أسلحة، في محاولة لم تنجح للقول إنهم من عناصر "حماس" وليسوا مدنيين. المرة الثانية هي حين التقطت مجموعة جنود صورا ومقاطع فيديو لأنفسهم داخل مسجد، وهم يرددون عبارات عنصرية مقيتة. أما المرة الثالثة فهي حين أعلنت سلطات الاحتلال أنها اتخذت إجراءات تأديبية في حق جندي عذّب مدنيا فلسطينيا بعد اعتقاله.

هذا المشهد ليس نتاج ممارسات شاذة و"معزولة" لجنود، بقدر ما هو عمل ممنهج المراد منه استخدام الإهانة والتحرش ضمن المجهود الحربي

وفي حين أن المراد من هذه "الاعترافات" أو التعليقات الرسمية، التي تأتي دائما بعد انتقادات غربية توجّه إلى إسرائيل وحربها ضدّ المدنيين في غزة، تأكيد أن الجيش يتخذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون وقوع مثل هذه الحوادث، وأنه "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، فإن هذه التعليقات، قياسا بحجم ما ينقل وينشر من قبل الجنود أنفسهم، تنحو إلى أن تكون سبيلا للتغطية على المشهد الأكبر، الذي لم يعد يبدو أنه نتاج ممارسات شاذة و"معزولة" لجنود، بقدر ما هو عمل ممنهج المراد منه استخدام الإهانة والتحرش ضمن "المجهود الحربي"، انتقاما من سكان غزة من جهة، ووسيلة لكسر إرادتهم، والضغط على "حماس"، من جهة أخرى، تماما مثلما يستخدم التجويع سلاحا لتحقيق الأهداف عينها.

سوابق تاريخية

حرب غزة ليست الأولى التي تسجّل فيها مثل هذه الانتهاكات، إذ تشير تقارير حقوقية وأممية إلى تعرّض أعداد كبيرة من السودانيات إلى الاغتصاب في الحرب الجارية حاليا بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ومن الامثلة التي لا تزال ماثلة في الذاكرة حرب البوسنة (1992-1995)، التي اغتصب خلالها ما بين 20 و50 ألف امرأة وفتاة بوسنية، معظمهن اغتصبهن جنود من الصرب خلال أسرهن. أما خلال عمليات الإبادة في رواندا (1994)، فقد اغتصب على امتداد 100 يوم زهاء نصف مليون امرأة وطفلة، مما حدا بمحكمة الجنايات الدولية إلى إصدار أول حكم في التاريخ يعتبر أن ما سمي بعمليات "الاغتصاب الإبادي" التي ارتكبت في ذلك الحين كانت جزءا من أسلحة الحرب التي استخدمت.

وجهت أصابع الاتهام في اغتصاب نحو مليوني ألمانية حصرا إلى القوات السوفياتية، وأهملت تماما مشاركة بقية الحلفاء، ولا سيما الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون

إلا أن الحصة الكبرى من هذه الجرائم، سجلت خلال الحرب العالمية الثانية، حين اغتصبت نحو من مليوني امرأة وفتاة ألمانية، بعد دخول الحلفاء إلى برلين. وفي حين ظلّ التغاضي والإنكار السمة الكبرى خلال السنوات الأولى من انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل وحتى خلال فترة ارتكاب تلك الجرائم، فقد برزت إلى الضوء إبان الحرب الباردة، واعترف الغرب بوقوع جرائم على هذا النطاق الواسع، إنما فقط كجزء من الدعاية السياسية ضدّ الاتحاد السوفياتي، فقد وجهت أصابع الاتهام حصرا إلى القوات السوفياتية، وأهملت تماما مشاركة بقية الحلفاء، ولا سيما الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون، حتى بدأت دراسات حديثة بإماطة اللثام عن الفظاعات التي ارتكبت في حق النساء خلال الحرب وبعدها مباشرة، والتي مع ذلك وبعد نحو ثمانين عاما لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه.

توظيف دعائي

جاءت أبرز محاولة تأريخية جادّة في هذا الإطار، من ألمانيا نفسها، حيث نشرت المؤرخة ميريام غيبهارت كتابها الفارق "حين جاء الجنود" (2015)، أو بترجمته الإنكليزية "جرائم مسكوت عنها: اغتصاب النساء الألمانيات في نهاية الحرب العالمية الثانية" الذي تضمن تحقيقا مكثّفا عن طبيعة جرائم الاغتصاب التي ارتكبها الحلفاء ومدى اتساع نطاقها. وفي حين تتجنّب المؤرخة لعبة الأرقام، وما إذا كان العدد مليونين أو أقلّ أو أكثر، تركز اهتمامها على الحقيقة التي لا جدال حولها، وهي وقوع آلاف مؤلفة من هذه الانتهاكات. وفي ظلّ غياب البيانات الإحصائية الدقيقة، تعود المؤرخة إلى سجلّ الولادات بين الألمانيات، من رجال ينتمون إلى قوات الحلفاء، بين عامي 1945 و1955، والذي بلغ 68 ألف طفل، مشيرة إلى أن واحدة من كل عشر حالات اغتصاب ينتج منها حمل، أي أنّ حالات الاغتصاب تصل إلى مئات الآلاف. 55 في المئة من الجنود الذين ارتكبوا هذه الأعمال كانوا أميركيين، و15% فرنسيين، و13 في المئة بريطانيين، و5 في المئة سوفياتا، و3% بلجيكيين.

Reuters
فلسطينيون أسرتهم القوات الإسرائيلية وعرّتهم في بيت لاهيا شمال قطاع غزة

ولعل اللافت في كتاب غيبهارت، السبب الذي تعزوه إلى إخفاء هذه الحقائق طوال هذا الوقت، وعدم الاعتراف بالضحايا، وهو الخشية من أن يؤدي الكشف عنها إلى تخفيف وقع جرائم النازية الألمانية ولا سيما الإبادة التي ارتكبت ضدّ اليهود (الهولوكوست). ما يهمنا بالمقارنة مع الجرائم الإسرائيلية اليوم في غزة والأراضي الفلسطينية، هو تماما هذه الجزئية، إذ سعت الآلة الدعائية الإسرائيلية (وإلى حدّ كبير الأميركية والأوروبية) إلى التعمية الممنهجة على جميع الانتهاكات الإسرائيلية، وأولها القتل العمد للمدنيين، حتى ليبدو الصمت على الانتهاكات الجنسية تحصيلا حاصلا. ذلك أن مجرد الاعتراف بإمكان وقوع هذه الاعتداءات، له أن يخفّف وقع المزاعم التي لا تزال تتكرّر على الرغم من انكشاف زيفها، وغياب أيّ دليل عليها، عن فظاعة ما تعرّض له إسرائيليون يوم 7 أكتوبر، وقد جاء توظيف مزاعم اغتصاب نساء وفتيات إسرائيليات، التي تبيّن زيفها، خلال ذلك اليوم، لخدمة ترسيخ هذه الصورة الوحشية لـ"العدو" الفلسطيني، ذلك الذي يبقر بطون الحوامل ويقتل الرضع ويغتصب النساء، أي ذلك المضاد تماما لـ"ثقافة الحياة"، وللقيم الغربية القائمة على احترام حقوق الإنسان.

انتقام وترويض

أما وقد مهّدت هذه السردية الإسرائيلية الأرض، عبر حملات دعائية مكثفة، لشيطنة الفلسطيني، كلّ فلسطيني وليس "حماس" فحسب، فإن كلّ ما يأتي بعد ذلك، بحسب هذه العقليّة، هو من قبيل ردّ الفعل "الطبيعي" لا أكثر. فالإسرائيليون يتعاملون مع "حيوانات" مثلما أكد كبار مسؤوليهم أكثر من مرة، حيوانات لا يتوانون عن ارتكاب كلّ فعل لا إنساني شائن، وبالتالي فإن التنكيل بهم لا ينتهك أيّ قيمة إنسانية، بل يؤكد تلك القيم. إن المنطق الذي حكم ويحكم الردّ الإسرائيلي في غزة، تحدّد منذ اللحظة الأولى بهذا الإطار العام الذي يبيح كلّ المحظورات، وهو شعور يتوازى مع رغبة جامحة في الانتقام، سواء للقتلى الإسرائيليين أو لصورة التفوق الإسرائيلي. الفارق مع كل الحروب السابقة، هو أن الانتقام هذه المرة ليس مخفيا ومتحايلا عليه بالذرائع والدوافع السياسية (القضاء على "حماس" وتحرير الرهائن)، بل إنه انتقام علني صرف، يهدف إلى إنزال أقصى درجات الألم بالعدو الفلسطيني، في الوقت الذي يسعى فيه إلى "ترويض" (بالمعنى الحرفي الذي يستخدم مع الحيوانات) هذا العدو، لا تأديبه فحسب.

مثل هذا الانتقام لا بدّ من أن يتغذّى دائما بالقدر الكافي من الأكاذيب: فالانتهاكات الجنسية تأتي بعد سردية إسرائيلية عن انتهاكات مشابهة

مثل هذا الانتقام لا بدّ من أن يتغذّى دائما بالقدر الكافي من الأكاذيب: فالانتهاكات الجنسية تأتي بعد سردية إسرائيلية عن انتهاكات مشابهة، واقتحام المستشفيات وتدميرها ترافقه تقارير عن أنفاق تحتها وعن رهائن احتجزوا فيها، والتجويع يأتي بعد التقارير عن تواطؤ الأونروا مع "حماس" واعتقال أيّ  مدني (ولو كان امرأة أو طفلا أو مسنا) وحتى قتله نهارا جهارا فللاشتباه بأنه ينتمي إلى "حماس". كلّ جريمة تجد ذريعة مناسبة لها، إلا أنّ الإسرائيليين لا يبدون مبالين بجدية تلك الذرائع أو حتى الثبات عليها، بل يكفي ذكرها عرضا أحيانا، أو في إطار الإجراءات البيروقراطية الإدارية ضمن المؤسسة العسكرية، مثل القول إنه جار التحقق في شأن هذه المزاعم، من دون الاكتراث بمتابعة تلك التحقيقات المزعومة أو عرض أيّ نتائج لها.

هاجس التدنيس

فوق هذه الأرضية الممهدة من المزاعم والادعاءات، بما فيها ادعاءات التفوق القيمي والحضاري والإنساني، تأتي ممارسات جنود الاحتلال الموثقة بالصور والفيديوهات، التي بدأت بعرض جنود (وجنديات) الاحتلال وهم يقتحمون بيوت الفلسطينيين في غزة وينهبونها، أو يذلون أهلها (في حال وجودهم) أو السخرية منهم ومن عذاباتهم، وصولا إلى المحتوى ذي الطابع الجنسي الذي ينطلق من هاجس تدنيسيّ لدى من يقترفونه. فترى الجنديات الإسرائيليات يؤدين مشاهد التعرّي، معتمدات العتاد العسكري ولا سيما البندقية، داخل بيوت الفلسطينيين في غزة، أو نرى الجنود يؤدون مشاهد جنسية مع وحول ملابس النساء الداخلية الموجودة في البيوت التي يقتحمونها، وكأنهم بذلك يهينون أصحاب تلك البيوت، عبر فرض رمزية جسدية وجنسية إباحية يرون أنها تتناقض مع القيم التي يحملها الآخر (العربي/ المسلم). بالتالي فإن عرض الملابس الداخلية يقوم بالنسبة إلى أولئك الجنود والجنديات مقام الافتضاح، أي ليس القول فحسب إننا نقتحم حرمة تلك البيوت، بل نقتحم وندنّس خصوصية أهلها ومنظومتهم القيمية/ الدينية.

AFP
جنود إسرائيليون يلتقطون صورة مع هيكل عظمي بلاستيكي عثر عليه خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة في 27 ديسمبر 2023

ليس بالجديد أن الفلسطيني، بالنسبة إلى الإسرائيلي عموما، ليس إنسانا. عقود طويلة من الانتهاكات والجرائم لم تكن لتؤدّي إلى غير هذه التصورات. الأسوأ أن الفلسطيني غير موجود في المقام الأول إلا بالتعارض مع وجود الطرف الآخر وعلى الرغم من ذلك الوجود. هذا جوهر قيام إسرائيل في المقام الأول، وهو أساس النكبة وما بعدها. من هنا نفهم الإمعان الإسرائيلي في إنكار حقيقة الاحتلال نفسه. ما كشفته حرب غزة بوضوح مخيف هو حقيقة أن الاحتلال لا ينظر إلى نفسه كطرف يمارس الاحتلال، بقدر ما يمارس حقه الطبيعي في الوجود، وأن الطرف الواقع تحت الاحتلال (الفلسطيني) ليس أكثر من مصدر تشويش على هذا الحق في الوجود. صحيح أن هذا الواقع كان قائما منذ البداية، وأنه لطالما حكم كلّ علاقة الإسرائيلي بالفلسطيني، إلا أنها المرة الأولى التي يتظّهر فيها بهذه الصراحة والعلانية. ما يمارسه الاحتلال في غزة من إمعان في القتل والتدمير والتعذيب والإهانة التي لن تمحو آثارها عقود من الزمن، لا يترك مجالا لفكرة أن هناك شعبين عليهما التعايش واحدهما في جوار الآخر، ذات يوم، بل أن هناك شعبا واحدا، هو الشعب الإسرائيلي، الذي بات لا يتحقق وجوده إلا بنفي وجود الطرف الآخر.

غزوات قبلية

في معرض ردّ5 الجيش الإسرائيلي على أسئلة "نيويورك تايمز" (6 فبراير/شباط 2024) حول انتشار فيديوهات لجنود إسرائيليين وهم يدمرون منازل وممتلكات خاصة لمدنيين فلسطينيين، وهي الفيديوهات التي استخدمتها جنوب أفريقيا كجزء من الأدلة في دعواها ضدّ إسرائيل في محكمة العدل الدولية، عزا الجيش هذه الممارسات إلى "الضرورات العسكرية"، وهو تبرير عريض جدا، يمنع في الحدّ الأدنى أيّ مساءلة أو إجراءات تأديبية، ويؤشّر إلى تغطية مثل هذه الجرائم، إن لم يكن التواطؤ بها، وهو الراجح. وعلى الرغم من أن محتوى الفيديوهات المنتشرة بالمئات على "تيك توك" تحديدا، لا يحتاج إلى تأويل، فالجنود أنفسهم يعبّرون عن أسباب أعمال التدمير والنهب، سواء انتقاما من الفلسطينيين، أو انتقاما لجنود محدّدين قتلوا في المعارك، أو لضحايا 7 أكتوبر (بعض التفجيرات تهدى إلى أفراد محدّدين)، فإن هذه التغطية الرسمية وترسيخ الشعور لدى الجنود الإسرائيليين بالإفلات من المحاسبة، يقف بداهة وراء الزيادة الهائلة في أعداد هذه الممارسات، وتصويرها.

من هنا، يبدو بديهيا أن انتقال أولئك الجنود والجنديات، بالتوازي، إلى تصوير المقاطع ذات المحتوى الجنسي، يأتي نتيجة للتسامح الرسمي مع الانتهاكات الأخرى. فما الضرر في أن يتصوّر جنديّ مع ملابس نسائية داخلية لنساء فلسطينيات؟ إن السؤال عن مصير سكان تلك البيوت، وأولئك النساء اللواتي تُعرض ملابسهن الداخلية، ليس مطروحا أساسا، تماما مثلما يبدو عاديا أن تلتقط مجموعة جنديّات صورة سيلفي لهن، على خلفية حيّ فلسطيني مدمر، بما يفترض أن يخبر عن الجنديات أنفسهن، وعن "حياتهن اليومية" خلال الحرب، دون إقامة أيّ اعتبار للضحايا تحت ركام تلك البيوت، أو عن الذين أجبروا على النزوح والعيش في ظروف لا إنسانية بفعل أعمال الهدم والترهيب تلك، من هذا القبيل يبدو المحتوى الجنسي الذي ينقله جنود من الجنسين. إنهم يتسلّون أو يرفّهون عن أنفسهم أو يخفّفون ضغوط الحرب، تماما مثلما يرفّه أطفال عن أنفسهم في حديقة، سوى أن أولئك الجنود ليسوا أطفالا، والأمكنة التي "يلعبون" بها تخصّ بشرا آخرين قتلوا أو هُجّروا أو اعتقلوا، كما أنهم جنود نظاميون يتحرّكون (نظريا) وفق الأوامر والتوجيهات واللوائح الناظمة الصارمة، وبالتالي لا يمكن، لا بالمعنى القانوني ولا الأخلاقي، عزل ما يقومون به عن المؤسسة التي ينتمون إليها، والتي تغطّي على انتهاكاتهم أو تكتفي بالتعليقات والتصريحات الصحافية التي لا تغيّر في الواقع شيئا.

حين تحرم، أمام أعين العالم، شخصا من الحياة، ما الذي سيمنعك من "اللعب" أمام الكاميرات، أي أمام العالم، بملابسه الداخلية؟

يعود الجندي الإسرائيلي هنا إلى منطق الغزوات القبلية القديمة. فكلّ شيء مباح، الأرض وما عليها من أشياء وممتلكات وبشر، جميعهم مستباحون منتهكون، ما دام ليس هناك من وازع أخلاقي من أيّ نوع يحكم هذا الاجتياح الإسرائيلي، وما دام كلّ ما اقترفه وما يمكن أن يقترفه الجنود، لا يستثير غضب أو احتجاج الحكومات والدول التي تغطّي هذه الحرب وتمنحها الشرعية السياسية. كيف يمكن، على سبيل المثل، تفسير عقوبات البيت الأبيض ضدّ أربعة مستوطنين متطرفين في الضفة الغربية، سواء بسبب أفعالهم أو خطابهم المتشدّد، إلا بوصفه رخصة لكلّ الأفعال والخطابات الأخرى، وخصوصا تلك التي ترتكب في قطاع غزة؟ هذه الإدانة الجزئية تخدم عمليا في جعل كلّ شيء آخر يبدو طبيعيا ومقبولا، لا يستدعي حتى الإدانة اللفظية.

EPA
وحدة جنود إسرائيليين عائدة من قطاع غزة إلى معسكرها الأساسي على الحدود مع القطاع

منذ اللحظة الأولى لوقوع هجوم 7 أكتوبر 2023، كان هناك جهد هائل لرسم صورة "الشرير" في هذا الصراع، وهذا الشرير انتقل من كونه "حماس" إلى أن يكون كلّ الفلسطينيين، دون تمييز بين طفل وبالغ، أو بين رجل وامرأة، أو بين حزبي وغير حزبي. جميع الفلسطينيين مذنبون، على الأقلّ بمقاومة الاحتلال، مثلما كانت النساء الألمانيات مدانات سلفا لمجرد كونهن ألمانيات، وبالتالي فإن إنزال العقاب والألم بهن، شأن جميع المدنيين، هو جزء من معاقبة "حماس"، وما صور الجنود الذين يتفاخرون بملابس النساء الداخلية، أو الجنديات اللواتي يتعرين في منازل الفلسطينيين، إلا نتيجة بديهية لجملة الجرائم الفادحة التي ارتكبت وترتكب كل دقيقة في غزة. فحين تحرم، أمام أعين العالم، شخصا من الحياة، تحت شعار أنك تنتمي إلى "عشاق الحياة"، فما الذي سيمنعك من "اللعب" أمام الكاميرات، أي أمام العالم، بملابسه الداخلية؟

font change

مقالات ذات صلة